مازال العمل جاري في تطوير الموقع وفقنا الله وإياكم لكل خير وسدد خطنا وخطاكم على طريق الحق

 

شبكة الدعوة والتبيلغ » المواضيع » كـتـب ورســــــــــــــائل


وجوب الدعوة إلى الكتاب والسُّنة 2

 

 

 

الفصل الثاني

وفيه مباحث:
1- التعريف بجماعة التبليغ ونشأتها ومؤسسها.
2- منهج جماعة التبليغ في الدعوة إلى الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح.
3- منهج جماعة التبليغ تجاه عقيدة السلف الصالح (الربوبية-الألوهية-الأسماء والصفات).
4- منهج السلف تجاه الجهاد.
5- منهج جماعة التبليغ تجاه الجهاد.
6- وسائل جماعة التبليغ في دعوتهم.
7- أسئلة متفرقة لمشائخ جماعة التبليغ.

نحمده ونصلي على نبيه الكريم وآله وصحبه أجمعين.
وبعد أن قدمنا هذا الفصل والذي كان منصباً في أهمية العقيدة في حياة الأمة، ووجوب التمسك بعقيدة السلف الصالح، الذين شهد لهم رسول الله    بالخيرية حيث قال في الحديث الصحيح: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم".
أرجع لأجعل هذا الفصل الثاني لبيان منهج جماعة التبليغ ودعوتها وهو صلب رسالتي هذه ولعل قائل أن يقول إن هذه الرسالة هدفها البحث في حقيقة منهج جماعة التبليغ فما الداعي لإيراد ما أوردته في الفصل الأول في بيان عقيدة السلف الصالح -رحمهم الله- فأقول: إن الذي دفعني على هذا هو أنه يجب على كل داعية إسلامي أن يدرك أن الحكم على مناهج الدعاة الإسلاميين في وقتنا الحاضر يجب أن يكون بميزان الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح -رضي الله عنهم أجمعين- وإذا لم يدرك الدعاة الإسلاميين هذا الأمر فلن يتميز الصالح من غيره حيث أن الجميع يدّعون أنهم يدعون إلى الكتاب والسنة ولكن لا بد عندما نحكم على أي منهج أن نرى مدى التزامه بمنهج سلفنا الصالح وهم القرون الثلاثة الفاضلة وقد بينت وجوب التمسك بمنهج السلف وأدلته.
خلاصة القول أنه يجب علينا إن أردنا أن نحكم على منهج دعوى أن ننظر في مدى التزامه بمنهج السلف الصالح وهذا ما سأفعله في هذا الفصل إن شاء الله -عز وجل- فسأورد منهج جماعة التبليغ الذي تلقيته مشافهة منهم فكل ما أقول في هذا البحث قال فلان فإنما هو نص ما تلقيته بنفسي منهم نسأله تعالى التوفيق والتثبيت ولنبدأ مستعينين بالله وحده في بيان منهج جماعة التبليغ والله الهادي إلى الصواب.
" التعريف بجماعة التبليغ ونشأتها ومؤسسها:
في سنة( ) 1359هـ (1940م) خرجت مع رفيقين أطالع مشاريع التعليم والتربية ومراكزها في الهند وانتهت بي هذه الرحلة إلى دهلي ومنها إلى ميموات الرقعة التي هي مشهورة في التاريخ باللصوصية والنهبة والشطارة والغارة، حتى كانت أبواب سور مدينة دهلي تقفل من بعد الغروب خوفاً من هؤلاء اللصوص، فسمعت بأنها مجال كبير لإصلاح ديني خلقي جديد، ولما زرتها وجدت انقلاباً مدهشاً في الأخلاق والنفوس، تنقلت في القرى والأماكن وتتبعت الأخبار فعلمت أن الناس الذين كان القتل عندهم أهون شيء، وقد يقتلون الإنسان لأمر تافه ودرهم زائف، ساروا الآن يحرسون الأموال والأعراض ويعفون عن المحارم، رأيت فيهم إقبالاً على العلم وتواضعاً وحفاوة ضيافة، ودماثة خلق وإيثاراً على النفس وألفة ومودة لا توجدان في هذا العصر المادي وعزوفاً عن الشهوات وصبراً على المشاق، وإيماناً وصلاحاً وعلمت أن ألوفاً من الناس هناك تأثروا بهذا الإصلاح وانقلبت نفسيتهم انقلاباً عجيباً.
هنالك فحصت عن منبع هذا الانقلاب فسمعت أن لا جمعية ولا جامعة ولا دعاية ولا صحيفة ولا اكتشاف. إنما هو رجل متواضع في دهلي قد بث الروح في هذه الأمة المنحطة، وهذب النفوس ونشر الدين والعلم، وحدا بي الشوق إلى زيارته، فجئت إلى دهلي فإذا هو رجل نحيف أسمر اللون، قصير القامة، كثيف الحية، تشف عيناه عن ذكاء مفرط وهمة عالية، على وجهه مخايل الهم والتفكير والجهد الشديد، ليس بمفوه ولا خطيب بل يتلعثم في بعض الأحيان ويضيق صدره ولا ينطلق لسانه ولكن كله روح ونشاط وحماسة ويقين لا يسأم ولا يمل عن العمل، ولا يعتريه الفتور والكسل، صحبت "مولانا محمد إلياس" مركز هذا النشاط الذي صحبته مدة طويلة ورافقته في السفر والحضر فرأيت نواحي من الحياة لم تنكشف لي من قبل فمن أغرب ما رأيت يقينه الذي استطعت به أن أفهم يقين الصحابة، فكان يؤمن بما جاءت به الرسل إيماناً يختلف عن إيماننا اختلافاً واضحاً، كاختلاف الصورة والحقيقة إيماناً بحقائق الإسلام أشد وأرسخ من إيماننا بالماديات والمحسوسات وبخواص الأشياء والأدوية ومضارها ومنافعها، وبتجارب حياتنا فكان كل شيء صح في الشرائع وثبت من الكتاب والسنة حقيقة لا يشك فيها، وكأنه يرى الجنة والنار رأي عين، رأيته في حالة عجيبة من التألم والتوجع والقلق الدائم كأنه على حسك السعدان، يتململ تململ السليم، ويتنفس الصعداء، لما يرى حوله من الغفلة عن مقصد الحياة وعن غاية هذا السفر العظيم، وعن خالق هذا الكون، ومن الاستهانة بقيمة الحياة وتضييعها في غير محل، ولا أجد له مثلاً إلا كالذي يرى الحريق في بيت، وقد أحاطت النيران بأولاده وأسرته ونفائسه، فيصرخ ويضطرب ولا يقر له قرار، وعرفت برؤيته معنى الحب وفهمت ما روى عن العشاق المتيمين ومن استولى عليه الحب وصدقت ما نقل عن الأنبياء من الحزن والقلق والحرص على الهداية.
ثالثاً وأخيراً رأيت في هذا الجسم النحيل الذي كاد يعجز عن أن يحمل ثقله روحاً قوية جداً وقوة إرادة، وقلب لم أجد مثلها في الشبان الأقوياء والأبطال الأشداء، فكان يتحمل من المشاق ما ينوء بالعصبة أولي القوة وقد يظل في أسفاره أياماً متوالية لا يأكل فيها لشدة الاشتغال ويسهر الليالي، وأعجب ما رأيت أنه كان في مرضه الذي توفي فيه لا يستطيع القيام والقعود ولكنه يأتي إلى الصف يتهادى بين رجلين ويقوم للصلاة، ولا يستقل بنفسه فإذا كبر الإمام تركه الرجلان وقام بنفسه كأنه غير الرجل ويقوم ويركع ويسجد من دون مساعدة، حتى إذا سلم الإمام خارت قوته وعاد ضعيفاً لا يستطيع النهوض وبقي هكذا شهوراً، وما فاتته في مرضه صلاة إلى الليلة التي توفي فيها.

الدعوة ومبادؤها:
هذا صاحب الدعوة، وكلمة وجيزة عن الدعوة لقد رأى مولانا محمد إلياس ما أصاب المسلمين من التحلل والإفلاس في الإيمان والروح، والشعور الديني في هذه المدة، وما أثرت فيهم الحكومة الإنجليزية والحضارة الغربية والتعليم المدني، وغفلة الدعاة والاشتغال الزائد بالحياة، والانهماك بالمادة حتى صارت المدارس الشرعية والأوساط الدينية، كجزر في بحر محيط وأصبحت تتأثر بمحيطها الثائر على الدين ولا تؤثر بضعفها وعزلها عن الحياة. فرأى أن التعليم وحده لا يكفي والاعتزال لا يفيد، والانزواء لا يصح، ولا بد من الاتصال بطبقات الشعب، ولا بد من التقدم إليها من غير انتظار لأنها لا تشعر مرضها وفقرها في الدين. ويَجِبُ أن يبتدأ بغرس الإيمان في القلوب ومبادئ الإسلام ثم الأركان والعلم والذكر، مع مراعاة الآداب التي تقوي هذه الدعوة وتحفظها من الفتن ومنها إكرام كل مسلم، ومنها عدم الاشتغال بما ليس بسبيل الداعي وترك ما لا يعنيه، وقد دعا إلى هذا النظام بكل قوته ونفوذه، ودعا إلى الخروج في سبيل هذه الدعوة وبثها بين القرى والمدن وبدأ دعوته بمنطقة هي أحط المناطق الهندية خلقاً، وأبعدها عن الدين وأعظمها جهالة وضلالة، وهي منطقة ميموات في جنوب دهلي عاصمة الهند، ودعا الناس فيها إلى الانقطاع عن أشغالهم، والخروج من أوطانهم لمدة محدودة وقد تكون شهراً، وقد تكون أكثر من ذلك وعرف أنهم لا يتعلمون ولا يتغيرون في الأخلاق إلا إذا خرجوا من هذا المحيط الفاسد الذي يعيشون فيه.
وقد قبل دعوته مئات وألوف من هذه المنطقة وخرجوا شهوراً وقطعوا آفاقاً بعيدة ما بين شرق الهند وغربها وشمالها وجنوبها، ركباناً ومشاة، فتغيرت أخلاقهم، وتحسنت أحوالهم، واشتعلت بواطنهم الدينية، وانتشرت الدعوة في الهند وباكستان، من غير نفقات باهظة ومساعدات مالية ونظم إدارية، بل بطريقة بسيطة تشبه طريقة الدعوة في الإسلام، وتذكر بالدعاة المسلمين المجاهدين المؤمنين الذين كانوا يحملون في سبيل الدعوة والجهاد متاعهم وراءهم وينفقون على أنفسهم ويتحملون المشقة محتسبين متطوعين.
وتوفي إلى رحمة الله تعالى في رجب 1363هـ وخلفه نجله الشيخ محمد يوسف وقام بأعباء بالدعوة خير قيام، وفي عهده توسعت الحركة توسعاً كبيراً، وانتشرت بعثاتها في العالم الإسلامي وفي الغرب، ودعا إلى الإيمان وإيثار الروح على المادة، والآخرة على الدنيا، والاعتماد على الله، وبذل الوسع والطاقة في سبيل الله، دعوة قوية صريحة أثرت في ألوف من الناس، فأصبحوا دعاة متطوعين ولا يزال مقر (نظام الدين) في دهلي مركز حياة دينية، ودعوة إيمانية يؤمها الناس من جهات بعيدة. أ. هـ.

