مازال العمل جاري في تطوير الموقع وفقنا الله وإياكم لكل خير وسدد خطنا وخطاكم على طريق الحق

 

شبكة الدعوة والتبيلغ » المواضيع » كـتـب ورســــــــــــــائل


وجوب الدعوة إلى الكتاب والسُّنة 1

 

 

 

وجوب الدعوة إلى الكتاب والسُّنة
بفهم سلف الأمة
ومنهاج جماعة التبليغ في ذلك
تأليف
خالد بن عبد الرحمن

بسم الله الرحمن الرحيم
يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون
صدق الله العظيم

المقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، -صلى الله عليه وآله وصحبه وإخوانه أجمعين-.

أما بعد ، ، ،

فإن من المعلوم أن الله سبحانه وتعالى أنزل كتابه الكريم، وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولما كان الأمر كذلك فإن الخير كل الخير في كتاب الله، وفي السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله -تبارك وتعالى- بين لنا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله: كأنها موعظة مودع فأوصنا. فقال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين …" الحديث، ولما استقر في نفسي صدق هذا الخبر عن رسول الله رأيت أن أكتب هذا البحث، مع العلم بأن كاتب هذا البحث ليس من العلماء، وإنما عملاً بقوله    فيما رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله قال: "بلغوا عني ولو آية .." الحديث، وقد قسمت البحث إلى ثلاثة فصول،
الفصل الأول وفيه:
1- إلام كانت دعوة الأنبياء.
2- وجوب الدعوة إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.
3- ما واجب الدعاة الإسلاميين في وقتنا الحاضر.

الفصل الثاني: وفيه منهج جماعة الدعوة والتبليغ ودعوتها

الفصل الثالث: وفيه بعض الرسائل المؤلفة في جماعة التبليغ وفق الله الجميع لإحياء كتاب الله وسنة رسول الله بفهم سلفنا الصالح والحمد لله رب العالمين.

خالد بن عبد الرحمن

إلام كانت دعوة الأنبياء

إن المتتبع لآيات الكتاب يجد أن دعوة الأنبياء إنما كانت منصبة على:
1. إقامة التوحيد الخالص لله -تبارك وتعالى-، ونفي العبودية لغير الله -تبارك وتعالى- سواء نفي العبودية عن ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو صنم أو حجر أو ...الخ
2. الدعوة إلى الفرائض، والنهي عن المنكرات والبدع والخرافات.

ونستطيع أن نلخص النقطة الأولى بقولنا: أ- دعوة عقائدية.
والنقطة الثانية بقولنا: ب- دعوة عملية.
يقول ابن تيمية( ) رحمه الله:
(فالرسل متفقون في الدين الجامع للأصول الاعتقادية والعملية) أ هـ.
فهذا سيدنا نوح يدعو قومه دعوة عقائدية حيث يقول لهم:
قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3)
فهذه دعوة عقائدية.
ثم في موضع آخر يدعوهم إلى الدعوة العملية فيقول لهم:
] فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً[ … الآيات) ( ) ،
ففي الأولى يأمرهم بعبادة الله، وترك غيره من المعبودات وفي الثانية يأمرهم بالاستغفار، فالأولى دعوة عقائدية، والثانية دعوة عملية.
وهذا إبراهيم -عليه الصلاة السلام-، يدعو قومه إلى حقيقة التوحيد فيقول لهم:
]ما تعبدون * قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون * قال أفرءيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدوٌّ لي إلا رب العالمين * الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين * رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين[( ).
فهذه دعوة عقائدية من إبراهيم لقومه، في أنه لا رب سوى الله رب العالمين، وأنه لا خالق إلا هو، ولا هادي إلا هو، ولا مطعم ولا مسقي إلا هو، ولا شافي إلا هو ولا محيي ولا مميت إلا هو، فهذه دعوة عقائدية، دعوة إلى التوحيد الخالص النقي من شوائب الشرك والكفر، وعبادة غير الله، دعوة إلى أنه لا يملك النفع والضر إلا الله -تبارك وتعالى- دعوة إلى أنه لا يستحق العبادة سوى الله.

وهكذا كان هم إبراهيم مع قومه، ومع والده آزر، حيث يقول له:
]يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً[( ) .
ثم هو يتجه إلى الله -تبارك وتعالى- أن يحفظ الله له نفسه على الدعوة العقائدية فيقول:
]رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبني أن نعبد الأصنام[( ).

فهذه دعوة عقائدية.
وهو يتوجه إلى الله في دعاء آخر فيقول:
]رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاءِ[ ( ).
وهذا دعاء منه للأعمال الموصلة إلى الله -تبارك وتعالى- وهذه دعوة عملية.
وهذا إبراهيم في موضع آخر يحاجّ قومه، ويناظرهم بالحجة الداحضة لشبههم فيقول لهم:
]أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما تعلمون[ ( ).
وهكذا جرى على سنة الوالدِ الابنُ، فهذا نبي الله يعقوب يقول لأبناءه:
]يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون[( ).
وهذه وصية من يعقوب لأبناءه، وهي للدعوة الإعتقادية.

وفي موضع آخر يقول لهم:
]ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آباءك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون[( ).
فيعقوب وهو على فراش الموت يوصي أبناءه بالدعوة العقائدية والدعوة العملية، حيث إن العبادة تنتظم كلا الأمرين.
يقول ابن تيمية في تعريف العبادة لله:
"والعبادة: اسم يجمع غاية الحب له وغاية الذل له"( )، أهـ.
قلت: ولا يكون ذلك إلا بكلا الأمرين، أقصد الدعوة العقائدية، والدعوة العملية.
وهكذا لو تتبعنا بقية دعوة الأنبياء الآخرين نجدهم أنهم سلكوا نفس مسلك أبيهم إبراهيم.
فهذا يوسف في شدة الكرب، وفي غيابات السجون، ولكن مع ذلك كان همّه إقامة الدعوة العقائدية، والتي هي توحيد الله فـي (ربوبيته، وألوهيته، وأسماءه وصفاته).
فهذا هو   يقول لمن معه من المسجونين:
]يا صاحِبَيِ السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار * ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون[( )،
فهو في السجن ولكن كان همه إقامة الدعوة العقائدية، ففي قوله: (أم الله الواحد القهار) توحيد الأسماء والصفات وفي قوله: (أمر ألا تعبدوا إلا إياه)، توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية.
وهذا هود -    - يدعو قومه إلى الدعوة العقائدية فيقول لهم:
]اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون[( ).
فهذه دعوة إلى إقامة التوحيد، ونفي الشريك والمثيل عن الله -تبارك وتعالى- وهي دعوة عقائدية، ومتضمنة للدعوة العملية.
وهذا صالح يدعو قومه إلى القيام بالتوحيد فيقول لهم:
]يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب[( ).
ففي قوله: (ما لكم من إله غيره) توحيد الألوهية، وفي قوله: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) توحيد الربوبية، وفي قوله: (إن ربي قريب مجيب)، توحيد الأسماء والصفات.
فهذه دعوة إلى قيام حقيقة التوحيد الخالص بأنواعه الثلاث (الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات).
وهذا شعيب يدعو قومه إلى حقيقة التوحيد الخالص فيقول لهم:
]يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تَنْقُصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم مُحيط * ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين[( ).
دعوة عقائدية، وعملية، ففي قوله: (اعبدو الله ما لكم من إله غيره) دعوة عقائدية إلى توحيد الله -تبارك وتعالى-، وفي قوله: (ولا تنقصوا المكيال والميزان)، وقوله: (ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين) دعوة عملية.
وهذا إلياس يدعو قومه إلى الدعوة العقائدية، فيقول لهم:
]أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكـم ورب آبائكم الأولين[( ).
ففي قوله: (وتذرون أحسن الخالقين)، توحيد الربوبية وإثبات صفة الخلق لله -تبارك وتعالى- وقوله: (الله ربكم ورب آبائكم الأولين)، توحيد الألوهية.
وهذا موسى يدعو فرعون إلى الدعوة العقائدية فيقول له:
]قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً[( ).
وفي موضع آخر يقول له بعد أن سأله فرعون، وما رب العالمين فقال:
]قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون * قال ربكم ورب آبائكم الأولين * قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون[( ).
فهذه دعوة موسى لفرعون في إقامة حقيقة التوحيد، ونفي الألوهية عن غير الله -تبارك وتعالى-.
وهذا هارون يبين لبني إسرائيل حقيقة التوحيد الصافي عندما اتخذوا العجل فيقول لهم:
]يا قوم إنما فُتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري[( ).
فهذا أمر من هارون لقومه بنفي العبودية عن غير الله -تبارك وتعالى-.
وهذا سليمان يدعو بلقيس وقومها إلى الدعوة العقائدية، فيقول لهم في كتابه:
]ألَّا تعلوا عليَّ وأتوني مسلمين[( ).
وهذا عيسى يدعو قومه إلى حقيقة التوحيد، ونبذ الشرك فيقول مجيباً لربه تبارك وتعالى عندما يسأله:
]وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله * قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍ إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم[( ).
فهذه دعوة عيسى لقومه إلى القيام بالتوحيد، ونفي العبادة عن غير الله عز وجل، وهذا يونس بعد أن التقمه الحوت، يرجع إلى قومه ويدعوهم إلى حقيقة الإيمان، قال تعالى مخبراً عنه:
]وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون * فآمنوا فمتعناهم إلى حين[( ).
فهذه دعوة من يونس إلى قومه لخلع عبادة ما سوى الله تبارك وتعالى.
إذن علم من كل ما ذكرناه، على أن أنبياء الله كانت دعوتهم إلى:
1- إقامة التوحيد وهدم الشركيات بجميع مظاهرها، ويدخل في التوحيد كل الغيبيات التي أخبر الله تعالى بها( ) كالجنة، والنار، والبعث، والصراط، الميزان … وهذه دعوة عقائدية.
2- الدعوة إلى فرائض الله واجتناب نواهيه والتزام أوامره، وهذه دعوة عملية. قال ابن تيمية( ) رحمه الله، (فالرسل متفقون في الدين الجامع للأصول الاعتقادية والعملية، فالاعتقادية كالإيمان بالله وبرسُلِه واليوم الآخر، والعملية كالأعمال العامة المذكورة في الأنعام والأعراف، وسورة بني إسرائيل، كقوله تعالى:
]قل تعالوا أتلُ ما حرم ربكم عليكم[( ).
وقوله: ]وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه[( ).
إلى آخر الوصايا.و قوله:
]قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين[( ).
وقوله:
]قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون[( ) أهـ.
خلاصة بحثنا هذا، أن دعوة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، إنما هي دعوة عقائدية ودعوة عملية.

