مازال العمل جاري في تطوير الموقع وفقنا الله وإياكم لكل خير وسدد خطنا وخطاكم على طريق الحق

 

شبكة الدعوة والتبيلغ » المواضيع » كـتـب ورســــــــــــــائل


وجوب الدعوة إلى الكتاب والسُّنة 3

 

 

 

وسائل جماعة التبليغ في دعوتهم

وبعد أن انتهيت من البحث المتقدم والذي وضحت فيه أن الجهاد لا يصح إلا بخليفة، يقود الأمة إلى ميدان الجهاد، أرجع فأقول وحيث أن الجهاد فرض فلا بد للأمة أن يقوموا بشروطه حتى يحين وقته ومن بين هذه الشروط كما تقدم شرط وجود الخليفة، وحيث أنه تقرر في الأصول أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب( )، فأقول فالواجب على المسلمين في وقتنا الحاضر تربية الأمة على الكتاب والسنة حتى يأتي الوقت المناسب لتنصيب الخليفة، وهذه المرحلة يطلق عليها مشائخ جماعة التبليغ التدريب والتربية، ويسميها غيرهم التصفية والتربية، وعلى كل فالواجب على كل جماعة قصدت للدعوة إلى دين الله تعالى، أن يكون لها وسائل لتحقيق مقصدها وقد تختلف الوسائل من جماعة إلى جماعة بسبب اختلاف ظهور المصلحة العامة للدعاة إلى الله تبارك وتعالى، وهذا الاختلاف في اتخاذ الوسائل لا حرج فيه إن شاء الله تعالى، مع مراعاة الشروط الشرعية. وهنا نوضح إن شاء الله تعالى الوسائل المتخذة عند جماعة التبليغ، وسأستخلص وسائل جماعة التبليغ( ) من خلال الكتاب الذي ألفه أحد كبار مشائخ التبليغ، فلنشرع في تلخيص الكتاب مستعينين بالله وحده دون أحد سواه.
يقول الشيخ الأنصاري في سبب تأليفه لكتابه: "في سفر الجماعات للدعوة والتبليغ في العالم الإسلامي جاءت هناك ضرورة لعرض طريقة أعمال الدعوة من جولات وخروج ودعوة عمومية وخصوصية وغيرها وذلك على ضوء الكتاب والسنة لأنه لا بد لشيئين في هذه البلاد:
1- الدعوة بالأخلاق والإكرام.
2- الدعوة إلى الله على منهاج الرسول r ومنهاج الصحابة الكرام -رضي الله عنهم أجمعين-".
في الإسلام كانوا يعرفون أن تبليغ الدين أهم من التجارات والمشاغل المختلفة فهم عندما قالوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، قاموا منذ البداية ووضعوا نصب أعينهم إنقاذ الملايين من البشر إلى طريق النجاة، وربطوا علاقة هذه النفوس بمالك الملك ولكن من المحزن في هذا الزمان أن من قال هذه الكلمة آلاف المرات وكذلك من هم مشغولين في الصلوات والعبادات لا يقدمون ولو حتى بجهد بسيط لنشر دين الله، لهذا علينا الاقتداء بمسلمي العهد الأول في تضحيتهم للدين كي نجعل في حياتنا الحركة والتنقل للدين كما كانوا، وعلى منهاجهم.
"للدعوة العمومية: إن السابقين في هذه الأمة جعلوا الدعوة إلى الله مقصد حياتهم من أول يوم عرفوا فيه الإسلام وآمنوا به حتى إن موتهم وحياتهم كانت لأجل الدعوة فقد كان الصديق -رضي الله عنه- تاجراً ولكنه بعد الإيمان أصبح مشغولاً بدعوة الناس إلى الله ليلاً ونهاراً، وفي هذه الأثناء كان يلتقي بأنواع الناس ويتحمل منهم شتى أنواع المشقات والعناء والأذى، ومع كل هذا فهو لم يجلس عن هذا العمل ولا ليوم واحد فهو يتكلم إلى الناس واحداً واحداً ويدعوهم إلى الإسلام حتى إذا انقضت فترة من الزمن على الدعوة الانفرادية ودخل في الدين قرابة ثمانية وثلاثين رجلاً ألح أبو بكر -رضي الله عنه- على الرسول r في الظهور بالدعوة، والجهر بها في المسجد الحرام، وفي المجامع العامة ولكن الرسول r دعا إلى الانتظار والتريث لقلة عدد المسلمين بحيث لا يمكنهم تحمل المشقات والعذاب في سبيل الجهر بالدعوة.
ومع زيادة الإلحاح والطلب المتوالي ظهر ميدان الدعوة العمومية فقام الصديق الأكبر داعياً إلى الله تعالى".
قلت: ثم أورد الشيخ قصة أبي بكر في الظهور وما لقيه في ذلك اليوم من الشدائد ثم قال: "إن هذه القصة تبين لنا في إحدى جوانبها نموذجاً من التضحيات وفي الطرف الآخر درساً عملياً للدعاة من الأجيال القادمة ففي المجمع العمومي في حال أداء الدعوة لا ينبغي على القائمين بحمل الدعوة الاجتماع في مكان، بل عليهم أن يتفرقوا في المجمع حتى إذا اقتضت الضرورة للكلام بعد الخطاب العام والتشكيل يكون في ذلك اليسر والسهولة" ..
(ب) بعد تقديم التضحيات للدعوة على الداعي أن لا يتحول فكره، بل عليه أن يبق مستمراً بفكر الهداية حتى لا يأتي الاختلاف والتفرق في الدعوة نتيجة لما أصابه من أذى ومشقات فهذا هو الفكر الحقيقي والصديق الأكبر وهو في هذه الحال كان فكره إسلام أمة وهدايتها.