" منهج جماعة التبليغ في الدعوة إلى الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح:
يقول الشيخ بالمبوري حفظه الله "نحن مكلفين باتباع الصحابة مثل اتباع الرسول كما قال الله تعالى:
]والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه[( ).
نحن لا نستغني عن الصحابة فلا نسيء الأدب في الصحابة:
]فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا[( ).
ما آمنتم مّن؟ إيمان الصحابة لو يكون إيماننا مثل إيمان الصحابة لنصير في الهداية:
]فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق[.
لهذا السبب نحن لا نستغني عن الصحابة ونحن لا نستغني في فهم القرآن عن الرسول وعن الصحابة ولا يجوز لنا أن نفهم القرآن رأساً بنفسنا، أعداء الله -تعالى- هم شاطرين باسم القرآن يبعدوننا عن القرآن، هم يقولون أن الصحابة بدو ومن سكان الجبال، وهم فعلوا كذا وفعلوا كذا فاتركوا ونحن مثقفين رأساً نفهم القرآن، هذا إبعاد عن القرآن باسم القرآن والمثقفون لا يفهمون هذه الحيلة وهذا المكر وهم يبعدوننا عن القرآن باسم القرآن، يا أخي نحن يجب أن نكون متبعين الرسول والصحابة. رأساً لا نفهم القرآن ولو نفهم القرآن رأساً فهذا يقول شيء وهذا يقول شيء. ولا يصير قرآن هناك. رجل يأكل لحم الخنزير يا أخي حرام. فيقول في القرآن موجود هذا وما هو؟ فيقول:
]وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم[( ).
يقرأ هذه الآية ويأكل الخنزير لماذا؟ لأنه فهم القرآن رأساً ولم يجتهد حتى يفهم من الصحابة، ورئيس دولة في رمضان، لما جاء رمضان في الصيف أعلن لا تصوموا في الصيف، ولكن صوموا في الشتاء، ويقول هذا في القرآن موجود:
]يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر[ ( )
ويقرأ هذه الآية بفهمه، لأنه ما نظر للصحابة هم ماذا فهموا رجل يأكل الرشوة ويأكل الربا، وإذا قيل له حرام، قال لا أنا لا أستطيع أترك لو أترك فأنا أقع في الهلكة، لأنه لا يصبح عندي مال بعد ذلك والله يقول:
]ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة[ ( )
وهذا في القرآن موجود وقرأ هذه الآية ويشتغل بالربا( ) أنتم تضحكون وأنا أبكي، إن أعداء الله تعالى باسم القرآن كيف يبعدوننا عن القرآن، والله العظيم، نحن لا نستغني في فهم القرآن عن الرسول وعن الصحابة الكرام، وعن التابعين وعن تابعي التابعين، وعن السلف الصالح، لا نستطيع أن نستغني عنهم في فهم القرآن، وإلا فالقرآن يخرج منا، هؤلاء الأعداء هم يفهموننا أن الصحابة فعلوا كذا، فعلوا كذا، وفيهم من زنى وشرب الخمر ومنهم من سرق فلذلك اتركوهم يا أخي في الرسول  في زمانه أسوة وبعض الأشياء غير مناسبة حصلت في زمانه لتعليم الأمة ذلك فهكذا لما رجم رسول الله    الغامدية علم الأمة ذلك، ولما قطع يد السارق، علم الأمة ذلك، ولما أقام حد شرب الخمر، تعلمت الأمة ذلك، والله طهر هؤلاء الصحابة، حتى لا يخرجوا من جملة الصحابة رضي الله عنهم".
ويقول في موضع آخر: "نفهم الكتاب والسنة كما فهمه الصحابة والسلف الصالح، لأنهم كانوا متمسكين به[، ولأن الله أثنى عليهم، فلا نفهم الكتاب والسنة إلا بفهم السلف الصالح، ولا يجوز أن نفهمه مباشرة ورأساً وإذا لم نفهم الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح فتنقلب الموازين وكذلك لا نفسر القرآن بفهمنا بل بفهم السلف" أ. هـ.
كلامه وبعد أن انتهيت من هذا البحث والذي كان منصباً في بيان أن منهج جماعة التبليغ الدعوة إلى الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، والذي قد بينت ذلك من خلال ما نقلته عن الشيخ بالمبوري حفظه الله، أشرع الآن في بيان منهج جماعة التبليغ تجاه عقيدة السلف الصالح رضوان الله عليهم.
ومن المعلوم أن التوحيد كما قسمه العلماء ثلاثة أقسام( ) (الربوبية- والألوهية- والأسماء والصفات) وسأجعل القسمين الأوليين في بحث مفرد وسأفرد القسم الثالث وهو توحيد الأسماء والصفات في بحث مستقل، وما ذلك إلا لأبين هل جماعة التبليغ أشعرية ماترودية أم أنها على منهج السلف -رضي الله عنهم أجمعين- ولنشرع في المطلوب مستعينين بالله وحده.