والله الموفق ،،،،،


بسم الله الرحمن الرحيم

نحمده سبحانه ونصلي ونسلم على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

أما بعد.

" أهمية العقيدة في حياة الأمة الإسلامية:
إن الله -سبحانه وتعالى- خلق البشرية جميعاً لإقامة التوحيد، حيث قال الله في كتابه الكريم:
]وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون[( ) الآية.
قال ابن كثير: "أي إنما خلقتهم لأمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم، وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: "إلا ليعبدون" أي إلا ليُقِرّوا بعبادتي طوعاً أو كرهاً وهذا اختيار ابن جرير، وقال ابن جريج: إلا ليعرفون، وقال الربيع بن أنس: إلا ليعبدون، أي إلا للعبادة، وقال السُّدى: من العبادة ما ينفع ومنها ما لا ينفع:
]ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله[.
هذا منهم عبادة وليس ينفعهم مع الشرك، وقال الضحاك: المراد بذلك المؤمنون" أهـ.
فأصل وجود البشرية هو إقامة التوحيد الخالص، وكما قيل: "وبضدها تتبين الأشياء" فالتوحيد ضد الشريك، والإيمان ضد الكفر، والسنة ضد البدعة.
فالواجب الأول الذي أمر الله به عباده، هو العقيدة الصحيحة بذات الله -تبارك وتعالى- في ربوبيته، وألوهيته، وأسماءه وصفاته.
وبدون العقيدة والإيمان، فلا تكون للإنسانية أية قيمة، بل تفقد الإنسانية قيمتها، حتى تكون أقل شأناً من البهائم، وقد وضح الله ذلك في كتابه الكريم حيث قال تعالى:
]ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعينٌ لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون[( ).
قال ابن كثير: "يقول تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم) أي خلقنا وجعلنا لجهنم (كثيراً من الجن والإنس) أي هيأناهم لها وبعمل أهلها يعملون فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق، علم ما هم عاملون قبل كونهم، فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ورد في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله   قال: "إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء".
وفي صحيح مسلم أيضاً، من حديث عائشة بنت طلحة، عن خالتها عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- أنها قالت: دُعي النبي إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى له، عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء، ولم يدركه، فقال رسول الله : "أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق الجنة، وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم".
ويتابع ابن كثير فيقول: "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها".
"يعني ليس ينتفعون بشيء، من هذه الجوارح التي جعلها الله سبباً للهداية".
ثم يتابع ابن كثير تفسيره فيقول: (بل هم أضل) أي من الدواب لأنها قد تستجيب مع ذلك لراعيها إذا أبس بها، وإن لم تفقه كلامه بخلاف هؤلاء، ولأنها تفعل ما خلقت له إما بطبعها وإما بتسخيرها، بخلاف الكافر فإنه إنما خلق ليعبد الله ويوحده، فكفر بالله وأشرك به، ولهذا من أطاع الله من البشر كان أشرف من مثله من الملائكة في معاده، ومن كفر به من البشر، كانت الدواب أتم منه ولهذا قال تعالى:
]أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون[ أهـ.
أقول بدون العقيدة تصبح الإنسانية موتى، وإن كانوا بصورة الأحياء، قال الله تبارك وتعالى مخاطباً نبيه :
]فإنك لا تُسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين[( ).
فالله -تبارك وتعالى- قد أعطى مثالاً في هذه الآية لكل من فقد التوحيد، وجعله في حكم الموتى الذين لا يسمعون، وما ذلك إلا لأن هذا النوع من البشرية قد فقدوا توحيد ربهم فصاروا موتى، وإن كانوا يتحركون ويأكلون ويمشون.
وإن هذا المثال الذي ضربه الله -تبارك وتعالى- لمن فقد التوحيد لم يكتف الله -تبارك وتعالى- بذكره في موضع واحد بل ذكره الله في عدة مواضع حيث قال تعالى في موضع آخر:
]أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زُين للكافرين ما كانوا يعملون[( ).
خلاصة القول، أن الإنسانية بدون العقيدة (الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات) لا تقوم لها قائمة مهما بلغت في حضارتها، وكيف لا؟! ولا حضارة إلا بإسلام ولا إسلام إلا بعقيدة.
ومن أهمية العقيدة في حياة الأمة الإسلامية، أن الله -تبارك وتعالى- جعل مدار قبول الأعمال على العقيدة الصحيحة، ورد كل عمل يقوم به الإنسان بغير عقيدة، قال الله تعالى: ]مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد[( ).
وقوله -تبارك وتعالى-: ]والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفّاه حسابه والله سريع الحساب[( ).
وما كان كل ذلك إلا لفقدان العقيدة.
وإني أحلف بالذي نفسي بيده، أن الأمة الإسلامية لا تقوم لها قائمة إلا بالعقيدة، ولمّا كانت الأمة متمسكة بالعقيدة الصحيحة، والتي يمثلها كتاب الله -عز وجل- وسنة رسوله لمّا كانت الأمة كذلك سادت الأمم الأخرى، وأذل الله لها طواغيت زمانها من بلاد الفرس والروم وغيرها من البلاد الكافرة، ولكن بعد أن ظهرت فرق الضلال والابتداع، والتي أخذت تبعد الأمة الإسلامية عن العقيدة الصحيحة بعد ذلك أخذت الأمة تضعف بعد أن كانت أقوى من الجبال الشامخات.
إذن فكل ضعف دخل الأمة بعد نبيها  إنما هو بالبعد عن طريقه ومنهجه عليه أفضل الصلاة والتسليم.
وقد وضح لنا رسول الله في معظم أحاديثه كيفية رجوع الأمة إلى عزتها، كما كانت قبل حيث قال : "إذا تبايعتم بالعِينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه شيء حتى ترجعوا إلى دينكم"( ).
فبين لنا رسول الله في هذا الحديث كيفية رفع الذل عن هذه الأمة، وهي بالرجوع إلى الدين والذي منه (الإيمان - الإسلام - الإحسان).
قال العلامة ابن تيمية( ) رحمه الله: فإن هذه الدرجات الثلاث التي هي "الإسلام والإيمان والإحسان" داخلة في الدين كما قال في الحديث الصحيح:
"هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم" بعد أن أجابه عن هذه الثلاث.
فبين أنها كلها من ديننا.
أرجع فأقول: قد بين لنا نبينا أبو القاسم   أننا إذا أردنا رفع الذل عن أنفسنا، فعلينا بالرجوع إلى الدين والذي منه الإيمان والإسلام والإحسان.
وهذا البيان المتقدم لم يأتِ فقط بالسنة، بل قد بينه الله -تبارك وتعالى- في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حيث يقول الله -تبارك وتعالى-.

]وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون[( ).
فالله -تبارك وتعالى- قد وعد من قام بالإيمان والعمل الصالح بالتمكين في الأرض، والأمن بعد الخوف.
فإلى كل من يريد عزة المسلمين ورجوع الأمة إلى ما كانت عليه في عهد نبينا الكريم   أقوله له وأنا موقن بما أقول: لن يكون ذلك إلا بعد أن تربى الأمة الإسلامية على العقيدة الصافية، التي كان عليها سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين -رضي الله عنهم أجمعين- والله المستعان على ذلك.
خلاصة القول أنه لا حياة للأمة الإسلامية إلا بالعقيدة، وكما أن الجسد لا تقوم له قائمة بغير الروح فكذلك الأمة لا تقوم لها قائمة بغير العقيدة الصافية، التي اعتقدها أبو القاسم وأصحابه -رضي الله عنهم أجمعين- والتابعين وتابعي التابعين -رحمهم الله أجمعين-.
أقول لا تقوم للأمة قائمة إلا بإحياء عقيدة السلف الصالح -رضي الله عنهم- والذين شهد لهم رسول الله بحسن بالمعتقد في قوله : "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"( ).
نسأله سبحانه وتعالى أن يوفق أمة محمد  على ذلك، إنه سميع قريب.