(جـ) الدعاء قبل أداء الدعوة سنة نبوية، لأن الهداية بيد الله تعالى، لهذا قبل مخاطبة الناس ينبغي أولاً الدعاء أمام الله تعالى بالعجز والتذلل وطلب الهداية.
(د) بعد التضحيات تظهر نتيجة الدعوة والدعاء، فبتضحية الصديق الأكبر -رضي الله عنه- كان بها لدخول أمثال حمزة وعمر -رضي الله عنهما- في الإسلام.
والمقصود اليوم كذلك هو القيام بالدعوة مع ملاحظة هذه الأمور المتقدمة، فقد يأتي أهل القوة والسلطة، ولكن ينبغي أولاً وجود أهل التضحية والدعوة والدعاة ومثل هذا القسم من الناس وهؤلاء لا يأتون إلا بالجهد المتواصل والمستمر، فمما لاشك فيه أن أصحاب الحكومات والقوة خضعوا في خلافة عمر -رضي الله عنه- لكن عمر نفسه أولاً خضع أمام أهل الدعوة والتضحيات، ولهذا نفهم أن الأصل في تكوين القوة والطاقة هو جهد الدعوة والتبليغ الذي بسببه ينشأ الاستعداد للتضحية والدعوة والدعاة، وعندما يحب الله تعالى هذه التضحيات ويرضاها ويتقبلها، فإما أن يهدي الله أهل الطاقة والقوة ويأتي بقلوبهم إلى الدين وإما أن يهلكهم ويفنيهم.
يقول صاحب الهداية عن البخاري: "جاء الخباب وسأل النبي r وهو متوسد ببردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة يقول الخباب: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا. فقعد وهو محمر وجهه فقال: قد كان من قبلكم يمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه وليمكنن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء ومكة إلى حضرموت ما يخاف إلا الله -عز وجل-" وفي رواية "ولكنكم تستعجلون" البداية ج3، ص…
الفائدة: وضح الرسول r هذه الحقيقة وهي أن سنة الله تعالى وقانونه الذي لا يتغير أنه بدون تقديم التضحيات والجهد فإن باب الفتوحات والبركات لا يفتح، فإذا كان المقصد هو إحياء الدين فعلينا أن نقدم التضحيات تلو التضحيات فإذا تقبل الله هذه التضحيات فهو يبدل الحال بقدرته العظيمة ولكن من طبع هذا الإنسان العجلة فهو يحب أن ينتهي من عمله بسرعة وهو يريد كذلك استعمال هذه السرعة في قيام الدين والدعوة إلى ذات الله -عز وجل- مع أن الدعوة إلى الله لا تقوم إلا التضحيات".
إنه لتقوية الإيمان وتطبيق أوامر الله لا بد من أداء الدعوة والقيام بعمل الدعوة إلى الله بشكل جماعي وجعل نشر الدين وإشاعته هو المقصد ولإقامة هذا المقصد التمرين والتدريب على التضحية بكل حائل ومانع وملاقاة الناس وزياراتهم فرداً فرداً والتكلم معهم بالحكمة واللين والرجاء وترك اللذات النفسية والراحة الجسمانية لحصول لذة الإيمان والتجول في العالم بيتاً بيتاً وبلدة بلدة ودولة دولة، وبدون أي مقصد ظاهري أو باطني إلا الدعوة إلى الله ونشر الدين وإشاعته، والسفر والتنقل لهذا الجهد العظيم والصبر على كل خسارة جسمية ومالية، من أجل القيام بهذا العمل وهو الطريق الأساسي والسبيل الأقوم لأصحاب الدعوة.
قلت: ثم قال الشيخ: "الدعوة بطريق الجولات في عهد الرسالة" ثم قال: "السفر إلى الطائف للدعوة". "مات أبو طالب وازداد البلاء على رسول الله r بشدة، فعمد إلى ثقيف يرجو أن ينصروه ويأووه، فوجد ثلاثة نفر، هم سادة ثقيف وهم أخوة: عبد ياليل ابن عمرو وحبيب ابن عمرو ومسعود ابن عمرو، وعرض عليهم نفسه وشكا إليهم البلاء وما انتهك قومه منه، فقال أحدهم: أنا أسرق ثياب الكعبة، إن كان الله بعثك بشيء قط، وقال الآخر: والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا كلمة واحدة أبداً، لإن كنت رسولاً لأنت أعظم شرفاً وحقاً من أن أكلمك،وقال الآخر: أعجز الله أن يرسل غيرك" وفي رواية: "فقام رسول الله r من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، قال لهم إن فعلتم ما فعلتم فاكتموا، فكره رسول الله r أن يبلغ قومه خبره فيزدادوا عليه جرأة وله إيذاء.
وبعد الجولة الخصوصية، ابتدأ في الجولة العمومية في القبائل، واجتمعوا يستهزؤن برسول الله r وقعدوا له صفين على طريقه، وأخذوا بأيديهم الحجارة فجعل لا يرفع رجله ولا يضعها إلى رضخوها بالحجارة وهم في ذلك يستهزؤن ويسخرون، فلما خلص منهم وقدماه تسيلان الدماء عمد إلى حائط من كرومهم فأتى ظل حبلة من الكرم ..".
قلت: ثم ذكر الشيخ بقية القصة ودعاء النبي "اللهم إليك أشكو .." ثم قال الشيخ:

الفائدة:
وبعد هذا الدعاء تحرك النظام السماوي فوراً فجاء جبريل -عليه السلام- ومعه ملك الجبال وقالا: إن أردت أن نطبق عليهم الأخشبين فعلنا ولا يحتمل ذلك إلا مدة الأمر والإشارة منك فأجاب رسول الله r إجابة الشفيق الرحيم "إنما أريد هدايتهم وإن لم يكن ذلك مقدراً لهم، فأسأل الله أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله" وكان يدعو لهم قائلاً: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون".
هذه هي طريقة أصحاب الدعوة، وهذا كمال الصبر والاستقامة التي بسببها يهدي الله تعالى الأقوام، ويُقبل قلوبهم إلى الإيمان والإسلام، فالنفر في سبيل الله والجهد لدينه تعالى لم يكن لمدة محدودة ومرحلة وقتية وإنما دائماً كان نموذجاً عملياً للدعوة والتبليغ إلى يوم القيامة، ونستطيع أن نلخص هذه الأصول للداعي كالآتي:
(1) على الداعي أن يكون ذو همة عالية وعزيمة قوية فيجتهد للإصلاح .. الخ.
يتابع الشيخ: فبعد أن ذكر صبر النبي r وتحمله الشدائد قال: "فلا بد من تحمل الأذى بمختلف أنواعه من أجل أن يستمر الجهد لتوجيه الناس من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق، ولو أدى ذلك إلى تضحية النفس في سبيل الدعوة وتبليغ الرسالة، فالاستقامة والثبات بمواجهة هذه المشقـات هي طريقه r التي يجدر بكل مسلم أن يسلكها في أي زمان أو مكان.
الدعوة الخصوصية: قال محمد بن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر وأظهر إسلامه دعا إلى الله -عز وجل- وكان أبو بكر مألوفاً لقومه محبوباً سهلاً وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر، وكان رجلاً تاجراً ذا خلق معروف، وكان رجال قومه يأتونه لغير واحد من الأمر لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه الزبير بن العوام وعثمان بن عبيد الله.