منهج الجماعة تجاه عقيدة السلف

أ- توحيد الربوبية والألوهية :
يقول الشيخ بالمبوري -حفظه الله- "الدنيا دار الأسباب، ولكن الله مسبب الأسباب، يرى في هذه الدنيا الشيء من الشيء والولد من الأب، ولكن في الحقيقة الله -سبحانه وتعالى- هو المؤثر في الأشياء، نحن نرى أن الحب من الثمر ولكن الأصل أن الله خالق الحب والنوى ولكن ترى الأشياء من الأشياء، ولكن الله هو مسبب الأسباب، ولكن نحن لا نرى قدرته.
الله سبحانه وتعالى قادر على تعمير حياة الإنسان وتخريبها( )، والله ليس بحاجة إلى أي سبب ولما أراد الله تعمير حياة يوسف، عمرها في السجن، ولما أراد الله تخريب(1) حياة فرعون وقارون خرب(1) حياتهم في العزة والملك.
الحمد لله الذي أخرج هذه الدعوة لندعو إلى كتاب الله وسنة رسوله ونرجع إليهما، الحمد لله الذي أخرج هذا العمل لتوحيد الألوهية، والربوبية، وأسماء الله وصفاته.
الله عز وجل علم نبيه أن يركز على الإيمان والنبي علم أصحابه الإيمان واليقين الصحيح، وبضدها تتميز الأشياء، التوحيد ضد الشرك، نصرف أنفسنا لله ولا نتوجه لغير الله، سواء صنم يعبد، أو قبر يزار، بل كل هذا شرك، ولكن الشرك، شرك دون شرك، وكفر دون كفر، وكذلك اليقين.
ولذلك ركز النبي على هذا اليقين والتوحيد الخالص، حتى أن النبي أراد ربط الإنسان بالتوحيد عن طريق الصلاة، فعند الدخول في الصلاة التكبير، وهكذا الركوع، كل هذا لتوحيد الألوهية، وإذا أتى توحيد الألوهية، يأتي توحيد الربوبية، وكل جهد مثل الحلقات وغيرها هو لهذا اليقين.
ولكن الدعوة إلى أي شيء؟ إلى الله وحده لا شريك له وأن الله( ) كما نعبد الله وحده ونعترض على أهل الأصنام فكذلك نحن ننكر عبادة غير الأصنام، وكذلك ننكر على الذين عندهم الشركيات. لو تقابل أهل الشرك الحقيقي، مع أهل الشرك المجازي، فيغلب أهل الشرك الحقيقي، ومعنى الشركي الحقيقي، هو عبادة الأصنام، والمجازي الاعتماد على غير الله، وهذا لا يخرج عن كلية الإيمان ولكن يعذب صاحبه بقدر ما أشرك مع الله الأسباب.
حقيقة الإيمان أن نتيقن على ذات الله ولا نتأثر إلا به، والله أمر نبيه: ]يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر[ ( )
فقدم لفظة ربك على التكبير وهذا يفيد الحصر، أي لا تكبر غير ربك.
معية الله بالصفات الإيمانية الصبر والتقوى والإحسان، وهذا هو زبدة الإيمان، وأنا أقول إن الإيمان بذات الله أن لا نعتمد على غير الله، ولا رجاء بغير الله، ولا استعانة بغير الله، ولا نستعين إلا بالله، ولا نعبد إلا الله، ولا نسجد لغير الله، ولا نركع للأصنام ولا نقوم لغير الله، فإذا أخرجنا من قلوبنا الخوف من غير الله، والرجاء من غير الله، بعد ذلك تأتينا نصرة الله".
ويقول الشيخ زين العابدين: عرفنا أن محمداً وجميع الأنبياء ركزوا جهدهم على تعليم الأمة، وصبروا وأخذوا أضعاف مدة تعليمهم في الإيمان على تعليم الأعمال فما هو الإيمان؟
الإيمان هو لا إله إلا الله، وهذا نفي وإثبات، فالإنسان إذا كان قلبه متعلق بالأسباب والقوة، وقوة السلاح، وقوة الأشياء المادية، وقوة الملك والمال، ويجد قلبه متأثراً بالأحجار سواء أحجار الجاهلية، أو الأحجار الإلكترونية، فكلها أحجار، فإذا رأى الإنسان ذلك، يجتهد ويخرج من هذه الشركيات، حتى يكون قلبه متعلق بالله الأحد، الذي يفعل ولا يستعين بأحد، والصمد الذي يفعل ولا يحتاج إلى شيء.
قوم ثمود كانوا أساتذة العالم في البناء، والله أخرج لهم ناقة من الجبل، ويروى أنها كانت حامل ووضعت حملها، كل ذلك ليعلم الله خلقه بأني أنا الخالق، أخلق الولد بدون أب، والناقة من الجبل، وعيسى من غير أب، وآدم من غير أب وأم، كل ذلك لبيان قدرة الله، لأن الإنسان كثيراً ما يربط بين الأسباب، ويعتقد أن فيها النفع والضر، فهذا معنى لا إله إلا الله، تخرج من قلوبنا الاعتماد على غير الله، فالله إذا شاء يخلق العزة مع قلة العدد، تلك الإرادة التي علمها رسول الله ابن عباس: "واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك بشيء إلا قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف" الأمة بحاكمهم ومحكوميهم لا تأثير لهم في شيء.
الخلاق هو الله صاحب الإرادة هو الله، فإذا خلي قلب الإنسان من كل المخلوقات فعند ذلك يأتي اليقين، فيجد قلبه متقبلاً اليقين
المادة الأولى في مدرسة النبي هو الإيمان بأسماء الله وصفاته، الإيمان بأن الله هو النافع والضار، هو الذي يضل وينفع ويمنع ويهدي، وإذا صلح اليقين بهذه الصفات يصبح عنده حقيقة الإيمان بأسماء الله وصفاته" أ. هـ. كلامه.
ويقول أحمد لات: "هكذا المؤمن لا يترك أمر الله، ولا يسأل إلا الله، ولا يرجو إلا الله، فرعون اجتهد حتى لا يأتي موسى، وكان يقتل الأطفال، ولكن الله إذا أراد أن يحفظ الإنسان فمن يستطيع أن يضره؟ وكذلك الذي يريد الله له الحياة فمن يستطيع أن يميته؟ فالله -سبحانه وتعالى- يبين هذا حتى يقوي الإيمان في قلوب الناس إلى يوم القيامة.
جميع الأنبياء ونبينا دعوا إلى الإيمان والعمل، ففلاح الإنسان بلا إله إلا الله محمد رسول الله، فهي من جزئين فالإنسان يخرج من بيته ويتحمل الشدائد حتى يخرج من قلبه جميع الأشياء، ويدخل اليقين على الله، لا يكون في قلوبنا أي يقين على غير الله، سواء الشمس والقمر والملائكة وجبريل، هكذا يأتي في قلوبنا اليقين الخالص، فالله خالق بدون معونة أحد، يستطيع بقدرته أن يفعل كل شيء بقدرته.
إذا أتى الإيمان في قلوبنا، كيف أن الله هو الرازق، هو المانع، كيف نؤمن بصفات الله وأسماءه، هو رب العالمين هو ذو القوة المتين" أ. هـ.
ويقول الشيخ عبد الوهاب: "أول ما اجتهد عليه الأنبياء هو الإيمان، من الأشياء إلى رب الأشياء، وكانوا يقولون قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، فلاحكم بيد الله وقوتكم بيد الله، وكل شيء من خزائن الله:
]ولله خزائن السماوات والأرض[ ( )
الروح من الله، الحياة من الله، الموت من الله، وكل شيء محتاج إلى أمر الله، ولا يستطيع الإنسان أن يستعمل أي حاجة إلا بأمر الله، الله أعطى النور للشمس، ولكن الشمس لا تمشي بأمرها بل بأمر الله، والله قادر على كل شيء هو الأحد، هو الصمد، ومعنى الصمد الذي لا يحتاج إلى شيء، ولهذا المقصد نجتهد حتى ندخل في قلوب الناس الاعتماد على الله، فنتحرك للعالم حتى نبين لهم ذلك، نحن لا نستطيع أن نحصر قدرة الله لأن عقلنا محصور" أ. هـ.
ويقول الشيخ جمشيد: "(والعصر) ( ) الواو للقسم (إن الإنسان) إن للتأكيد، والجملة الاسمية هنا للتأكيد، فأتى الله بكل هذه التأكيدات، قال تعالى: (والعصر) أي الدهر أو وقت العصر (إن الإنسان) أي جميع الناس (لفي خسر) (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات …) للإيمان ثلاثة جهود، التصديق بالجنان، والعمل بالأركان، وإقرار اللسان.
ويقول الشيخ ظهير: "اليقين الصحيح هو أن يعلم الإنسان أنه محتاج إلى أمر الله، كذلك الأشياء في نفعها وضرها محتاجة إلى أمر الله، هذا هو اليقين الصالح وهذا هو مفهوم لا إله إلا الله، أي سوى الله لا يضر ولا ينفع، إنما النفع والضر هو من الله جل جلاله هذا هو اليقين الصالح" أ. هـ.
وهذا ما أردت إثباته في هذا البحث والحمد لله أولاً وأخيراً.
ولنشرع مستعينين بالله في توضيح منهج هذه الجماعة تجاه توحيد الله في أسمائه وصفاته -جل جلاله- والله المستعان.

ب- توحيد الصفات والأسماء
يقول الشيخ زين العابدين -حفظه الله- "وكيف علم النبي أصحابه الإيمان بجزئية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهذه ليست كلمة باللسان فقط بل يقين خالص لا خدعة فيه، يكون يقيناً واحداً بذاته، واحداً بصفاته، منه تنزل الأحكام وإليه تصعد الأعمال..
المادة الأولى في مدرسة النبي هو الإيمان بأسماء الله وصفاته، الإيمان بأن الله هو النافع، هو الضار، هو الذي يضل ويمنع ويهدي، وإذا صلح يقين الإنسان بهذه الصفات يصبح عنده حقيقة الإيمان بأسماء الله وصفاته، وهو في سائر أعماله يكون مخلصاً لله، هذا الإنسان الذي آمن بأسماء الله وصفاته، يعلم أن الله معه يسمعه ويراه فإذا صلى الإنسان ولم يؤمن بأسماء الله وصفاته، فصلاته تكون ضعيفة وغير صحيحة، كذلك الإنسان إذا ترسخ في قلبه أسماء الله وصفاته، فيكون مراقب الله، أعماله خالصة وهو غير محتاج إلى أن يتلفظ بنيته، لأن هذه النية رسخت في قلب من رسخ في قلبه الأسماء والصفات.
نستطيع أن نحلف بالله، لا سعادة لنا إلا بالإيمان، وأن الإيمان والعمل الصالح هو الذي ينقصنا، ولا تنقصنا الأسباب، ونستحضر أسماء الله وصفاته.
الله له صفاته ومن صفاته السمع، ونحن نسمع ولكن سمع الله يليق به (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) وكذلك له البصر، ونحن لنا البصر، ولكن بصر الله ليس كبصرنا (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) ومن صفاته العدل والإعطاء" أ. هـ كلامه.
وبعد أن انتهى الشيخ وجهت إليه الأسئلة التالية:
تفضلتم في بيانكم المتقدم وتكلمتم عن توحيد الله في أسمائه وصفاته فما واجبنا تجاه الآيات التي تثبت لله الوجه( ) واليدين( ) وكذلك الأحاديث التي في البخاري والتي تثبت الأصابع( ) والقدم( ) لله.
فقال: نثبتها مع التنزيه.
قلت: يعني نثبت أن لله قدما.
قال: نعم ولكن مع التنزيه.
قلت: وهكذا في باقي الأسماء والصفات التي وردت بالكتاب والسنة؟
قال: نعم.
قلت: فما رأيكم بإثبات اليدين لله تعالى؟
قال: نعم نقر بهذا بدون تشبيه ونثبت لله ما أثبته لنفسه.
قلت: هل ترون أن الله مستو على عرشه فوق السماء؟
قال: نعم.
قلت: فما رأيكم في قراءة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؟
قال: نعم اقرءوها. أ. هـ.
ثم التقيت بالشيخ جمشيد -حفظه الله- فقلت له: يقول لنا أهل الحجاز اسألوا مشائخكم عن موقفهم تجاه توحيد الله في الصفات والأسماء، كإثبات اليدين والأصابع كم في البخاري وغيره فما تقولون؟
قال الشيخ: نحن عقيدتنا عقيدة أهل السنة والجماعة، نؤمن بالأسماء والصفات ونثبتها بدون تشبيه، ونقول أن الله تعالى: ]ليس كمثله شيء وهو السميع البصير[ أ. هـ.
يقول الشيخ أحمد لات: "والذي يدعو إلى التوحيد الخالص يحفظه الله، وأمام الداعي قدرة الأشياء، وأمامه صفات الله، فالذي معه قدرة الله، الله يسخر له كل الأشياء، لأنه يدعو إلى التوحيد الخالص إلى صفات رب العالمين، فالمؤمن عندما يدعو إلى قدرة الله وصفاته فإذا تحمل الشدائد، الله يرزقه الفلاح والنجاح، لأن قدرة الله معه، فهو قادر على كل شيء".
وبعد بيانه سألته الآتي:
ما منهجكم وموقفكم تجاه آيات الأسماء والصفات؟
فقال: نحن نقول كما قال مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
ونثبتها بدون تكييف لها، والله ]ليس كمثله شيء وهو السميع البصير[.
قلت: يعني تثبت لله الوجه واليدين والقدم والأصابع كما في القرآن والسنة؟.
قال: نعم نثبتها بدون تشبيه ]ليس كمثله شيء وهو السميع البصير[.
قلت: هل هذا رأيكم خاصة أم رأي مشايخ التبليغ كلهم؟
قال: هذا ليس رأينا فقط، بل رأي كل مشايخ التبليغ وعقيدتهم.
والتقيت مع الشيخ الحمداوي( ) ووجهت إليه الأسئلة التالية:
ما منهج جماعة التبليغ تجاه توحيد الله في الأسماء والصفات؟
قال: هل سألت هذا السؤال لأحد من مشايخ التبليغ.
قلت: نعم.
قال: فما أجابوك؟
قلت: نثبتها مع التنزيه والله ]ليس كمثله شيء وهو السميع البصير[ نثبت اليدين والوجه والأصابع والقدم مع تنزيهه، ونقول إن له هذه الصفات دون تشبيه، وإنما تليق بجلال الله -عز وجل-.قال: نعم هذا هو الصحيح وهو عقيدة السلف الصالح -رضي الله عنهم أجمعين-.
قلت: فما رأيكم( ) في مذهب الأشاعرة الذين يقولون إن معنى (استوى) أي استولى ويأولوا الصفات والأسماء؟.
قال: هذا خطأ منهم وهم يحتجون لذلك بأنهم يخافوا فتنة العوام، فلذلك يأولون الأسماء والصفات، ولكن مع ذلك لا يجوز تكفيرهم بل هم مسلمون( ).
قلت: ما رأيكم بقول من قال: إن الأعمال الصالحة لا تدخل في مسمى الإيمان، ويقولون إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؟.
قال: الأعمال تدخل في مسمى الإيمان لقول رسول الله    "أفضل الأعمال إيمان بالله ورسوله" فجعل الإيمان عمل والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية لقوله تعالى:
]هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم[( ).
والذين قالوا: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إنما عرفوه بذلك باعتبار المعرفة القلبية فقط، وهذا جهل منهم بحقيقة الإيمان، لأن الإيمان ليس مجرد معرفة بل المعرفة مقرونة مع العمل.
قلت: في بعض البلاد الإسلامية كمصر مثلاً نرى الناس يطوفون بالقبور ويتوسلون بأصحابها، ويذبحون لها، وإذا سألتهم عن ذلك قالوا: إنا نرجو بركة صاحب هذا القبر، فما رأيكم بمثل هذه الأفعال؟
قال: هذه سنة الله كلما ابتعد الزمان، وكلما بعدت الأمة عن الدين، فيرجع الناس إلى الشرك ويبتعدون عن الدين، فهؤلاء محتاجون إلى من يوجههم إلى الحق، وبنو إسرائيل لما نجاهم الله من فرعون عبدوا العجل.
وأما التوسل الحقيقي فوضحه رسول الله في الحديث الصحيح وهو حديث أصحاب الغار، فالتوسل بالإيمان والأعمال الصالحة، هذا هو التوسل المشروع، فالنبي بين لنا هذا الحديث حتى نتوسل بالأعمال الصالحة، وأما من يريد الاحتجاج بحديث الأعمى( ) إنما يريد أن يضيق واسعا، فالله أذن لنا بالتوسل بجميع الأعمال الصالحة، ولكن يأبى الناس إلا التضييق، والتوسل بالأنبياء والأولياء والله تعالى وصف المشركين بأنهم لا يكتفون بما أمرهم الله به، وإنما يريدون زيادة على ذلك، والله يقول: ]وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون[( ).
وهذه الآية تفيدنا أن نتوجه إلى الله وحده والمشركون لا يحبون هذا ويريدون من دونه، والله في القرآن الكريم إنما وجهنا أن نستعين بالصلاة، ولو كان الله يريد لنا الاستعانة والتوسل بغير ذلك، لبينه لنا ولقال: ]استعينوا بإبراهيم[ وهكذا فهذا دليل على أن التوسل لا يجوز إلا بما شرع الله في كتابه وعلى لسان رسوله.
قلت: وهو آخر ما أردت بيانه من منهج الجماعة تجاه توحيد الله -عز وجل- في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، مما يجعلني أجزم بأن منهج هذه الجماعة في العقيدة (الربوبية، الألوهية، والصفات) هو على منهج السلف الصالح لا شك في ذلك عندي ومن هنا يتبين خطأ من قال أن عقيدتهم أشعرية ماترودية أو غير ذلك من العقائد المخالفة لما كان عليه سلف هذه الأمة، والحمد لله رب العالمين.