(شبهة وجوابها)

في زماننا الحاضر ظهرت مقالة غريبة عجيبة من بعض الناس، هذه المقالة لا أصل لها في كتاب الله تعالى، ولا في سنة رسول الله   هذه المقالة يشيب لها الرأس، ويفزع لها القلب، ولا غرابة في هذا، فكيف لا يكون ذلك كذلك؟! وهذه المقالة تهدم الدين -لا أقول فروعه بل أصوله- هذه المقالة هي: "لِمَ نفرق الأمة بأمور العقائد، فليعتقد كل منا ما شاء لجمع الشمل".
أقول والذي نفسي بيده بهذه المقالة تهدم الشريعة، ويهدم دين الله تبارك وتعالى والأمر كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: "كم من مريد للخير لا يدركه"( ).
فأنا لا أتهم القائلين بهذه المقالة، بل أحاول أن ألتمس لهم العذر ما استطعت إليه سبيلا، ولكني أطعن بنفس هذه المقالة الباطلة، وظهور بطلان هذه المقالة أوضح من الشمس.
أقول إنّ كل فرد من الأمة يعلم أن النبي كانت كل حياته لأجل التوحيد الخالص ومن أجله أوذي في الله حتى أنه قال : "لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد"( ).
من أجل التوحيد أدميت قدماه الشريفتان، عندما ذهب إلى الطائف.
من أجل التوحيد كان   يأمر أصحابه بالصبر والتحمل حتى أنه يأتيه أحدهم وهو في ظل الكعبة، ويقول له: يا رسول الله ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا. ولكن كان جوابه   أن قال له: "وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله"( ).
أقول لم يفكر النبي ذات يوم ولم يخطر على باله ألا يتكلم بأمور العقائد لأنها تنفر الناس عنه، بل كان  متواصل الهموم لهداية البشرية حتى أن الله تبارك وتعالى أشفق عليه فقال له:
]فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً[( ).
هكذا كان هم النبي هو إقامة التوحيد الخالص والخالي من الشوائب،ومن أدران الشرك والكفر.
وأنا أحلف بالله أن النبي   إنما بعث ليفرق بين أهل الإيمان وبين أهل الشرك والكفر، نجد هذا بما ثبت عن النبي   في الحديث الصحيح الذي يرويه جابر -رضي الله عنه- حيث يقول: "جاءت ملائكة إلى النبي   وهو نائم فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلاً فاضربوا له مثلاً، قال بعضهم، إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدبة وبعث داعياً فمن أجاب الداعي دخل الدار، وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي، لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها له يفقهها قال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: الدار الجنة والداعي محمد فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً، فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس"( ).
أسوق هذا الحديث الصحيح بطوله لإخواني الذين يقولون هذه المقالة، وأقول: إخواني لأنني أعلم علماً يقينياً لا شك فيه، أن هذه المقالة إنما يقولها أفراد بل جماعات من المسلمين في زماننا الحاضر.
أسوق لهم هذا الحديث لأعلم ويعلمون أن مقصد الشريعة لم يكن في يوم من الأيام تجميع الناس فحسب، ولم يكن في يوم من الأيام مقصدها كثرة الأفراد بل الله تبارك وتعالى قد بين أن الكثرة هي فئة الكفر والضلال حيث قال الله -تبارك وتعالى-:
]وما أكثرُ الناس ولو حرصت بمؤمنين[( ).
وقوله تعالى:
]وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون * إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين[( ).
يقول ابن كثير رحمه الله: "يخبر تعالى عن حال أكثر أهل الأرض من بني آدم أنه الضلال، كما قال تعالى: (ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين)، وقال تعالى:(وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) وهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم وإنما هم في ظنون كاذبة وحسبان باطل …"( ).
أقول لم يكن من مقاصد الشريعة كثرة الأعداد والأشخاص، بل مقصد شريعتنا جمع الناس على الكتاب والسنة وإن قلوا، فقد يكون الرجل وحده أمة، إن كان على الحق كما قال الله تعالى في إبراهيم -عليه السلام-:
]إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين[( ).
فهذا شخص واحد ولكنه أمة، بمعنى أنه إمام يأتم به، إذ أن الأمة في هذه الآية إنما قصدت بها الإمام الذي يأتم به غيره كما نص على ذلك العلامة ابن كثير في تفسيره لهذه الآية.
أقول وما جعل هذا الشرف لسيدنا إبراهيم -عليه الصلاة السلام- إلا لأنه كان قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين شاكراً لأنعم الله تبارك وتعالى وهذا الشرف ليس لسيدنا إبراهيم فحسب بل هو لكل من اقتدى بإبراهيم وبمحمد -صلوات الله وسلامه عليهما-.
إذن فمقصد الشريعة هو تجميع الناس على التوحيد الخالص وإن قل الأتباع.
هذا هو مقصد شريعة النبي   فمن ظن أن مقصد الشريعة التجميع فحسب فهو مخطئ أيما خطأ، إذ أن الله -تبارك وتعالى- جعل للجمع الذي يريده قيداً زائداً وهو التجميع على الكتاب والسنة الصحيحة.
والله سبحانه وتعالى، علم أن الأمر سيؤول إلى ما هو عليه الآن من الضعف والذلة، ومع ذلك لم يرخص لنا في كتابه، ولا في سنة رسوله   بأن نجمع الأمة على معتقد يريدوه، بل ثبت من قول رسول الله   ما يرد ذلك، في الحديث المتقدم، عندما قال: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه شيء حتى ترجعوا إلى دينكم"، فقد أرشدنا أبو القاسم   في هذا الحديث إلى كيفية التخلص من الذل، وبين لنا أن رفع هذا الذل إنما يكون بعد الرجوع إلى الدين والعقيدة التي هي أصل الدين، ولم يرخص لنا أبو القاسم   في هذا الحديث أن نجمع الأمة وأفرادها على أي معتقد تريده تلك الأفراد، وهذا واضح لغير المتأمل والحمد لله.
فالجماعة التي يريدها الله -تبارك وتعالى-، هي الجماعة التي تقوم بالدعوة إلى التوحيد الخالص من أدران الشرك والخرافات.
أعود فأقول ولا يرد على ما قدمت من وجوب التمسك بالعقيدة الصحيحة وعدم قبول غيرها قول بعض المسلمين -هدانا الله وإياهم- أن هذه الأمور كقضية الأسماء والصفات، مثلا أمور جزئية وفرعية فَلِمَ نفرق المسلمين بالأمور الفرعية؟!
بل علينا بإقامة الأصول والتي من أهمها هو جمع شمل المسلمين.
فأقول كيف نقول هذا ؟؟ أقصد قوله: أن هذه أمور جزئية فرعية.
أقول كيف تكون أمور كهذه -قضية الأسماء والصفات- من الأمور الفرعية فإن كانت أمور العقائد أمور فرعية فأين الأصول؟!.
إن الذي ينبغي، بل يجب على كل مسلم معرفته والتنبيه إليه هو أن يعلم علماً يقينياً أن كل أمر يتعلق بالتوحيد بأقسامه الثلاث (الربوبية، الألوهية، والأسماء والصفات)، إنما هو أمر عقائدي، ليس من الفروع بل من الأصول التي بعث بها الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وباستقراء آيات الكتاب، نجد أن الأنبياء إنما كانت دعوتهم منصبة على ثلاث أصول هي: (الألوهية- الربوبية- الأسماء والصفات).
فهذه هي أصول الدين، والتي يبنى عليها بقية الدين من الأحكام الشرعية العملية.
فكيف نجعل أمراً كقضية الأسماء والصفات من الفروع، ونقول لا بأس بترك هذا الأمر وعدم الخوض فيه وترك بيانه حتى لا تتفرق الأمة؟! إن هذا لشيء عجاب.
ووالله لئن كان توحيد الله في أسماءه وصفاته من الفروع فلقد ضاع الدين وبدأ تفرق الأمة، ووقع ما أخبر به الرسول   في الحديث الصحيح عندما قال: "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً"( ). الحديث.
ولا يفهم من قولي المتقدم أن الدين ليس فيه فروع يجوز الخلاف فيها، بل هذه أقوال الصحابة -رضي الله عنهم- وخلافاتهم في الفروع أكثر من أن تحصر، وهي موجودة في كتب أهل العلم وخاصة كتب الفقه.
وهذه أقوال التابعين وتابعي التابعين وخلافاتهم في الفروع وهي مدونة في كتب الفقه وهي أكثر من خلافات الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين-.
إذن فالدين فيه فروع يجوز الخلاف فيها، ولكن المشكلة كل المشكلة في أن نجعل الفرع أصلاً أو الأصل فرعاً.
ولقد وقعت خلافات الصحابة في الأمور الفرعية في عهد النبي  بل بين يدي النبي   وذلك حين أرسل أصحابه إلى بنـي قريظة وقال لهم: "لا يُصَلِّيَنَّ أحد العصر إلا في بني قريظة"( ) فاجتهد الصحابة -رضي الله عنهم- في فهم هذا النص فمنهم من رأى أن النبي   إنما قصد منهم الإسراع فقط ولم يقصد منه تأخير الصلاة عن وقتها، ومنهم من فهم قصد النبي   أن تُؤخّر العصرُ حتى يصلوا في بني قريظة، واختلفوا إلى مجموعتين فمنهم من صلاها في وقتها، ومنهم من أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة ومع ذلك لم ينكر النبي   على أي من الطائفتين فدل ذلك على جواز الخلاف في فهم النصوص الشرعية، ما لم تكن النصوص صريحة الدلالة، وأنه يجوز الخلاف في المسائل الفرعية والخلاف فيها فيه سعة.
ولكن أن نلحق الأصول بالفروع فهذا لا يجوز أبداً، فكيف نقول مثلا إن مسألة مثل مسألة الأسماء والصفات أمر فيه سعة، فمن شاء أثبت لله صفة الغضب ومن شاء تأول الغضب بالعذاب، إن هذا الشيء عجاب، فنكون جمعنا بين النقيضين( ) وهذا مما لا يليق بالمخلوق فكيف بالخالق، فنقول مثلاً من شاء أثبت لله الغضب ومن شاء نفى ذلك عن الله -تبارك وتعالى-.
لا أعتقد أن أحداً من المسلمين قد يقول ذلك صراحة، ولكن للأسف فإن مثل هذه المقولة، وهي أنه لا داعي للمسائل العقائدية بحجة أن التكلم بمثل تلك الأمور يفرق الأمة، أقول إن مثل هذه المقالة تؤدي إلى النتيجة السابقة، وإن لم يصرح صاحب تلك المقالة بهذا، ولكنه سيضطر إلى هذا إذا ما ووجه بمثل السؤال السابق الذكر.
كيف نقول أن المسائل التي تتعلق بتوحيد الألوهية، كالذبح مثلاً، أمر يجوز فيه الخلاف، أقصد الذبح بقصد القربة إلى الله كالأضحية مثلاً.
كيف نقول أن تعليق التمائم أمر فيه سعة ويجوز الخلاف فيه فهذا هو العجب العجاب.
أرجع فأقول: إذا أردنا أن نجمع الأمة، فيجب علينا أن نجمعها على الجمع الذي أراده الله - تبارك وتعالى- وأعطي مثالاً لذلك.