الفائدة:
هكذا كان فكر المسلمين في أول الأمر فبعد الدخول … ثم ذكر الشيخ أصل دعوة النبي r فبعد أن ذكر الشيخ دعوة النبي الناس في المجاميع بين مقصد الدعوة ومبدأها فقال:

الفائدة: كان الرسول r في جولاته يؤكد على شيئين:
أولاً: التوحيد الكامل وترك ما سوى الله تعالى.
ثانياً: الإيمان بالرسول r والتصديق بما جاء به والتضحية بالغالِ والنفيس لإقامة هذا الدين فلم يكن عندهم أن الإنسان يؤمن ويشغل بالعبادة فقط، لذلك الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- عُذبوا وكانوا يُجرون بالحبال بأزقة مكة، ووُضعوا على الرمل الحار، وتحملوا جميع أنواع المظالم واستمروا في الدعوة إلى الله تعالى، ولم يقل أحد منهم أنه إذا لم يكن عندنا حكومة ولم يكن المال في أيدينا، أو إذا لم يستجيبوا الناس فكيف تمشي الدعوة وكيف يقوم الإسلام، بل هم استمروا في أداء التضحيات حتى تُقبلت هذه الدعوة وقضى الله تعالى بهداية الإنسانية، والآن كذلك تُفرّغ أوقاتنا، ونقوم للتدريب والتمرين على هذه الجولات مع التضحية، والفرق هو أن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يتجولون على الكفار يدعونهم إلى الإسلام، وهذه الجولات الآن هي تحريض الأمة للقيام على الدعوة للإسلام، وهذه الأمة التي خرجت منها الكفاءة والأهلية لأداء الدعوة للإسلام، وهذه الأمة علينا أن نرجوها ونُحرضها لكي تقوم وتتحصل ذلك المقام الرفيع، مقام الدعوة إلى الله تعالى، وتأخذ في ذلك منهاج الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- أسوة وقدوة لهم في جهدهم"قلت ويتابع الشيخ بحثه فيقول: "إننا في هذه الأيام نحتاج في الدعوة والتبليغ إلى شيئين أساسيين وهما:
1) الجهد في الأحياء لإقامة البيئة الصالحة أثناء إقامتنا في البيوت.
2) الجهد لإخراج الناس من بيئتهم إلى بيئة الدعوة والأعمال، وأثناء الخروج، علينا أن نجتهد لإقامة الناس على التضحية للدين في المناطق التي نذهب إليها، وإخراج القدماء من هذه الأحياء حتى يزيدوا من تضحياتهم فيخرج أهل الفكر والجهد فيفتح الله أبواب الهداية والرحمة لأهل العلم.