منهج جماعة التبليغ تجاه الجهاد في سبيل الله

منهج السلف في الجهاد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد:
فإن مما انتقدت به هذه الجماعة، الادعاء بأنهم لا يرون شرعية الجهاد، أو أنهم يرون أن جهاد النفس هو الجهاد المطلوب فقط، دون ما سواه من جهاد الكفر والكفار، أو أن خروجهم المعروف هو الجهاد الحقيقي، لأنه نشر للإسلام بدون قتال، وبوسائل سلمية، إلى غير ذلك من الأقوال التي تنسب إليهم وهم براءُ منها، وإظهاراً للحق أرى أن أفرد هذا الجواب ببحث خاص لما له من أهمية (أقصد الجهاد) في حياة المسلمين على مر العصور وليس القصد بيان منهج جماعة التبليغ فقط، وإنما المقصود هو بيان منهج دين الله وأهل السنة والجماعة في قضية الجهاد، فأقول وبالله أعتصم:
إن الله فرض الفرائض الشرعية وحدد لها واجبات حتى تكتمل بها الفرائض العظمى، فمثلاً ربنا -جل جلاله- أوجب الصلاة، وجعل لها شروطاً لا تتم إلا بها كدخول الوقت مثلاً، كذلك الجهاد، فإن الله -جل جلاله- افترض الجهاد على الأمة ضمن شروط وقيود معينة فعلى الأمة مراعاة تلك الشروط والقيود الشرعية، وإذا لم تراع تلك الشروط فلا يمكن أن يتأتى ذلك الفرض الشرعي وهو الجهاد في سبيل الله. فالذي يريد الجهاد الشرعي لا بد عليه من تتبع شروط الجهاد حتى يكون جهاده شرعياً، ونشرع الآن في بيان بعض شروط الجهاد، والله المستعان فأقول:
" الشرط الأول: لا جهاد إلا بإمام للمسلمين:
إن من الشروط التي لا بد منها في الجهاد وجود إمام للمسلمين يقودهم إلى درب الجهاد بنفسه أو بواسطة أحد رعيته وإذا لم يوجد ذلك الإمام فلا يصح أن يكون هناك جهاد وإن وقع جهاد بدون إمام فذلك مما يخالف الشرع، فلا عبرة بالجهاد قبل تعيين إمام للمسلمين، وعلى اشتراط الإمام للجهاد انعقد فعل السلف، وثبتت به أحاديث صحيحة، فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم، تحت باب الإمام جنة يقاتل من وراءه ويتقي به، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي قال: "إنما الإمام جنة، يقاتل من وراءه ويتقى به، فإن عمل بتقوى الله -عز وجل- وعدل،ـ كان له بذلك أجر … الحديث"( ).
قلت : ووجه الدلالة من هذا الحديث على اشتراط الإمام للجهاد واضحة من عدة جوانب وهي:
أولاً: قوله "الإمام جنة". قال النووي في شرحه: "أي كالستر لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين" قلت: فقد جعل رسول الله   الإمام وقاية وستراً للمسلمين فمن أجاز الجهاد بدون إمام فقد أجاز للمسلمين أن يقاتلوا عدوهم من غير وقاية لهم ولا ستر، ولا يقال إن كون الإمام جنة لا ينفي أن يكون غيره ليس بجنة، لأننا نقول بل كونه جنة دليل على أن غيره ليس بجنة، لأن النبي  قال: "إنما الإمام جنة" فقال: إنما والتي تفيد الحصر فكأن المعنى -بل إن المعنى- لا جنة للمسلمين إلا في إمامهم، وقوله    "يقاتل من ورائه" مع ذاك الحصر يؤكد أنه لا قتال إلا من وراء إمام قال النووي: "ومعنى يقاتل من ورائه أي يقاتل معه الكفار والبغاة والخوارج وسائر أهل الفساد والظلم مطلقاً ..".
ثانياً: ومن الأدلة على اشتراط الإمام للجهاد، ما أخرجه البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي قال يوم الفتح: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" رواه البخاري تحت باب وجوب التنفير، ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي    اشترط لنفير المسلمين للقتال أن يستنفروا من الإمام، فإذا لم يكون ثم إمام فلا استنفار فلا نفير، لأن النفير مقيد بالاستنفار، وهذا التقييد يشبه قوله    "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا .." فقيد رسول الله انعقاد تكبير المأموم بعد تكبير الإمام فكما أن تكبير المأموم لا يشرع إلا بعد تكبير الإمام فنفير المأموم لا يشرع إلا بعد استنفار الإمام، وقد نقل الحافظ ابن حجر في شرحه للبخاري قول النووي: "يريد أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة، يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة، وإذا أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد، ونحوه من الأعمال الصالحة، فأخرجوا إليه". قلت: ووجه آخر من الحديث وهو أن النبي بين أن ما عينه الإمام في قوله: "إذا استنفرتم" وجب عليه الجهاد، فلو كان الجهاد ممكن بدون إمام لما نظر الشارع في تحديد الإمام مَنْ يخرج للجهاد فلما نظر لذلك علمنا أن الشارع قد جعل بحكم الجهاد بيد الإمام فإذا لم يوجد الإمام لم يمكن وجود الجهاد، وقد قال الحافظ في الفتح في استخراج فوائد الحديث "وفيه وجوب تَعَيُّن الخروج في الغزو على من عينه الإمام".
ثالثاً: ومن الأدلة على اشتراط الإمام للجهاد ما أخرجه مسلم، عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع، حيث كان من أمر الحَرَّة ما كان زمن يزيد بن معاوية، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة فقال: إني لم آتِكَ لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثاً سمعت رسول الله   يقوله، سمعت رسول الله   يقول: "من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" انظر شرح مسلم وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، قلت: وجه الدلالة من الحديث أن رسول الله   بين أن من مات وليس في عنقه بيعة فميتته جاهلية، ولقائل أن يقول: إن ذلك حيث إمام فيتم الاستدلال وأما إذا لم يكن ثم إمام فلا ينطبق عليه الحديث. فالجواب أنا نقول: مما ثبت أن الذي يموت وليس في عنقه بيعة فميتته جاهلية، علمنا أنه لا بد من مبايعة الإمام وأن الأمر إذا كان حيث لا إمام حسبما ذكر في الاعتراض فعند ذلك يلزم الأمة تنصيب الإمام إذا كانت الاستطاعة موجودة فإذا لم تكن الاستطاعة موجودة فتتخذ الوسائل المناسبة كالتربية مثلاً، حتى يحين وقت تنصيب الإمام، أما الجهاد فلا يكون إلا بعد تنصيب الإمام، حتى لا تقع الأمة في الوعيد المذكور وهو موت أهل الجاهلية، والله أعلم.
رابعاً: ومن الأدلة على اشتراط الإمام للجهاد ما رواه البخاري تحت باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، وما رواه مسلم في باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، كلاهما عن حذيفة -رضي الله عنه- مع اختلاف يسير في اللفظ، قال: "كان الناس يسألون رسول الله    عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهتدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: نعم، قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا. قلت: يا رسول الله. فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" وفي هذا الحديث دليل على اشتراط الإمام للجهاد، ووجه الدلالة:
أولاً: أن النبي أمر حذيفة أن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم، وقد جاء في بعض طريق مسلم أن النبي قال لحذيفة: "تسمع وتطع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع" وأما إذا لم يكن ثمَّ إمام فالجواب هو الاعتزال، فكيف يجتمع وجوب القتال مع الأمر بالاعتدال، مع أن النبي ذكر دعاة أبواب جهنم وأمر باعتزالهم، فقتالهم ينافي اعتزالهم حتى أن رسول الله بالغ في الأمر باعتزالهم إلى حد أن قال: "ولو أن تعض على أصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" فكل هذا من الحديث يوضح تأكد اعتزالهم وترك قتالهم إذا لم يكن إمام.
ثانياً: وكما تقرر في الأصول، أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلو كان القتال سائغاً بغير إمام، لبينه رسول الله لحذيفة مع أن المقتضى قائم للتعليم، فدل ذلك على ما بيناه سابقاً.
ثالثاً: إن أمر رسول الله    لحذيفة بالاعتزال، إنما المراد منه الاعتزال بجميع جوانبه، لأنه أطلق الاعتزال، ولو أراد الاعتزال الفكري، لقيد الاعتزال، فإطلاق الاعتزال لا يجوز تخصيصه خصوصاً أن النبي  ربط هذا الاعتزال بالعض على جذع شجرة، فعلم أن مراده الاعتزال بجميع إطلاقاته، وهذا يحتاج إلى تأمل.
وعلى هذا الشرط عمل السلف الصالح من الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم أجمعين- وقد صرح الأئمة في عقيدة أهل السنة والجماعة باشتراط الإمام للجهاد، فمن ذلك: ما رواه اللالكائي في كتاب السنة له عن الإمام أحمد أنه قال: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله    إلى أن قال: وقتال اللصوص، والخوارج جايز إذا عرضوا للرجل نفسه وماله، فله أن يقاتل عن نفسه وماله، ويدافع عنهما ما يقدر عليه، وليس له إذا فارقوه أو تركوه أن يطلبهم ولا يتبع آثارهم، ليس لأحد إلا للإمام أو ولاة المسلمين، إنما له أن يدفع عن نفسه في مقامه ذلك، وينوي بجهده ألا يقتل أحد". وعن علي بن المديني قوله في عقيدة أهل السنة: "والغزو مع الأمراء ماضي إلى يوم القيامة البر والفاجر، لا يترك … إلى أن قال: ويحل قتال الخوارج واللصوص. إذا عرضوا للرجل في ماله، أو ما دون نفسه، فله أن يقاتل عن نفسه وماله حتى يدفع عنه في مقامه، وليس له إذا فارقوه أو تركوه أن يطلبهم ولا يتبع آثارهم، وقد سلم منهم، ذلك إلى الأئمة إنما هو يدفع عن نفسه في مقامه".
ونقل الالكائي عن أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك فقالا: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً وشاماً ويمناً فكان من مذهبهم … إلى أن قال: فإن الجهاد ماض منذ بعث الله عز وجل نبيه  إلى قيام الساعة مع أولي الأمر من أئمة المسلمين لا يبطله شيء".
فقد تقرر من كل ما تقدم أن الجهاد لا يكون إلا بإمام وهذا ما أردت إثباته على رفعه الدليل الشرعي والله أعلم إلا أن ها هنا نظر وهو ما تقدم من الأحاديث دلنا على اشتراط الإمام وهكذا ما نقلته عن السلف إلا إن السلف قد أجازوا للرجل أن يدافع عن نفسه إذا عرض له اللصوص والخوارج، فكيف يكون التوفيق في ذلك، فأقول: إن المتقرر أن الجهاد دفاعي وابتدائي، والدفاعي أن يدافع الرجل عن نفسه وماله كما تقدم عن الإمام أحمد وابن المديني، والابتدائي وهو الجهاد الذي به يكون نشر الدين في العالم كله، فالجهاد الذي من الدرب الأول يشترط فيه الإمام كما ذكر ذلك أهل السنة إنما له أن يدافع فقط حتى يذهب عن نفسه الضرر وأما الثاني فلا يكون إلا بإمام وإنما أجزنا للأول أن يدافع لأن الأحاديث أجازت له ذلك، حيث أمر بالقتال، ولم يؤمر بالقتل، ولذلك عقب الإمام أحمد بقوله: "فجميع الآثار في هذا إنما أمر بقتاله، ولم يؤمر بقتله، ولا اتباعه ولا يجهز عليه إن صرع أو كان جريحاً وإن أخذوه أسيراً فليس له أن يقتله ولا يقيم عليه الحد ولكن يرفع أمره إلى من ولاه الله فيحكم فيه" وهكذا عقب ابن المديني للتفرقة بين الجهاد الدفاعي والهجومي فقال: "وجميع الآثار إنما أمر بقتاله ولم يؤمر بقتله" فأنت ترى أنهم جعلوا السبب الذي من أجله شرع الجهاد الدفاعي أنه أمر فقط بمجرد الدفاع عن النفس فله ذلك ولم يؤمر بالابتداء فليس له ذلك، فبهذا يتبين فقه المسألة وهو أنه لا جهاد إلا بإمام إلا أن يكون دفاعاً لرد عدوان فيشرع بدون إمام كما هو الحال في فلسطين وأفغانستان والله المستعان ونشرع بعد ذلك في بيان الشرط الثاني.