أنه لو قام أحد من المسلمين للصلاة بغير وضوء لبادرنا كلنا بالإنكار عليه، إن كان واجداً للماء، ولم يمنعه من استعماله مانع شرعي، فلو قال لنا كيف تنكرون علي والله أمرني في القرآن أن أقيم الصلاة، فما جوابنا عندئذ.
فالجواب كما يعلمه عامة وخاصة المسلمين، أن نقول له: إن الله -سبحانه وتعالى- أمرك بالصلاة التي أرادها هو، لا التي تريدها أنت والله -تبارك وتعالى- أمرك بالوضوء للصلاة، ولم يأمرك بإقامة الصلاة فقط بل جعل الله لها شرطاً زائداً، وقيداً زائداً ألا وهو الوضوء، فلا تصح صلاتك عندئـذ إلا بهذا القيد الزائد وهو الوضوء ولو صليت ألف ركعة.
أسوق هذا المثال لإخواني الذين يقولون إننا نجمع الأمة ونترك المسائل التي تتعلق بالعقائد حتى لا نفرق الأمة، ولأن الأمة وصلت إلى حالة من الضعف الذي لا يتصور فلماذا نزيدها فرقة؟!
أقول لهم اعذروني أيها الأخوة في الله، فوالله لقد وقعتم في مثل الذي أنكرتم عليه صلاته بغير وضوء ونبين ذلك فأقول:
إن الجمع الذي أراده الله -تبارك وتعالى- هو الجمع على الكتاب والسنة الصحيحة والتوحيد الخالص (الربوبية، الألوهية، الأسماء والصفات).
فالله -تبارك وتعالى- لم يرد منا مطلق التجميع فقط، بل طلب التجميع بقيد زائد، هذا القيد هو الجمع على الكتاب والسنة، فكما أن المُصَلي الذي صَلَّى ألف ركعة بغير وضوء، قلنا له إن صلاتك باطلة، لأنك لم تصلي الصلاة التي يريدها الله، كذلك من جمع الناس على أي فهم يريدوه في العقيدة، فهذا نقول له لقد جمعت على باطل لأنك لم تجمع الناس على الجمع الذي يريده الله -تبارك وتعالى-.
خلاصة القول إن المسائل التي ترتبط بالعقيدة لا يجوز فيها الخلاف، فالصحابة اختلفوا في كيفية صلاة الكسوف، فمنهم من قال إن في كل ركعة ركوعين، ومنهم من قال غير ذلك.
فالمقصود أنهم اختلفوا في المسائل الفرعية، ولكن لم يختلفوا في إثبات صفة العلو لله -تبارك وتعالى-.
وكذلك لم يختلفوا في إثبات الاستواء لله -تبارك وتعالى-.
وهكذا سلف هذه الأمة من القرون الفاضلة، اختلفوا في الأمور الفرعية العملية، ولكن لم يختلفوا في الأمور العقائدية، فقد اختلفوا مثلاً في قراءة الفاتحة خلف الإمام، كما اختلف الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم أجمعين - من قبل، ولكن لم يختلفوا -السلف- في إثبات استواء الله تعالى فوق عرشه، كما أن الصحابة كذلك لم يختلفوا في إثبات استواء الله -تبارك وتعالى- فوق عرشه.
فهذا الأوزعي( )، ومالك وأحمد بن حنبل والثوري وحماد بن زيد البصري وابن المبارك المصري وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي والبخاري وابن راهويه يصرحون أن الله استوى فوق عرشه، استواء يليق بجلاله، وهكذا غيرهم من أهل العلم من السلف الصالح متفقون على هذا مع أن هؤلاء العلماء الأجلاء، كالبخاري، والشافعي وأحمد وغيرهم قد اختلفوا في أكثر المسائل الفرعية، إن لم تكن كلها ومع ذلك ما اختلفوا في أصول العقيدة والتوحيد (الألوهية، الربوبية، الأسماء والصفات).
وأما الشبهة التي ذكرها بعضهم، أن في زماننا تمر الأمة بمرحلة ضعف وفرقة، فلماذا نزيد الأمة فرقة إلى فرقتها؟!
أقول إن مثل هذه الشبهة مما لا يلتفت لمثلها، ولكن لا بأس من أن أبين خطأها.
إنه من المعلوم لكل من تتبع السيرة النبوية، وتتبع أحوال مشركي قريش يعلم بأنهم كانوا يقومون بأعمال ينكرها عليهم رسول الله ، كالذبح لغير الله، وغيرها من الشركيات والمسائل التي تمس العقيدة، فهل سكت النبي   عن ذلك بحجة تجميع الناس عليه، وتأليف قلوبهم، ثم بعد ذلك يبين لهم حكم هذه الأمور؟!
لنترك الجواب لشدة وضوحه، بل لقد جاءت الآيات تترا تبين للنبي   أنه لا بد له من مواجهة مثل هذه الاعتقادات الفاسدة، فهنا يأمر الله - تبارك وتعالى- النبي   بأن يواجه المشركين ليرد عليهم مثل هذه الأعمال فيأمره -تبارك وتعالى- ويقول له:
]قل يا أيها الكافرون[ … الآيات ( ).
وفي موطن آخر يعلم النبي   كيف يرد عليهم ما ينسبوه إلى الله تبارك وتعالى- فيقول له:
]سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين[( ).
قال ابن كثير رحمه الله "ينزه -تبارك وتعالى- نفسه الكريمة ويقدسها ويبرئها عما يقول الظالمون المكذبون المعتدون تعالى وتنزه وتقدس عن قولهم علواً كبيراً ولهذا قال -تبارك وتعالى- (سبحان ربك رب العزة) أي ذي العزة التي لا ترام (عما يصفون) أي عن قول هؤلاء المعتدين المفترين … " أهـ.
أقول ولنعطي مثالاً أقرب إلى الواقع، فلعل قائل أنْ يقول أنّ في عهد النبي   كان الذين ينكر عليهم رسول الله مشركون.
أقول إنه من المعلوم لكل من اطلع على سيرة السلف الصالح حتى الثلاثمائة الهجرية، وجد أنه في تلك الفترة ظهرت فرق من المسلمين المبتدعين في دين الله، ومع ذلك لم ينقل عن أحد من السلف أنه قال لا بأس اتركوا إنكار هذه المسائل حتى لا تتفرق الأمة، بل كان السلف قاطبة -رحمهم الله- ومن بينهم الأئمة الأربعة -رحمهم الله- ينكرون مثل هذه البدع والخرافات بل كانوا - رحمهم الله - يجتهدون في إحياء السنن وإماتة البدع وإحياء التوحيد الخالص على منهاج النبوة.
فهذه طريقة السلف قاطبة -رحمهم الله- يعلم ذلك من تتبع أحوالهم في مثل هذه الأمور.
فهذه القرون الفاضلة، والتي شهد لها رسول الله في الحديث الصحيح حيث قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، فهذا هو سبيل المؤمنين الذي لا تجوز مخالفته عملاً بقوله تعالى:
]ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى[( ).
فهذا فهم سلفنا الصالح -رضي الله عنهم- وخلاصته أنه لا بد من إظهار عقيدة الصحابة -رضي الله عنهم - ونشر الكتاب والسنة والجمع عليهما مهما كانت الظروف، ومهما تغير الزمان.
خلاصة هذا البحث أن نقول ما وقع فيه خلاف بين أصحاب رسول الله   جاز لمن بعدهم الخلاف فيه، ما لم يكن الدليل صريحاً، وما اتفق عليه أصحاب أبي القاسم لم يجز لمن بعدهم الخلاف فيه لأن المخالف حينئذ سيكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين، والذي توعد الله من خالفه بأن يوليه ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيراً.
ولا يجوز أن نقيس أمراً متفق عليه بين أصحاب أبي القاسم   بأمر اختلفوا فيه فلا يجوز لنا أن نجوز الخلاف في مسألة استواء الله -عز وجل- تبعاً وقياساً لخلاف الصحابة في قراءة الفاتحة خلف الإمام، لأننا حينئذ سنكون قد وقعنا فيما يسميه الأصوليون قياس مع الفارق، لأننا قسنا جواز الخلاف في أمر متفق عليه على أمر مختلف فيه، فهذا هو القياس مع الفارق.
ويليق في هذا المقام أن أنقل تفسير العلماء في قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول …. الآية).
يقول ابن كثير رحمه الله: "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى" أي ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول   فصار في شق والشرع في شق، وذلك عن عمد منه بعدما ظهر له الحق، وتبين له واتضح له وقوله: (ويتبع غير سبيل المؤمنين) هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما اجتمعت عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقاً، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفاً لهم وتعظيماً لنبيهم، وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذلك، قد ذكر منها طرفاً صالحاً في كتاب أحاديث الأصول، ومن العلماء من ادعى تواتر معناها والذي عول عليه الشافعي -رحمه الله- في الاحتجاج على كون الإجماع حجة تحرم مخالفته، هذه الآية الكريمة بعد التروي والفكر الطويل وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها .." أهـ.
وقال الطبري في تفسيره( ) (ومن يشاقق الرسول): "ومن يباين الرسول محمداً معادياً له، فيفارقه على العداوة له (من بعد ما تبين له الهدى) يعني: من بعد ما تبين له أنه رسول الله، وأن ما جاء به من عند الله يهدي إلى الحق، وإلى طريق مستقيم (ويتبع غير سبيل المؤمنين) منهاجاً غير منهاجهم" أهـ.
وقال السيوطي في تفسيره (ومن يشاقق الرسول) الآية: "أخرج ابن أبي حاتم( ) عن ابن عمر قال دعاني معاوية فقال: بايع لابن أخيك، فقلت: يا معاوية (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً)، فأسكته عني".
وأخرج ابن أبي حاتم( ) عن مالك قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول "سن رسول الله   وولاة الأمر من بعده سنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمالاً لطاعة الله، وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر فيما خالفها، من اقتدى بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه ما تولى وصلاه جهنم وساءت مصيراً".
قال السيوطي: وأخرج الترمذي والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عمر قال: قال رسول الله لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبداً ويد الله على الجماعة فمن شذ شذ في النار" … انتهى كلامه.
وقال الشوكاني ( ): (غير سبيل المؤمنين غير طريقهم وهو ما هم عليه من دين الإسلام والتمسك بأحكامه) أ.هـ.
وقال القاسمي ( ): "(ومن يشاقق الرسول) أي يخالفه ويعاديه (من بعد ما تبين له الهدى) أي اتضح له الحق (ويتبع غير سبيل المؤمنين) أي غير ما هم مستمرون عليه من عقد وعمل، وهو الدين القيم (نوله ما تولى) أي نجعله والياً ما تولاه من المشاقة ومتابعة غير سبيلهم …" أ.هـ
أقول مما تقدم من أقوال أهل العلم من المفسرين نجد أن كل تفاسيرهم إنما تؤدي إلى نتيجة واحدة، وقاعدة جليلة، ألا وهي أنه لا يجوز استحداث رأي لم يرد عن سلف هذه الأمة ولا تجوز مخالفتهم إذا ما اتفقوا على أمر، سواء كان ذاك الأمر من الأمور العقائدية، أو من الأمور الشرعية العملية، وهذا ما قد بينته فيما تقدم في هذا البحث، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