(ب) الجولات العمومية في إحياء المدينة والشورى لها.
عندما وصل مصعب وأسعد بن زرارة إلى المدينة المنورة أخذوا بتعليم من أسلم منهج الإسلام ودعوا من لم يسلم بعد ذلك إلى الإسلام "أخرج ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيره: أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل، ودار بني ظفر على بئر يقال له مرق فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير يومئذ سيداً قومهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه فلما سمعا به، قال سعد لأسيد: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين آتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فأزجرهما وأنههما أن يأتيا دارينا فإنه لولا أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كَفَيْتُك ذاك هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما" (البداية، ج3، ص152).
مما تقدم يتضح لنا كيف كان أصحاب النبي r يدعون الناس ويقدمون تبليغ دين الله تبارك وتعالى.
أولاً: فهم اجتمعوا عند بئر مرق ومن ثم أخذوا يتشاورون فيما بينهم في الطريقة التي سيدعون بها الناس.
ثانياً: يتضح من كلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير أن المسلمين أرادوا الذهاب للأحياء والبيوت المختلفة لدعوة أهلها. حيث قال سعد فازجرهما وانههما أن يأتيا دارينا"
والدار تشمل بيوت القبيلة كلها، فعن الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- أخذوا الجولات في الأحياء والحارات والمشورة، وأعمال الدعوة في هذا الزمان، وإنما الفرق الذي بيننا وبينهم أنهم كانوا يدعون الناس إلى الإسلام وإلى ترك الشرك وعبادة الأصنام، ونحن في هذا الزمان ندعو الناس لتعلّم الإسلام والعمل به، والقيام عليه، ولكن عدم اشتراك الناس بالعمل بهذا المنهاج والأسلوب هو الظن منهم بأن الدعوة بهذه الكيفية لم تثبت بدليل.
قلت: وبعد هذا ذكر الشيخ: "-الهجرة والنصرة- فقال: قال تعالى: ]ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة[( ) قرآن كريم.
إن الإسلام دين عالمي ليس كمثل الأديان الأخرى جاء لمنطقة أو عائلة أو بلدة، فلذلك لا بد لتبليغ مثل هذا الدين من أمة يستطيعون القيام به وإيصال دعوته إلى سائر أنحاء العالم، أمة يسهل عليها ترك الأولاد والبيوت والأشغال والأوطان، أمة يسهل عليها التجول في العالم دولة دولة،أمة قادرة على تحمل المشاق ومضارة الأموال من أجل إقامة الدين، لذلك أمر الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- زيادة على ما كانوا يتحملون في مكة المكرمة من المشاق والصعاب والأذى بالتمرن بالهجرة وترك بيوتهم وأوطانهم، وأقاربهم وكل ما لديهم من أشغال وأشياء لدين الله تعالى، وليكون ذلك درساً لهم عملياً في ترك كل محبوب ومرغوب من أَجْلِ إقامة الدين وإعلاء كلمته، ففي البداية كانت الهجرة للحفاظ على دينهم وإيمانهم وأنفسهم، ولكن بعدما وصلوا إلى المدينة المنورة خرجوا للدعوة إلى الله وإلى دينه العزيز "سيأتي ذكر ذلك في الصفحات القادمة" وفي النهاية أخذت الدعوة صورة الجهاد وفي هذا الحديث إشارة إلى هذه العوامل التدريجية: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا" يعني لا هجرة بعد فتح مكة ولكن ينبغي أن تبقى نية الجهاد