" الشرط الثاني: لا يجوز الجهاد دون تميز الصفوف:
ومعنى هذا أنه لا يجوز للأمة الإسلامية، أن تبدأ بالقتال لبلد كافر قبل أن يحصل هناك تميز للصف، بمعنى أنا لو فرضنا دولة كافرة فيها رجال مؤمنون ونساء مؤمنات، فلا يجوز القتال حينئذ حتى يتميز ويخرج المؤمنون من أظهر الكفار، وأما إذا لم يستطع هؤلاء المؤمنون أن يخرجوا من هذه البلدة الكافرة، فيحرم حينئذ قتال هؤلاء الكفار حرمة لدماء المسلمين، فإن قيل: ما الدليل على هذا الذي أثبته شرطاً مع أن الجهاد إنما جاء في كتاب الله بالعمومات والمطلقات؟ فهذا الشرط الذي ذكرته يحتاج إلى دليل خاص، فأقول: هذا الشرط قد ثبت باعتباره في الكتاب والسنة، فأما في الكتاب قوله تعالى في سورة الفتح:
]هو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيراً * هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحارم والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم، ليدخل الله في رحمته من يشاء، لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليما[( ).
فأنت ترى أن الله -جل جلاله- كف أيدي الكفار عن المؤمنين ومنعهم عن قتال المسلمين وكذلك منع المسلمين عن قتال الكفار، ثم بين الله -جل جلاله- العلة في عدم القتال، فقال تعالى: ]ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات[ بمعنى أنه لولا وجود رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لأذنا لكم أيها المؤمنون في قتال الكفار ]لو تزيلوا[ أي تميز المؤمنون عن الكفار ]لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً[ بقتالكم لهم، فأنت ترى أن الله منع المؤمنين من قتال الكفار لوجود فئة مؤمنة مستضعفة لا تستطيع الخروج من بين أظهر الكفار.
يقول ابن كثير في تفسيره "فقوله سبحانه وتعالى:
]وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيراً[
هذا امتنان من الله تعالى على عباده المؤمنين حين كف أيدي المشركين عنهم فلم يصل إليهم منهم سوء، وكف أيدي المؤمنين عن المشركين، فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلا الفريقين وأوجد بينهم صلحاً فيه خير للمؤمنين وعافية في الدنيا والآخرة، وقد تقدم في حديث سلَمة بن الأكوع -رضي الله عنه- حين جاءوا بأولئك السبعين الأسارى، فأوثقوهم بين يدي رسول الله    فنظر إليهم فقال: "أرسلوهم يكن لهم بدأ الفجور وثناؤه" قال: وفي ذلك أنزل الله عز وجل: ]وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم[ الآية، وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حمّاد عن ثابت عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله    وأصحابه ثمانون رجلاً من أهل مكة بالسلاح من قبل جبل التنعيم، يريدون غرة رسول الله    خدعاً عليهم فَأُخِذوا قال عفان: فعفا عنهم ونزلت هذه الآية: ]وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم[ رواه مسلم وأبو داود في سننه والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما من طرق عن حماد بن سلمة به".
ثم قال ابن كثير: "(هم الذين كفروا) أي هم الكفار دون غيرهم (وصدوكم عن المسجد الحرام) أي وأنتم أحق به وأنتم أهله في نفس الأمة (والهدي معكوفاً أن يبلغ محله) أي وصدوا الهدي أن يصل إلى محله، وهذا من بغيهم وعنادهم، وكان الهدي سبعين بدنة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وقوله -عز وجل- (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) أي بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم خيفة على أنفسهم من قومهم لكنا سلطناكم عليهم فقتلتموهم وأبدتم خضراءهم، ولكن بين أخفاءهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة القتل، ولهذا قال تعالى: (لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة) أي إثم وغرامة (بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء) أي يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين وليرجع كثير منهم إلى الإسلام، ثم لسلطناكم عليهم فلقتلتموهم قتلاً ذريعاً.
قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو الزنباع روح ابن الفرج حدثنا عبد الرحمن بن أبي عباد المكي حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد مولى بني هاشم حدثنا حجر بن خلف قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت جنيد بن سبيع يقول: "قاتلت رسول الله    أول النهار كافراً، وقاتلت معه آخر النهار مسلماً، وفينا نزلت: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) قال: كنا تسعة نفر سبعة رجال وامرأتين" ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن عباد المكي به، وقال فيه، عن أبي حاتم من حديث حجر بن خلف به، وقال: كنا ثلاثة رجال وتسع نسوة وفينا نزلت: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري حدثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة عن أبي حمزة عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: (لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً) يقول لو تزيل الكفار من المؤمنين لعذبهم الله عذاباً أليماً بقتلهم إياهم" انتهى كلام ابن كثير وهو واضح جدا أن الله منع المؤمنين من قتال أهل مكة لوجود الضعفة من المؤمنين من الرجال والنساء الذين كانوا في مكة آنذاك.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه للبخاري في كتاب الشروط (باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط) قوله: "حبسها حابس الفيل" زاد إسحق في روايته "عن مكة" أي حبسها الله -عز وجل- عن دخول مكة، كما حبس الفيل عن دخلوها، وقصة الفيل مشهورة ستأتي الإشارة إليها في مكانها ومناسبة ذكرها، أن الصحابة لو دخلوا مكة على تلك الصورة وصدهم قريش عن ذلك لوقع بينهم قتال قد يفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال، كما لو قدر دخول الفيل وأصحابه مكة، لكن سبق في علم الله تعالى في الموضعين أنه سيدخل في الإسلام خلق منهم يستخرج من أصلابهم ناس يسلمون ويجاهدون، وكان بمكة في الحديبية جمع كثير مؤمنون من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فلو طرق الصحابة مكة لما أمن أن يصاب ناس منهم بغير عمد كما أشار إليه تعالى في قوله: (ولولا رجال مؤمنون) الآية" انتهى قول الحافظ وهو واضح فيما نريد به الاستدلال، ثم قال الحافظ: "وفي هذه القصة جواز التشبيه من الجهة العامة وإن اختلفت الجهة الخاصة، لأن أصحاب الفيل كانوا على باطل محض، وأصحاب هذه الناقة كانوا على حق محض، لكن جاء التشبيه من جهة إرادة الله منع الحرم مطلقاً، أما من أهل الباطل فواضح وأما من أهل الحق فللمعنى الذي تقدم ذكره" انتهى فأنت ترى أن بالحافظ استدل بالحديث والآية الكريمة (ولولا رجال مؤمنون ..) على أن الله مَنَعَ رسوله وصحابته من دخول الحرم لوجود المستضعفين من الرجال والنساء، وهذا واضح في تقرير ما أردت الاستدلال عليه بأنه لا قتال بدون تمييز الصفوف.
وقد قال البخاري في نفس الباب السابق بعد أن ورد الحديث "تزيلوا: إنمازوا" انتهى وقال القرطبي في قوله تعالى: (ولولا رجال مؤمنون…) "يعني المستضعفين من المؤمنين بمكة وسط الكفار، كسلمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة، وأبي جندل ابن سهيل، وأشباههم (لم تعلموهم) أي تعرفوهم. وقيل لم تعلموهم أنهم مؤمنون. (أن تطئوهم) بالقتل والإيقاع بهم: يقال وطئت القوم أي أوقعت بهم، إلى أن قال القرطبي "(لم تعلموهم) نعت لـِ (رجال) و(نساء) وجواب لولا محذوف: والتقدير ولو أن تطؤوا رجالاً مؤمنين ونساءٌ مؤمنات لم تعلموهم لأذن الله لكم في دخول مكة ولسلطكم عليهم، ولكن صانَ من كان فيهم يكتم إيمانه خوفاً" إلى أن قال القرطبي: "(لو تزيلوا) أي تميزوا قاله الكتيبي وقيل لو تفرقوا قاله الكلبي وقيل لو زال المؤمنون من بين أظهر الكفار لعذب الكفار بالسيف قاله الضحاك ولكن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار" ثم قال القرطبي: "هذه الآية دليل على مراعاة الكافر في حرمة المؤمن إذ لا يمكن إذاية الكافر إلا بإذاية المؤمن.
قال أبو زيد قلت لابن القاسم: أرأيت لو أنَّ قوماً من المشركين في حصن من حصونهم وحصرهم أهل الإسلام وفيهم قومٌ من المسلمين أسارى في أيديهم أيحرق هذا الحصن، قال سمعت مالكاً وسئل عن قوم من المشركين في مراكبهم بالنار ومعهم الأسارى في مراكبهم فقال مالك لا أرى ذلك لقوله تعالى لأهل مكة: (لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً) وكذلك لو تترس كافر بمسلم لم يجز رميه وإن فعل ذلك فاعل فأتلف أحد من المسلمين فعليه الدية والكفارة، فإن لم يعلموا فلا دية ولا كفارة، وذلك أنهم إذا علموا فليس لهم أن يرموا فإذا فعلوه صاروا قتلة خطأ، والدية على عواقلهم فإن لم يعلموا فلهم أن يرموا، وإذا أبيحوا الفعلة لم يجز أن يبقى عليهم فيها تباعة.
قال ابن العربي: وقد قال جماعة أن معناه لو تزيلوا عن بطون النساء وأصلاب الرجال وهذا ضعيف لأن من في الصلب أو في البطن لا يوطأ ولا تصيب منه معرة، وهو سبحانه قد صرح فقال: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم)" وذلك لا ينطبق على من في بطن المرأة وصلب الرجال وإنما ينطبق على مثل الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وأبي جندل ابن سهيل وكذلك قال مالك: وقد حاصرنا مدينة الروم فحبس عنهم الماء فكانوا ينزلون الأسارى يستقون له الماء فلا يقدر أحد على رميه بالنبل فيحصل لهم دون اختيارنا، وقد جوز أبو حنيفة وأصحابه والثوري الرمي في حصون المشركين وإن كان أسارى من المسلمين وأطفالهم ولو تترس كافر بولد مسلم رمى المشرك وإن أصيب أحد من المسلمين فلا دية فيه ولا كفارة، وقال الثوري: فيه الكفارة ولا دية، وقال الشافعي بقولنا وهذا ظاهر، فإن التوصل إلى المباح بالمحظور لا يجوز لا سيما بروح المسلم فلا قول إلا ما قاله مالك -رضي الله عنه-" انتهى كلام القرطبي وفيما تقدم من أقوال أهل العلم كفاية فيما نريد به الاستدلال وهو أنه لا قتال إلا بعد تميز الصفوف وهذا واضح جداً. والله المستعان.