(ما الواجب على دعاة اليوم)

مما تقدم كله نستطيع أن نجيب على سؤال هام وهو:
ما واجب الدعاة الإسلاميين في وقتنا الحاضر؟
أقول بعد أن بينا إلام كانت دعوة الأنبياء، ثم بينا أهمية العقيدة في حياة الأمة، اتضح مما ذكرنا أن الدعوة إنما هي:
1- دعوة عقائدية. 2- دعوة عملية.
وإلى هذا كانت دعوة الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-.
وحيث أننا يلزمنا أن نسلك طريق الأنبياء، وخاصة نبينا محمد   إذن فالواجب أن ندعو إلى ما دعا إليه الأنبياء، بل إن نبينا محمد   مأمور بذلك، أقصد أن يدعو إلى ما دعا إليه الأنبياء من قبلـه. قال الله تعالى:
]أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده[( ).
وقوله تعالى: ]أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً[( ).
وهذا الأمر من الله لرسوله  بأن يلتزم منهج الأنبياء ودين الأنبياء( ) من قبله عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام وهذا أمر من الله لنبيه وهو للوجوب، كما هو معلوم عند أهل الأصول أن الأمر الأصل فيه أنه يدل على الوجوب.
وسبب الأمر بهذا، قال ابن تيمية( ) رحمه الله: وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله أنه قال: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، الأنبياء أخوة لعلات، وإن أولى الناس بابن مريم لأنا، أنه ليس بيني وبينه نبي".
فالدين واحد وإنما تنوعت شرائعهم ومناهجهم، كما قال تعالى:
]لكلٍّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً[ أهـ.
مما تقدم نستطيع أن نقول إن الله -تبارك وتعالى- أوجب علينا اتباع رسوله في كل ما جاء به من الشرائع والدين، وبنفس الوقت أمر الله -تبارك وتعالى- رسوله باتباع من سبقه من الأنبياء والمرسلين، فاتباعنا للنبي  يعني اتباعنا لمنهج الأنبياء من قبله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-.
خلاصة القول، أن واجب الدعاة الإسلاميين في وقتنا الحاضر أن يدعوا لأمرين هما:
1- الدعوة العقائدية 2- الدعوة العملية
وخصوصاً بعد أن انتشرت في زماننا الحاضر البدع والخرافات، وأدخل في الدين أموراً لم تكن منه في زمن النبوة، فالواجب على الدعاة، الدعوة إلى ما دعا إليه رسول الله   وبمعنى آخر وأبسط الدعوة إلى الكتاب والسنة الصحيحة.

وجوب التقييد والالتزام بمذهب السلف الصالح
رضي الله عنهم
أرجع فأقول إن قولي المتقدم أن الدعوة تكون إلى الكتاب والسنة أو إلى الدعوة العقائدية والدعوة العملية، أقول إن ذلك فيه شيء من الإجمال يجب تبيينه. هذا الإجمال هو أنه في زماننا الحاضر اختلفت مفاهيم الدعاة للكتاب والسنة، فكل داع سواء داع إلى السنة أو البدعة، إذا وجهنا إليه هذا السؤال، إلام تدعو؟ فسيجيبنا بالطبع إنما أدعو إلى الكتاب والسنة.
وإننا نجد الكثير من الدعاة مع أنهم كلهم يدّعون أنهم يدعون للكتاب والسنة، ومع ذلك نجد أن مناهجهم تخالف بعضها البعض، لا أقول في الفروع بل في أصول الدين ( ) والعقائد فما السر في ذلك؟!
إن الذي ينبغي أن يفهمه كل داع أن السر في تضارب مناهج الدعاة في وقتنا الحاضر مع أنهم كلهم يدَّعون أنهم يدعون إلى الكتاب والسنة، أقول إن السر في تضارب مناهجهم هو أن كل داع يريد أن يدعو إلى الكتاب والسنة بفهمه الخاص، قلت: وإذا كان الأمر كذلك فسيضيع الفهم الصحيح للكتاب والسنة، إذن فما هو الحل؟!
أقول إن الحل هو أن ندعو إلى الكتاب والسنة بحسب مراد الله -تبارك وتعالى- ومراد رسوله .
ولكن من الذي يوصلنا إلى معرفة مراد الله -تبارك وتعالى-، ومراد رسوله   وهنا سيكون بحثنا.
أقول إن من المعلوم أن الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- عاصروا رسول الله وشاهدوا أفعاله، وسمعوا أقواله   والأمر كما قال : "ليس الخبر كالمعاينة"، إذن فإن الذي عاصر الأحداث ليس كالذي نقلت إليه.
فالصحابة الكرام -رضوان الله عليهم أجمعين- كانوا أفهم الناس في فهم النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وكيف لا يكونوا كذلك وهم الذين قال فيهم رسول الله : "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذيـن يلونهم"، وكيف لا يكونوا كذلك وهم الذيـن نقلـوا إلينـا الشريعة أصلاً.
فنحن بين أمرين لا ثالث لهما، إما أن نقول: إن الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- فهموا النصوص الشرعية، ثم نقلوها إلينا، وإما أن يكون الصحابة لم يفهموا النصوص الشرعية…
والثاني باطل حيث أن سيؤدينا إلى رد الشريعة كلها، لأن هؤلاء الرجال هم الذين نقلوا إلينا هذه الشريعة فإن لم يكونوا قد فهموها، فعند ذلك كيف نأخذ شريعة الله من قوم لم يفهموها؟
وكيف نحملها عن قوم لم يدركوا ما ينقلوا وحاشاهم -رضي الله عنهم- لا أعتقد أحداً من المسلمين يقول بهذا القول.
إذن فلا جواب إلا أن نقول: إن الصحابة -رضي الله عنهم- قد فهموا هذه الشريعة بدليل أن النبي   قد شهد لهم بالخيرية. هذا أولاً. ثانياً: إن النبي   أمرهم أن يبلغوا عنه حيث قال: "بلغوا عني ولو آية"( ) فكيف يأمرهم النبي   أن يبلغوا عنه وهم لم يفهموا بما يبلغونه عنه؟!
إذن فلولا أن النبي علم أن هؤلاء الرجال -رضي الله عنهم- فهموا عنه  كلامه وكلام ربه لما أمرهم بتبليغ شريعته وحملها عليهم، بل لو أن الله -عز وجل- رأى أن هؤلاء الرجال لم يفهموا مراده -عز وجل- ولم يفهموا مراد رسوله   لبين الله -تعالى- لنبيه أن هؤلاء الرجال غير مؤهلين لحمل هذا الدين لأنهم حينئذ لا يصلحوا للتبليغ، لأنهم لم يفهموا مراد الله -تبارك وتعالى- ولم يفهموا مراد رسوله
]كنتم خير أمة أخرجت للناس[( ).
وكيف يدعو إلى الكتاب والسنة من لم يفهموا مرادها؟!
هذا باطل وخصوصاً أن الله -تبارك وتعالى- قد اشترط البصيرة في الدعوة قال تعالى:
]قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني[( ).
فشرط الله للدعوة البصيرة والفهم.
إذن فلما أمر الرسول  أصحابه بالتبليغ ولم ينكر ربنا ذلك. علم من هذا أن الصحابة كانوا يدعوا إلى الكتاب والسنة على مراد الله ومراد الرسول   وبعد أن تحمل جيل الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- تبليغ الكتاب والسنة، خرج جيل جديد وهم التابعون وهم أبناء الصحابة -رضي الله عنهم-.
فنشأ هذا الجيل تحت تربية الصحابة -آباءهم- وأخذوا عنهم فهمهم للكتاب والسنة وحذو حذوهم، حذو الحذة بالحذة، ثم إلى بعد جيل التابعين جيل أتباع التابعين، فنقلوا عن التابعين عقيدتهم وفهمهم للكتاب والسنة فنتج عن ذلك أن هذه القرون الثلاثة وهم السلف الصالح إنما أخذوا دينهم على مراد الله ورسوله   ولذلك شهد لهم رسول الله   بالخيرية في حديثه الصحيح حيث يقول: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" وما ذلك إلا لأنهم فهموا مراد الله ومراد رسوله   ولو كان السلف الصالح -رضوان الله عليهم أجمعين- لم يفهموا مراد الله ومراد رسوله لما منحهم أبو القاسم   تلك المنزلة الرفيعة وشهد لهم بالخيرية في أكثر من موضع.
ولو لم يفهم السلف الصالح والصحابة -رضي الله عنهم- مراد الله ومراد رسوله لما شهد لهم الله تبارك وتعالى بالفضل والرضى عنهم حيث قال فيهم:
]والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه[( ).
إذن فمن كل الأدلة المتقدمة نستطيع أن نبني قاعدة جليلة عظيمة، وهي أنه لا يجوز الدعوة إلى الكتاب والسنة إلا بفهم السلف الصالح -رضي الله عنهم أجمعين-.
نقل الذهبي عن عباد بن العوام، قال: قدم علينا شريك بن عبد الله من نحو خمسين سنة فقلنا له: يا أبا عبد الله، إن عندنا قوماً من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث، "إن الله ينزل إلى السماء الدنيا" و"إن أهل الجنة يرون ربهم". فحدثني شريك بنحو من عشرة أحاديث في هذا ثم قال: أما نحن فأخذنا ديننا عن أبناء التابعين عن الصحابة، فهم عمن أخذوا؟! أهـ. ( )
إذن فالدعوة إلى الكتاب والسنة تكون بفهم السلف الصالح -رضوان الله عليهم- لأن السلف الصالح إذا اتفقوا على أمر يكون اتفاقهم سبيل المؤمنين والله تبارك وتعالى لما طلب منا اتباع النبي   لم يكتف بذلك فقط، بل أمرنا باتباع سبيل المؤمنين حيث قال تعالى:
]ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً[
فإذا ما اتفق السلف على أمر شرعي عقائدي أو عملي وجب على من بعدهم اتباعهم في ذلك، لأن المخالف حينئذ لو خالفهم يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين، والذي توعد الله لمن خالفه بأن يوليه ما تولى ويصله جهنم وساءت مصيراً.
روى اللالكائي بسنده إلى عمر بن عبد العزيز قال: (سن رسول الله   وولاة الأمر من بعده سنناً الأخذ بها تصديق لكتاب الله عز وجل واستكمال لطاعته وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر فيما خالفها فمن اقتدى بما سنوا اهتدى ومن استنصر بها نصر ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله -عز وجل- ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً) أهـ. ( )
إذاً فنحن مأمورون أمر إيجاب باتباع سبيل المؤمنين، يعلم وجوب ذلك من آخر الآية، حيث علق الله مصير من خالف سبيل المؤمنين إلى النار، وهذا لا يكون إلا بسبب ترك فرض من الفرائض الشرعية وهذا واضح، وخلاصة القول، إن كل داع سواء عظم فهمه أو قلّ فلا يجوز له أن يدعو إلى الكتاب والسنة إلا بفهم السلف الصالح -رضوان الله عليهم أجمعين- وبدون فهم الكتاب والسنة عن طريق السلف فإننا لا نستطيع حينئذ أن نرد على المبتدعة والضالين، ونعطي مثالاً على ذلك، إنه من المعلوم ومقرر في عقيدة أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وقد تواترت على ذلك أقوالهم -رحمهم الله- ولكن ظهر جماعة من المبتدعة الزائفة وادعوا أن القرآن مخلوق واحتجوا لذلك بقوله تعالى:
]إنا جعلنه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون[( ).
وقالوا معنى جعلناه، أي خلقناه، وقد رد عليهم أهل السنة وبينوا أن هذه اللفظة في القرآن وهي (جعل) تأتي أحياناً بمعنى الخلق وأحياناً بمعنى التصيير كقوله تعالى عن إبراهيم -عليه السلام-
]ربنا واجعلنا مسلمين لك[( )
والمقصود أن السلف ردّوا هذه الشبهة الواهية ولكن مقصودي من سياق هذا المثال هو التوضيح أن كل مبتدع يدّعي أنه يدعو إلى الكتاب والسنة ويحتج لبدعته بأدلة من الكتاب والسنة، فهكذا إذا أردنا أن ندع إلى الكتاب والسنة بدون فهم السلف الصالح، فيضيع فهم الكتاب والسنة وتتضارب الأدلة الشرعية ولا يعرف الحق من الباطل، ولا يميز الداعي إلى السنة من الداعي إلى البدعة، فلا بد لأي داع سواء كان في القرون السابقة أو الحاضرة أو القادمة أن تكون دعوته مبنية على ما كان عليه السلف الصالح -رضي الله عنهم أجمعين-.
والحمد لله رب العالمين.