" الشرط الثالث: التربية:
إذا ثبت أنه لا جهاد -بمعنى القتال- إلا بإمام كما بينت ذلك وإن الجهاد متوقف على وجود الإمام فكذلك لا إمام ولا خلافة إلا بعد الإيمان والعمل الصالح. والإيمان والعمل الصالح لا يكون إلا بتربية الأمة على ذلك، وهذا واضح جداً في كتاب الله ومن ذلك قوله تعالى:
]وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً[ ( )
فأنت ترى أن الله بين أن الاستخلاف في الأرض لا يكون إلا بعد الإيمان والعمل الصالح، فإذا أردنا أن تقوم لنا الخلافة في الأرض فما علينا أولا إلا أن نمر بمرحلة التربية حتى يهيئ الله لنا عن طريق أهل الحل والعقد تنصيب إمام، ومن ثم يكون الجهاد.
وقال تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم[ ( )
فإذا أردنا أن ينصرنا الله بإيجاد خلافة في الأرض فعلينا أولاً أن ننصر دينه دعوة وعملاً ومنهج حياة.
فإن قال قائل كيف ننصر الله؟ قلنا بتطبيق أوامره واجتناب نواهيه، فإن قال فإن الجهاد هو نصر لدين الله، فلماذا تمنعون منه المسلمون الآن؟ قلنا هو نصر لدين الله بشرطه، ومن شرطه الإمام، والله جل جلاله- على لسان رسوله بين لنا أن نصرته بالجهاد لا تكون إلا بإمام فيجب، أولاً أن ننصره بالإيمان والعمل الصالح إلى أن يوجد إمام، ثم بعد ذلك ننصره بالجهاد، وإذا لم ننصره قبل وجود الإمام بالإيمان والعمل الصالح فلن ينصرنا بإيجاد خلافة لها العزة والكرامة في هذه الأرض، وقال تعالى:
]إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد[ ( )