شبهة وجوابها

ولكن قد يرد على ما قدمت من وجوب اتباع السلف ما يقال في وقتنا الحاضر من بعض أفراد المسلمين، ألا وهو كيف يلزمنا الدعوة إلى الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح مع أن السلف اختلفوا في أكثر مسائل الفقه؟!
فأقول إن هذه شبهة تثار في زماننا الحاضر، وإنما الغرض منها التنصل مما صرح به السلف الصالح في عقائدهم فالذي يتأول الأسماء والصفات مثلاً على غير مرادها، يقول له المعارض كيف تقول هذا مع أن السلف الصالح -رضي الله عنهم- ومنهم الصحابة الكرام لم يقولوا هذا الذي قلته، ولا تأولوا ما تأولته أنت؟! أثبتوا ما نقلوه بدون تأويل.
فنلزمه بذلك، فلا يجد هذا المتأول مخرجاً إلا أن يقول إن السلف اختلفوا في كثير من المسائل، فكيف تأمرني أن ألتزم بمذهب السلف في العقائد؟!
والجواب في هذه المسألة واضح إن شاء الله ولا بأس من تفصيله رداً لهذه الشبهة.
فأقول إن الآية التي سقناها فيما تقدم من وجوب اتباع سبيل المؤمنين إنما المقصود منها اتباع ما اتفق عليه سبيل المؤمنين، وأما ما اختلفوا فيه فلا مجال للإلزام به ببعض آراء الرجال، فلا يجوز مثلاً أن نلزم الأمة باتباع إسحاق بن راهويه، أو أحمد بن حنبل، أو غيرهم من أهل العلم في مسألة اختلف فيها السلف الصالح -رضي الله عنهم أجمعين- لأن المخالف -حينئذ- لأحمد بن حنبل -مثلاً- لم يصير مخالفاً لسبيل المؤمنين، إذ أن الآية لم يتحقق وقوعها عندئذ على المخالف، فعند خلاف السلف في مسألة ما نقول إن سبيل المؤمنين عندئذ هو خلافهم في المسألة الفلانية، وأما ما اتفق عليه السلف فسبيل المؤمنين حينئذ هو اتفاقهم الذي لا يجوز مخالفته أبداً، ونعطي مثالاً: وقع الخلاف بين السلف في حكم قراءة المأموم للفاتحة، فهنا سبيل المؤمنين اختلافهم في قراءتها ووجوبها على المأموم، فلو قال قائل مثلاً إنه يجب علينا إلزام الناس على قراءتها أو عدم قراءتها.
فنقول: إن هذا القائل قد خالف سبيل المؤمنين لأن هذا الإلزام منه لم يعمل به السلف ولو كان خيراً لسبقونا إليه "وهذا بشرط ما لم يكن الدليل صريحاً لا يحتمل التأويل فإن كان صريحاً وجب على الجميع العمل به، ويعذر تاركه بأن يكون متأولاً أو لعل الدليل لم يبلغه أو لم يعلم صحته.
أرجع فأقول: إن الذي نتكلم عنه في مسائل العقائد غير هذا الذي بينت أنه يجوز فيه الخلاف، فالأول يتعلق بالعقائد التي لا يجوز لأحد أن يجتهد فيها، بل كل أمور العقائد توقيفية لا بد لها من دليل شرعي، بينما المسائل الشرعية الفرعية أهون من أمور العقائد إذ أن المسائل الفقهية قد يدخلها الاجتهاد والقياس عند القائلين بهما، بينما أمور العقائد لا مجال فيها للاجتهاد والقياس.
وهؤلاء السلف قد اختلفوا في أمور المسائل الفقهية كقراءة الفاتحة مثلاً خلف الإمام ولكن لم يختلفوا -مثلاً- في إثبات صفة الفوقية لله -تبارك وتعالى- فقياس جواز الخلاف في الأمور العقائدية والمتفق عليها بين السلف بالأمور الفرعية التي اختلف فيها السلف قياساً يسميه الأصوليون قياساً مع الفارق.
خلاصة هذا البحث أن ما اختلف فيه السلف جاز لمن بعدهم الخلاف فيه ما لم يكن الدليل صريحاً لا يحتمل التأويل، وما اتفق عليه السلف لم يجز لمن بعدهم إحداث خلاف فيه والله أعلم.
وبعد أن قدمت هذا البحث في بيان وجوب اتباع مذهب السلف أرى من الواجب أن نجعل بحثاً عن بيان عقيدة السلف الصالح، وسأحاول بقدر وسعي الاختصار في هذا البيان حيث أن هذه الرسالة ليست لبسط هذا الأمر -العقائد- لأنه ليس هنا موضعها بل من أراد هذا المجال فما عليه إلا أن يرجع إلى كتب السلف كالرد على الجهمية لأحمد بن حنبل والعقيدة الطحاوية وشرحها، وغير ذلك من كتب أهل العلم التي ألفت على منهاج السلف الصالح ولنشرع في مقصدنا والله المستعان.


بيان عقيدة السلف الصالح
قد بينا سابقاً أن الواجب على دعاة اليوم الدعوة إلى الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وخاصة في أمور العقائد ولنشرع في بيان عقيدة السلف الصالح وسأقتصر في بحثي هذا على تلخيص رسالة ألفها شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني، يقول الشيخ رحمه الله بعد أن ذكر سبب تأليف رسالته: "قلت: وبالله التوفيق إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة حفظ الله أحياءهم ورحم أمواتهم يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وللرسول   بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم -عز وجل- بصفاته التي نطق بها وحيه وشهد له بها رسوله   على ما وردت الأخبار الصحاح به ونقلته العدول الثقات عنه ويثبتون له جل جلاله منها ما أثبت لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله   ولا يعتقون تشبهها لصفاته بصفات خلقه، فيقولون، أنه خلق آدم بيده كما نص سبحانه عليه في قوله عز من قائل:
]قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي[ ( )
ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين أو القوتين تحريف المعتزلة والجهمية أهلكهم الله. ولا يكيفونها بكيف أو يشبهونه بأيدي المخلوقين، تشبيه المُشَّبِّهة خذلهم الله، وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف والتشبيه، ومنّ عليهم بالتعريف والتفهيم حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعليل والتشبيه، واتبعوا قول الله عز وجل:
]ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير[ ( )
"وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح، ومن السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقدرة والعزة والعظمة والإرادة والمشيئة والقول والكلام والرضا والسخط والحياة واليقظة( ) والفرح والضحك وغيرها، من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين" "ويشهد أصحاب الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله وكتابه وخطابه ووحيه وتنزيله غير مخلوق ومن قال بخلقه أو اعتقده فهو كافر عندهم" أ. هـ.
قلت: ثم ساق المؤلف بسنده إلى ابن خزيمة أنه قال: القرآن كلام الله غير مخلوق فمن قال إن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم، ولا تُقبل شهادته، ولا يعاد إن مرض، ولا يصلى عليه إن مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين ويستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه. أ.هـ.
ثم انتقل الصابوني -رحمه الله- إلى بيان أن أهل السنة والسلف -رضي الله عنهم- يثبتون استواء الله على عرشه فقال: "ويعتقد أهل الحديث ويشهدون أن الله -سبحانه وتعالى- فوق سبع سماوات على عرشه كما نطق به في كتابه في قوله -عز وجل- في سورة يونس.
]إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه[ ( )
"وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف -رحمهم الله- لم يختلفوا في أن الله تعالى على عرشه وعرشه فوق سماواته" أ. هـ.
ثم ساق الصابوني -رحمه الله- بسنده إلى مالك عن جعفر بن عبد الله قال:
"جاء رجل لمالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى ، كيف استوى؟
قال: فما رأيت مالكاً وجد من شيء كوجده من مقالته وعلته الرحباء واطرق القوم فجعلوا ينتظرون الأمر به فيه ثم سُري عن مالك فقال: الكيف غير معلوم والاستواء غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وإني لأخاف أن تكون ضالاً ثم أمر به فأخرج" أ.هـ.
ثم ساق الصابوني بسنده إلى أحمد بن شقيق أنه قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: "نعرف ربنا فوق سبع سماوات على العرش استوى بائنا من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية أنه ههنا، وأشار إلى الأرض" أ.هـ.
وبسنده -أي الصابوني- إلى ابن خزيمة أنه قال: "من لم يقر بأن الله -عز وجل- على عرشه قد استوى فوق سبع سماوات فهو كافر به حلال الدم يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على بعض المزابل حتى لا يتأذى به المسلمون، ولا المعاهدون بنتن رائحة جيفته. وكان ماله فيئا لا يرثه أحد من المسلمين، إذ المسلم لا يرث الكافر" أ.هـ.
ويتابع الصابوني فيقول: "ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب( ) -سبحانه وتعالى- كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسول الله   وينتهون فيه إليه .. ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره ويكلون علمه إلى الله، وكذلك يثبتون ما أنزل الله -عز اسمه- في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله -عز وجل-
] هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقُضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور[( ).
وقوله -عز اسمه-:
]وجاء ربك والملك صفاً صفاً[( ) أ. هـ.
ثم ساق الصابوني بسنده إلى إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ابن راهويه. قوله: "قال لي الأمير عبد الله بن طاهر يا أبا يعقوب هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا" كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير لا يقال لأمر الرب كيف، إنما ينزل بلا كيف" أ. هـ.
قلت ثم ساق الصابوني قوله: "سمعت الأستاذ أبا منصور على أثر هذا الحديث الذي أملاه علينا يقول: سئل أبو حنيفة عنه فقال: ينزل بلا كيف" أ.هـ.
قلت: ثم نقل الصابوني كلام ابن خزيمة في كتابه التوحيد، حيث قال ابن خزيمة: ".. باب ذكر أخبار ثابتة المسند رواها علماء الحجاز والعراق في نزول الرب إلى السماء الدنيا كل ليلة من غير صفة كيفية النزول مع إثبات النزول".
نشهد شهادة مقر بلسانه، مصدق بقلبه، متيقن بما في هذه الأخبار من ذكر النزول من غير أن نصف الكيفية لأن نبينا   لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى السماء الدنيا وأعلمنا أنه ينزل، والله -عز وجل- ولى نبيه   بيان ما بالمسلمين إليه الحاجة من أمر دينهم، فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذلك النزول غير متكلفين للنزول بصفة الكيفية إذا النبي لم يصف لنا كيفية النزول" أ. هـ.
وبعد أن انتهى الصابوني -رحمه الله- من تقرير هذه المسألة انتقل إلى مسألة مذهب السلف في عدم الخوض عن كيفية الأمور التي ثبت عن النبي إضافتها لله من الأسماء والصفات، فساق بسنده إلى مالك بن أنس أنه قال: "إياكم والبدع قيل: يا أبا عبد الله وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسمائه وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته لا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون" أ. هـ.
وبسنده -الصابوني- إلى الوليد بن مسلم قال: "سألت الأوزاعي وسفيان ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية قال: أمرها كما جاءت" أ. هـ.
ويقول الصابوني: "ومن مذهب أهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية".
وبسنده إلى الحميدي قوله: سمعت سفيان بن عيينة يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد تقول ينقص فقال: اسكت يا صبي أجل ينقص حتى لا يبقى منه شيء.
وبسنده إلى أحمد بن حرب أنه قال: "أشهد أن دين أحمد بن حرب الذي يدين الله به أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" أ. هـ.
ويتابع الصابوني بحثه فيقول: "ويعتمد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوباً كثيرة صغائر كانت أو كبائر فإنه لا يكفر بها وإن خرج من الدنيا غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله -عز وجل- إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالماً غانماً، غير مبتلى بالنار ولا معاقباً على ما ارتكب من الذنوب واكتسبه، ثم استصبحه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار" أ. هـ.
"ومن قول أهل السنة والجماعة في اكساب العباد أنها مخلوقة لله -تبارك وتعالى- لا يمترون فيه ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه".
"ويشهدون أن الله -تعالى- يهدي من يشاء إلى دينه ويضل من يشاء عنه لا حجة لمن أضله الله عليه ولا عذر له لديه".
"فسبحانه خلق الخلق بلا حاجة إليهم، فجعلهم فريقين فريقاً للنعيم فضلاً، وفريقاً للجحيم عدلاً، وجعل منهم غوياً ورشيداً، وشقياً وسعيداً وقريباً من رحمته وبعيداً،
]لا يسأل عما يفعل وهم يسألون[ ( )
]ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين[ ( )
"ويشهد أهل السنة ويعتقدون، أن الخير والشر والنفع والضر والحلو والمر بقضاء الله وقدره، لا مرد لهما ولا محيص ولا محيد عنهما، ولا يصيب المرء إلا ما كتبه له ربه. ولو جهد الخلق أن ينفعوا المرء بما لم يكتبه الله لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروه بما لم يقضه الله عليه لم يقدروا، على ما ورد الخبر عن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما" أ. هـ.
"ومن مذهب أهل السنة وطريقتهم مع قولهم بأن الخير والشر من الله وبقضائه لا يضاف إلى الله ما يتوهم منه نقص على الانفراد، فلا يقال يا خالق الشر والخنازير والخنافس والجعلان وإن كان لا مخلوق إلا والرب خالقه".
"وكذلك مذهب أهل السنة والجماعة، أن الله -عز وجل- مريد لجميع أعمال العباد خيرها وشرها، لم يؤمن أحد به إلا بمشيئته ولم يكفر أحد إلا بمشيئته ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة".
"ويرضى الإيمان والطاعة ويسخط الكفر والمعصية ولا يرضاها، ويرى أهل السنة الصلاة مع البر والفاجر، والجهاد معهما، ولا يرون الخروج عليهم ويرون الكف عما شجر بين أصحاب الرسول   ويعتقدون أن الجنة لا تجب لأحد بعمله بل برحمة الله وفضله، ويعتقدون أن لكل مخلوق أجل وأن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها ومن مات أو قتل فإن أجله قد انتهى".
وهذا آخر ما أردت نقله من رسالة الإمام الصابوني -رحمه الله وهذه عقيدة السلف الصالح وهي سبيل المؤمن الذي لا يجوز مخالفته أبداً، وهي التي يجب على الدعاة أن يدعوا إليها ويبينوها للأمة.
فهي عقيدة لا تأويل فيها للأسماء والصفات على غير حقيقتها ولا تحريف فيها ولا تشبيه ولا تفويض، بل ملخصها إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ونفى ما نفاه الله عن نفسه أو ما نفاه رسوله، إثبات بلا تعطيل ونفي بلا تفصيل( )، وهي التي أدين الله بها، عليها أحيى وعليها أموت وعليها أبعث إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين.
وقبل أن ننتهي من الفصل الأول أرى أن أنقل كلمة للعلامة الشاطبي -رحمه الله- والذي كان من أكابر أهل السنة في عصره -رحمه الله تعالى-.
يقول الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات في المسألة الثانية عشرة المجلد الثالث: "كل دليل شرعي لا يخلو أن يكون معمولاً به في السلف المتقدمين دائماً أو أكثرياً أو لا يكون معمولاً به إلا قليلاً أو في وقت ما أولا يثبت به عمل".
ثم بدأ الإمام يوضح هذه الأقسام حتى عد القسم الثالث وهو مدار بحثنا فقال: "والقسم الثالث أن لا يثبت عن الأولين أنهم عملوا به على حال فهو أشد مما قبله والأدلة المتقدمة جارية هنا بالأولى وما توهم المتأخرون منه أنه دليل على ما زعموا ليس بدليل عليه البتة إذ لو كان دليلاً عليه لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين ثم يفهمه هؤلاء فعمل الأولين كيف كان مصادم لمقتضى هذا المفهوم ومعارض له ولو كان ترك العمل فما عمل به المتأخرون من هذا القسم مخالف لإجماع الأولين وكل من خالف الإجماع فهو مخطئ وأمة محمد   لا تجتمع على ضلالة فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنة والأمر المعتبر وهو الهدى وليس ثم إلا صواب أو خطأ فكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ، وهذا كاف والحديث الضعيف الذي لا يعمل العلماء بمثله جار هذا المجرى.
ومن هناك لم يسمع أهل السنة دعوى الرافضة أن النبي   نص على علي أنه الخليفة بعده لأن عمل كافة الصحابة على خلافه دليل على بطلانه أو عدم اعتباره لأن الصحابة لا تجتمع على خطأ وكثيراً ما تجد أهل البدع والضلالة يستدلون بالكتاب والسنة يحملونها مذاهبهم ويغبرون بمشتبهاتهما في وجوه العامة ويظنون أنهم على شيء.
ولذلك أمثلة كثيرة: كالاستدلالات الباطنية على سوء مذاهبهم بما هو كثير في النقل عنهم وسيأتي منه أشياء في دليل الكتاب إن شاء الله واستدلال التناسخية على صحة ما زعموا بقوله تعالى:
]في أي صورة ما شاء ركبك[ ( )
وكثير من فرق الاعتقادات تعلق بظواهر من الكتاب والسنة في تصحيح ما ذهبوا إليه مما لم يجر له ذكر، ولا وقع ببال أحد من السلف الأولين، وحاش لله من ذلك، ومنه أيضاً استدلال من أجاز قراءة القرآن بالإدارة وذكر الله برفع الأصوات وبهيئة الاجتماع بقوله عليه الصلاة والسلام: "ما اجتمع قوم يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم" الحديث
والحديث الآخر: "ما اجتمع قوم يذكرون" الخ وبسائر ما جاء في فضل مجالس الذكر.
وكذلك استدلال من استدل على جواز دعاء المؤذنين بالليل بقوله تعالى:
]ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداوة والعشي[ ( )
وقوله: ]ادعوا ربكم تضرعاً وخفية[ ( )
ويجهر قوام الليل بالقرآن واستدلالهم على الرقص في المساجد وغيرها بحديث لعب الحبشة في المسجد بالدرق والحراب، وقوله   لهم: "دونكم يا بني أرفدة".
واستدلال كل من اخترع بدعة أو استحسن محدثة لم تكن في السلف الصالح، بأن السلف اخترعوا أشياء لم تكن في زمان رسول الله   ككتب المصحف، وتصنيف الكتب، وتدوين الدواوين، وتضمين الصناع، وسائر ما ذكر الأصوليون في أصل المصالح المرسلة، فخلطوا وغلطوا، واتبعوا ما تشابه من الشريعة ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلها، وهو كله خطأ على الدين، واتباع لسبيل الملحدين، فإن هؤلاء الذين أدركوا هذه المدارك، وعبروا على هذه المسالك، إما أن يكونوا قد أدركوا من فهم الشريعة ما لم يفهمه الأولون أو حادوا عن فهمها، وهذا الأخير هو الصواب، إذ المتقدمون من السلف الصالح هم كانوا على الصراط المستقيم، ولم يفهموا من الأدلة المذكورة وما أشبهها إلا ما كانوا عليه، وهذه المحدثات لم تكن فيهم، ولا عملوا بها، فدل على أن تلك الأدلة لم تتضمن هذه المعاني المخترعة بحال، وصار عملهم بخلاف ذلك دليلاً إجماعياً على أن هؤلاء في استدلالهم وعملهم مخطئون ومخالفون للسنة.
فيقال لمن استدل بأمثال ذلك: هل وجد هذا المعنى الذي استنبطت في عمل الأولين أو لم يوجد، فإن زعم أنه لم يوجد ولا بد من ذلك فيقال له: أفكانوا غافلين عما تنبهت له أو جاهلين به أم لا؟ ولا يسعه أن يقول بهذا، لأنه فتح لباب الفضيحة على نفسه، وخرق للإجماع. وإن قال إنهم كانوا عارفين بمآخذ هذه الأدلة. كما كانوا عارفين بمآخذ غيرها، قيل له: فما الذي حال بينهم وبين العمل بمقتضاها على زعمك؟ حتى خالفوها إلى غيرها؟ وما ذاك إلا لأنهم اجتمعوا فيها على الخطأ دونك أيها المتقول؟ والبرهان الشرعي والعادي دال على عكس القضية، فكل ما جاء مخالفاً لما عليه السلف الصالح فهو الضلال بعينه.

شبكة الدعوة والتبليغ

http://www.binatiih.com

 
 
المشاركة السابقة : المشاركة التالية


 
 

أعلى الصفحة

برنامج البوابة العربية 2.2