فنصرة الله لمن آمن بالرسل إيماناً كاملاً، ووحد الله وطبق أوامره، وهذا هو معنى الإيمان، اعتقاد وعمل، لا مجرد اعتقاد بدون عمل للجوارح، فإذا أردنا أن ينصرنا الله بالتمكين في الأرض عن طريق الخلافة فعلينا أن نتحصل الإيمان الحقيقي، وقال الله تعالى:
]إن الله يدافع عن الذين آمنوا[ ( )
فبين الله -جل جلاله- أنه يدافع عن عباده المؤمنين إذا اتصفوا بالإيمان الحقيقي فإذا أردنا أن يدافع الله عنا ويوجد لنا الخلافة فعلينا أولاً أن نتصف بالإيمان والعمل الصالح حتى يدافع عنا وييسر لنا الخلافة والتي بها يكون الجهاد. وقال تعالى:
]ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين[ ( )
فإذا أردنا العزة الآن بإيجاد الخلافة فعلينا أن نتصف بصفة المؤمنين الحقيقيين
وقال تعالى:
]يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين[ ( )
فبين الله -جل وعلا- أنه أيد الذين ناصروا عيسى على عدوهم ولذلك طلب منا -جل جلاله- أن ننصره بنصر دينه وذلك بتطبيق أوامره واجتناب نواهيه حتى كذلك يؤيدنا على عدونا ونصبح ظاهرين عليه، وهذا المعنى قد بينه رسول الله في الحديث الشريف الذي رواه البخاري في باب مناقب قريش حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش أن عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث أنه سيكون ملك من قحطان، فغضب معاوية فقام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنه بلغني أن رجالاً منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله  فأولئك جهالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها، فإني سمعت رسول الله يقول: "إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه، ما أقاموا الدين".
قلت: والاستدلال بهذا الحديث على ما نريد واضح ووجه الدلالة أن النبي    ربط استمرارية الخلافة في قريش بشرط أن يقوم الخلفاء بالدين فإذا لم تقم الخلفاء بالدين سقطت منهم الخلافة.
وبهذا يتبين أن الخلافة تابعة وحاصلة للأمة، إذا قامت الأمة بالدين وأما إذا لم تقم على الدين فلن يكون لهم الخلافة في الأرض.
ولا يقال أننا نقيم الخلافة بالقتال لأن النبي بين أن الخلافة إنما تقام بالدين، والقتال إنما يكون بعد الخلافة كما بينا هذا فيما سبق فعند ذلك نستطيع أن نقول: "لا جهاد إلا بإمام ولا إمام إلا بإقامة الدين، ولا يقام الدين إلا بالتربية، ولا تربية إلا بدعوة".
يقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في شرحه للحديث السابق في فتح الباري: "وفي إنكار معاوية ذلك نظر لأن الحديث الذي استدل به مقيد بإقامة الدين فيحتمل أن يكون خروج القحطاني إذا لم تُقِمْ قريش أمر الدين، وقد وجد ذلك، فإن الخلافة لم تزل في قريش والناس في طاعتهم إلى أن استخفوا بأمر الدين فضعف أمرهم وتلاشى إلى أن لم يبق لهم من الخلافة سوى اسمها المجرد في بعض الأقطار دون أكثرها ..".
فأنت ترى أن الحافظ بين أن الحديث قيد وجود الخلافة بإقامة الدين، فهكذا الأمر إذا لم تكن ثم خلافة فعلينا أن نقيم الدين أولاً ثم يكون ثمرة ذلك في الدنيا أن توجد لنا الخلافة، فمن هنا ثبت أن التربية شرط لإقامة الخليفة كما أن الخليفة شرط للجهاد.
فإن قال قائل فقد أثبت أن التربية من شروط الجهاد حيث أن التربية بها يوجد شرط الجهاد وهو الإمام، ولكن ما هو المقدار المحدد يعني الزمني لهذه التربية؟ ومتى نعلم أننا قد انتهينا من مرحلة التربية إلى مرحة تنصيب الإمام؟
فالجواب أن انتهاء هذه المرحلة ينتهي بعد أن تكون الصفة الغالبة للجماعة التي تريد إقامة حكم الله متصفة بالإيمان الكامل بإقامة الدين ومنهج السلف عقيدة وعملاً ودعوة، ثم يجتهدون في تحصيل الوسائل والقوة والأرض فيقرر بعد ذلك أهل العلم وهم أهل الحل والعقد، أن الوقت أصبح مهيئاً لأن يعين خليفة ويبايع فيتم الأمر وتنعقد البيعة بشروطها في المبايع والمبايع ووسائل القوة التي يستطاع بها التمكن لهذا الإمام وفرض طاعته، وهذا البحث يحتاج إلى بسط شديد ليس هنا مكانه وليس الكاتب أهلاً لبيانه، وإنما أردت أن أقرب الجواب للسائل نظرياً فحسب ليكون له علامة على ما وراءه ونوراً يستضيء به في طريق الظلام.
إذن فقد تقرر من كل ما تقدم أن الجهاد لا بد له من شروط كثيرة ومنها:
1. الخليفة
2. تمييز الصفوف
3. التربية
ولنكتفي بهذه الشروط والله المستعان.
ولنشرع الآن في بيان منهج جماعة التبليغ تجاه الجهاد، وما هذه المقدمة التي قدمتها في بيان بعض شروط الجهاد إلا نصيحة للمسلمين، ثم ميزاناً يوزن به منهج جماعة التبليغ وغيرهم في الجهاد، وسأورد في هذا البحث عن مشائخ التبليغ ما أخذته عنهم مشافهة دون نقل أو ما أخذته من كتب أحدهم كما نقلت ذلك عن الشيخ إلياس -رحمه الله- من كتابه "ملفوظات إلياس" وقد ثبت أن هذا الكتاب للشيخ إلياس بالفعل كما يقوم كثير من إخواننا في التبليغ بمذاكرة هذا الكتاب على مرأى ومسمع من مشائخ التبليغ دون إنكار فلنشرع في المقصود والله المستعان على الإتمام والتوفيق والإخلاص.

منهج جماعة التبليغ تجاه الجهاد

يقول الشيخ إلياس( ) -رحمه الله- مؤسس جماعة التبليغ "والجهاد له خمسة شروط فمن شروطه الإمام والنظام".
- مناقشتي مع الشيخ إنعام الحسن الكاندهلوي.
قلت: سمعنا أن الشيخ إلياس يقول في بعض كلامه الجهاد له شروط منها الإمام، فما رأيكم في ذلك؟ فقال: الجهاد له شرائط، من شروطه الإمام، والإمام هو الخليفة، قلت: فما الدليل؟ فقال: فعل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وفعل الخلفاء الراشدين وفعل السلف الصالح.

- مناقشتي مع الشيخ زين العابدين.
قلت: ما رأيكم بالجهاد؟ فقال: الجهاد فرض ولكن بعد التدريب والتربية، قلت: سمعنا أن الشيخ إلياس -رحمه الله- كان يقول إن من شروط الجهاد الإمام. قال: هذا صحيح. قلت: فما الدليل على ذلك؟ قال: فعل الصحابة الكرام، وفعل السلف الصالح، قلت: يستدل بعض العلماء بحديث حذيفة على اشتراط الإمام للجهاد -تقدم الحديث- وذكرته للشيخ فقال: هذا استدلال مناسب، قلت: فمن أين تأخذون وجه الدلالة من الحديث؟ فقال: من آخر الحديث فاعتزل. قلت: نرجو منكم أن تبينوا لنا بعض شروط الجهاد فقال: التربية، الإمام، المقام، قلت: ماذا تقصدون بالمقام؟ قال: الدولة، قلت: فما الدليل على اشتراط الدولة؟ فقال: فعل الرسول    وكيف يكون إمام بدون دولة؟

- مناقشتي مع الشيخ إنعام الحسن .
قلت: سألت الشيخ إنعام الحسن عن الجهاد فقال: إن من شروطه الإمامة. فما رأيكم بذلك؟ فقال: نعم لا بد من إمام للجهاد. قلت: فما الدليل على ذلك. قال: فعل السلف الصالح -رضي الله عنهم-.
قلت: بعض العلماء يستدلون بحديث حذيفة … حيث أن النبي أمره عند عدم وجود الإمام بالاعتزال.
فقال: هذا الاستدلال واضح. قلت: فكيف يوجد الإمام؟ قال: عن طريق أهل الحل والعقد وهم العلماء، وليس أي عالم بل العلماء الراسخين في العلم، فيجتمعون ويعينون خليفة للمسلمين، ويكفي رأي الأكثرية من أهل الحل والعقد. قلت: فما الدليل على ذلك، قال: عندما حضرت الوفاة سيدنا عمر -رضي الله عنه- وعين ستة من الصحابة حتى يختاروا منهم خليفة قال لهم من اتفقتم عليه فهو الإمام، فإذا لم تتفقوا فانظروا إلى الأكثر منكم. قلت: فما صحة ذلك عن سيدنا عمر، فقال: هذا حديث صحيح. قلت: يقولون أنكم تمنعون الناس من الذهاب إلى الجهاد في أفغانستان فهل هذا صحيح؟ فقال: هذا غلط لأن كثيراً من الأحباب الذين خرجوا في سبيل الله يأتون إلينا ويشاوروننا في الذهاب، ويذهبون بمشورتنا، وبعض الأحباب ذهب إلى أفغانستان للجهاد. قلت: بينتم أن الجهاد لا بد له من إمام في الوقت الحاضر؟ فقال: الجهاد الذي في أفغانستان فرض، قلت: يكون فرض مع أنه لا يوجد إمام؟ فقال: لأن الجهاد قسمين، جهاد لرد العدوان إذا دخل الكفار إلى بلد إسلامي، فهنا الفقهاء قالوا يجب على الجميع القيام لرد هذا العدو حتى أن العبد يجاهد بدون إذن سيده، والابن بدون إذن الوالدين، فهنا الجهاد لا يشترط له الإمام إنما الجهاد لنشر الإسلام ودعوة الكفار بدخول الإسلام فهذا لا بد له من إمام.

- مناقشتي مع الشيخ أحمد الأنصاري … ( )
قلت: ما هي شروط الجهاد في نظركم؟
قال: شروط الجهاد أولاً: الإيمان، ثانياً: دعوة الإيمان، ثالثاً: الإمام، ثم بعد ذلك يكون الجهاد في سبيل الله.
قلت: فهل لهذه الجماعة التي ستجاهد حد معلوم؟ وكيف تعرف هذه الجماعة أنهم مهيأون للجهاد؟
فقال: أولاً لا بد من تكوين جماعة ذا قوة وهم يعرفون قوتهم ويحددوها كما فعل رسول الله    في بدر عندما استشار الصحابة في قتال الكفار.
قلت: هل توجبون وجود أمير يقود المسلمين للجهاد؟
قال: نعم وكيف يكون الجهاد بدون أمير والله تعالى يقول:
]إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً[ ( )
قلت: وكيف نوجده؟
قال: لا بد أولاً من تكوين الجماعة، ثم بعد ذلك يكون الإمام ثم بعد ذلك يكون الجهاد في سبيل الله.
قلت: ما رأيكم بالجهاد في أفغانستان؟
قال: هم يدافعون عن الوطن والدفاع عن الوطن واجب.

- مناقشتي مع الشيخ الحمداوي:
قلت: لماذا لا تدعون للجهاد بمعنى القتال أو على الأقل مساعدة المجاهدين. قال: إن مساعدة المجاهدين الأفغان فهذا موكول إلى الناس وكثيراً من إخواننا في المغرب عندنا من التبليغ يقدمون لهم الأموال، وهناك أفراد من الجماعة ذهبوا واستشهدوا هناك. وأما الحقيقة الواضحة أن الجهاد بالطريق الشرعي وأن تكون كلمة الله هي العليا ما أعلن إلى الآن.
قلت: سمعنا أن الإمام شرط للجهاد فهل هذا صحيح؟
قال: نعم والسلف اشترطوا ذلك في الجهاد.
قلت: مثل مَنْ مِنَ السلف؟
قال: الإمام أحمد وكثير من علماء السلف -رحمهم الله- لكن لا أستحضر الآن أسماءهم ولا أذكر المراجع لأن هذا مما اطلعـت عليـه قبل سنوات.

- مناقشتي مع الشيخ غلام.
قلت: هل يشترط الإمام للجهاد؟
قال: نعم يجب اشتراط الإمام للجهاد.
قلت: فما الوسيلة لوجوده. قال: يقول مشائخنا وكبراءنا إن التربية ضرورية لوجود الإمام فالآن نربي الأمة حتى تحصل عندهم حقيقة الإيمان فبعد ذلك يوجد الإمام، ولكن أنا لي رأي شخصي، وهو أنه يكفي الآن أن نبايع حاكماً ما من الحكام على دين الله، فيحكم فينا بدين الله، فيكون إماماً لنا ونطالب المسلمين بمبايعته فمن تخلف يقتل ولكن هذا رأيي الشخصي ولكن التحقيق هو القول الأول.
قلت: يفرق العلماء بين الجهاد الذي لبلاد الكفار فلا بد من إمام وبين الجهاد لاسترداد أراضي المسلمين والدفاع عنهم فهذا لا يشترط له الإمام فما رأيكم؟ فقال: نعم هكذا يقول الفقهاء.
قلت: فالجهاد في أفغانستان؟ قال: واجب.
قلت: فهل تقول أن الجهاد في فلسطين ليس بفرض( ) إلا بعد وجود الإمام حيث أن الكفر قد استقر فيها فأصبحت بلد كافر فلا بد لها من إمام -للجهاد-؟
فقال: لا بل الجهاد كما هو فرض في أفغانستان فرض في فلسطين لأن أصل فلسطين مسلمة ولكن الكفار اغتصبوها فحكمها حكم أفغانستان لا فرق بينهما) انتهى.

- مناقشتي مع الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ( )
قلت: هل يدل قول النبي    "إنما الإمام جنة … الحديث" على اشتراط الإمام للجهاد.
قال: نعم يدل.
قلت: فمن أين تأخذ وجه الدلالة؟
قال: من قوله: "إنما الإمام".
قلت: الجهاد في أفغانستان؟
قال: فرض.
قلت: لا يحتاج إلى إمام؟
قال: لا.
قلت: لأنه دفاعي.
قال: نعم وإنما جهاد الأمة هو الذي يحتاج إلى إمام.
قلت: كيف نوجد الإمام؟
قال: على كل عالم أن يربي تلامذته ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعلم الناس إلى حين تنصيب الإمام.
قلت: تسمى هذه المرحلة بالتصفية والتربية؟
قال: نعم.
وأقول: بعد هذا النقل تبين أن مشائخ التبليغ يرون أن الجهاد لا بد له من:
1- التربية 2- دولة 3- إمام 4- قوة
فعليك يا أخي في الله -أن تزن هذا المنهج في الجهاد بميزان السلف، فإن تبين لك أنهم على حق فأظن أنك تستطيع أن ترد على من قال عنهم أنهم لا يرون فرضية الجهاد ولا يسعون لإقامة …. ولا …. ولا ….
وبعد أن انتهينا من ذلك أرى أن أنقل إليك درساً لأحد مشائخ التبليغ به نختتم نقلنا في هذه بالمسألة عن علماء جماعة التبليغ.
يقول الشيخ -عمر بالمبوري-: "نحن الآن ألف مليون -أسد- يتحكم فيهم فأرتان -واحدة بيضاء، وواحدة حمراء- فلا بد علينا أن نخجل لأن الله تَعَهَّدَ بالنصر للإيمان، الله نصر الصحابة وكذلك في زماننا ينصرنا، إذاً قوة الإيمان في حياتنا، وما هي قوة الإيمان، نعظم الله ونكبره باللسان والقلب، هم كانوا يكبرون الله ويصغرون غيره، فأذل الله لهم طواغيت زمانهم، في زمن الصحابة كانوا يكبرون الله بألسنتهم وقلوبهم، وفي زماننا نكبر الله بألسنتنا ونعظم المادّة في قلوبنا.
جميع القوات الهدامة كبيوت العنكبوت والإنسان يقول لفظ الإيمان ولكن القلب ليس فيه حقيقة الإيمان، في زماننا على اللسان كلام التوحيد، ولكن توحيد القلب، ضعيف جداً لأنه يعتمد على غير الله، يكون إيماننا على ذات الله ليس غيره يقين على الله صحيح لا نمزجه بغيره، الصحابة صغروا طواغيت زمانهم ولكن اليوم الناس يكبرون طواغيت زمانهم من الفأرة البيضاء والفأرة الحمراء ويخافون منها، والذي يكون في قلبه الإيمان والتوحيد لا يكون على لسانه فقط بل في قلوبهم، وهذا لا يكون إلا بالدعوة والتضحية، فيصبح الإنسان لا يخاف من جميع القوات الهدامة، جميع القوات أمام قدرة الله كنسيج العنكبوت ومثل جناح بعوضة قال تعالى:
]مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً[ ( )
والنبي    يقول: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء". قنبلة ذرية نسيج عنكبوت، قنبلة هيدروجينية نسيج عنكبوت، كل الصواريخ بيوت عنكبوت، نحن لا نعظم أنفسنا بل نعظم قدرة الله ولكن متى هذا يأتي؟ بعد المجاهدة والتضحية لدين الله، هؤلاء الزنادقة يفتخرون بقنابلهم الذرية بسبب إمهال الله لهم، ولكن إذا الله عاقبهم يصبحوا كأبي جهل وأبي لهب، الله الآن قادر لأن قدرته أزلية أبدية، ويستعمل قدرته عندما نتحصل على الصفات وإذا أخرجنا من قلوبنا الخوف من غير الله، والرجاء من غير الله، بعد ذلك تأتينا نصرة الله، الله يقول:
]الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين[ ( )
باللسان يقولوا آمنا والله يريد الابتلاء، الآن الناس يخافون من الحكام ولا يخافون من أحكم الحاكمين، كالطفل الذي لا يخاف من الشرطي ويخاف من أمه لأنه فهم قوة أمه، ولا يفهم قوة الشرطي مع أن البندقية أقوى من لطمة أمه، هكذا الإنسان يعرف قوة الحكام، ولا يعرف قوة أحكم الحاكمين، تقول إنك موحد يجب أن تخجل، فقط توحيد باللسان لا يكفي، لا بد لنا أن يرسخ في قلوبنا، الصحابة لما كانوا يذهبون للجهاد لم يكونوا يذهبون بنية القتال وإنما كانوا يذهبون للدعوة ثم الجزية ثم القتال، فالقتال آخر المراحل بذلك كانوا يوصون الجيوش كما قلنا في البداية فهؤلاء المسلمون لما كانوا يعاشروا الآخرين جذبوا قلوب الناس في البداية، فأولاً دعوة إيمانية قولية عملية، وثانياً دعوة إجمالية عملية، وكانوا يظهرون أخلاقهم العملية، وكان اليهودي والنصراني يرى أخلاقهم فيسلم، الجهاد معناه الحياة الطيبة التي أسسها النبي بالهجرة والنصرة هذه هي البيئة الإيمانية لا بد لإيجادها، هذه هي الدعوة وهي الجهاد، الله يقول:
]وجاهدهم به جهاداً كبيراً[ ( )
وهذه سورة الفرقان مكية مع أن الجهاد فرض بالمدينة، المعنى هنا الدعوة فقام بالدعوة ثلاث عشرة سنة، ونهاهم الله عن القتال وقال:
]كفوا أيديكم[ ( )
وأمرهم أن يقوموا بالدعوة وسماها جهاداً، الرسول أرسل خالداً إلى بعض البلاد وقال لخالد: "أقبل وليقبل معك وفدهم" النبي    ما سمح لخالد أن يعلمهم في قبيلتهم حتى وصلوا للمسجد النبوي، وكان الصحابة يخرجوا لنشر الدين فإذا أسلم الناس كانوا يقبلون منهم وإلا الجزية وإلا فإن الصحابة مستعدون للقتال. لأنهم أصبحوا سداً مانعاً للدعوة، وكأنهم أصبحوا سداً لسيارة الإطفائية فصاحب سيارة الإطفائية إذا وقف أمامه أحد، فهو يسير عليه وهذا هو القتال، ليس في البداية بل بالنهاية، الإنسان يأخذ الحبوب ويدهّن بالمرهم، الدعوة كالحبوب والمرهم كالأخلاق، وتصحيح العقيدة بعد ذلك، فالدكتور يبحث إذا لم تكف الحبوب، تأتي العملية الجراحية، كذلك الجهاد كثيرٌ من الناس يقولون: في القرآن آياتُ الجِهادِ وأنتم لا تقولون بهذا، ونحن نعرف آيات الجهاد كقوله تعالى:
]إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً[ ( )
وكذلك: ]يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة[ ( )
ولكن متى يكون القتال، في مكة ما كان في قتال، فالدعوة قبل القتال، والصحابة كانوا يقاتلون في مكة وما جاءهم الإذن بالقتال، هناك سؤال: لماذا لم ينصرهم الله في مكة لأن نصرة الله تأتي بالترتيب وبعد التضحية، والله قال:
]الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله[ ( )
فقط لأنهم قالوا ربنا الله" انتهى. وبهذا القدر كفاية.
يقل ابن تيمية -رحمه الله-: "وإذا خرج ولاة الأمر عن هذا وقد حكموا بغير ما أنزل الله ووقع بأسهم بينهم قال النبي: "ما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع بأسهم بينهم"، وهذا من أعظم أسباب تغير الدول كما قد جرى مثل هذا مرة في زماننا، ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره فيسلك مسلك من أيده الله ونصره ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه لأن الله يقول في كتابه:
]ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور[.( )
فقد وعد الله بنصر من ينصره، ونصره هو نصر كتابه ودينه ورسوله لا تنصر من يحكم بغير ما أنزل الله ويتكلم بما لا يعلم، فإن الحاكم إذا كان ديناً لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار وإن كان عالماً، ولكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار وإذا حكم بلا عدل، ولا علم كان أولى أن يكون من أهل النار، وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص وأما إذا حكم حكماً عاماً في دين المسلمين فجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، والسنة بدعة والبدعة سنة، والمعروف منكراً والمنكر معروفاً، ونهى عما أمر الله به ورسوله وأمر بما نهى الله عنه ورسوله، فهذا لون آخر يحكم فيه رب العالمين وإله المرسلين مالك يوم الدين الذي (له الحمد في الأولى وفي الآخرة وله الحكم وإليه ترجعون).
]هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً[
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم"
انتهى كلام ابن تيمية -رحمه الله- وهو طيب ومفيد انظر مجموع الفتاوى ج35، ص388.
وهذا آخر ما أردت بيانه من منهج جماعة التبليغ في الجهاد والحمد لله رب العالمين.


شبكة الدعوة والتبليغ

http://www.binatiih.com

 
 
المشاركة السابقة : المشاركة التالية
الكاتب: abuamr
 مراسلة موقع رسالة خاصة
[بتاريخ : الأحد 26-03-1430 هـ 10:08 مساء ]

موضوع مفيد ونسأل الله أن نزيد من جهد الأقدام

لا يسمح لك بمشاهدة الصور


-------------------------------------
{ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا } .



 
 

أعلى الصفحة

برنامج البوابة العربية 2.2