والهجرة موجودة، وعلامة ذلك أنه في أي وقت يطلب منكم النفر لدين الله فانفروا، لقد وضع الرسول r في الجملة الأخيرة من هذا الحديث أن أساس الهجرة والجهاد هو أن تكون هناك عاطفة قوية للنفر في سبيل الله موجودة، فلقد بلغ بعد فتح مكة مقدار التضحية والاستعداد للهجرة منتهاه، والآن للمحافظة على عاطفة النفر في سبيل الله فهذه المرحلة، أي مرحلة التدريب بالهجرة، انتهت بفتح مكة وحل في مكانها النفر بصورة الجهاد ولكن من الممكن أن تحتاج الأمة للتدريب والتمرين مرة ثانية، فلذلك ينبغي أن تكون النية موجودة دائماً .. ولكن جهاد ونية "فإذا اقتضت الضرورة فعلى هذه الأمة أن تقوم مرة ثانية بمرحلة التدريب من طريق ترك الأشياء والأهل والبلد حتى توجد فيهم مادة النفر في سبيل الله تعالى من جديد ولا يبقى أمام الأمة المسلمة أي حاجز أو عائق عن النفر والخروج في سبيل الله" أ.هـ.
قلت: ثم بعد ذكر الشيخ هجرة الصحابة إلى الحبشة ثم قال:
الفائدة:
لقد بدأ الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- بمرحلة جديدة بعد هجرة الحبشة من التضحيات فحتى الهجرة كانوا يؤذون فيها ويعذبون، ولكنهم الآن اضطروا إلى ترك الأوطان والأهل والأشغال ومفارقتها وهذا في الواقع شيء هام، ولكن لا يعرف مقدار هذه التضحيات وما مر به هؤلاء الأفذاذ إلا من مر في مثل هذه التضحية فقد ضحوا بكل شيء فقط لشيء واحد وهو أننا يا رب مستعدون لذلك بكل شيء للحفاظ على ديننا ورابطتنا مع ذاتك الكريمة فذهبوا إلى الحبشة وما وجدوا هناك لا أهل ولا وطن ولا تجارة ولا زراعة وإنما أرضاً وبيئة يستطيعون أن يعبدوا الله تعالى فيها وأن يحافظوا على علاقتهم بالله تعالى وبدينه العزيز.
والآن كذلك للتدريب على تقديم التضحيات والهجرة لدين الله تعالى، علينا تفريغ الأوقات حتى نترك بيئتنا الفاسدة هذه ونعيش في بيئة صالحة ونجتهد حتى يصبح عندنا التَعَلُّق التام بدين الله تعالى ولكن هناك نكتة دقيقة وهي أن على المجتهدين لإقامة الدين أن يمروا بمرحلة التربية، التربية على الدعوة التي تربى عليها الصحابة -رضي الله عنهم- في زمن الرسول r لأن من لم يمر بمرحلة التربية لا يمكن له الاستقامة على الدعوة في أي حال فعلينا أولاً ترك هذه البيئات المسمومة للدعوة إلى الله تعالى حتى يستحكم الدين في حياتنا، لأن طريقة أصحاب الدعوة هي ترك الأهل والأوطان والعيش لمدة معينة للحفاظ على الدين وتقوية الإيمان ومجيء الأعمال جيلاً بعد جيل مع بذل الجهود لإقامة البيئة الصالحة، لأن المقصود من ترك الأموال والأشغال والأهل والأوطان ليس بأن يعيش الإنسان في صومعة ويعتزل الناس.
قلت: وبعد ذلك أخذ الشيخ يبين أن الصحابة -رضي الله عنهم- انقسموا إلى قسمين: قسم هاجر إلى الحبشة للحفاظ على دينهم، وقسم بقي في مكة وتحملوا المشقات والأذى، ثم قال الشيخ:

الفائدة:
إن فراق الأهل والقبيلة والوطن شيء صعب وتضحية كبيرة في الظاهر ولكن في الحقيقة الأكبر والأعظم من ذلك أن يكون الإنسان في مكانه وبين أهله ولكن يضطر إلى مفارقة كل شيء واعتزاله فقط لأجل دين الله تعالى ويرى أمام عينه الخسارة في الأهل والبيت والقبيلة والتجارة والزراعة، وكل شيء، ويتحمل ذلك وهو ينظر فقط لأجل دين الله تعالى، فكان هناك قسم ينفر من الصحابة -رضي الله عنهم- خارج البلاد يتحملون كل شيء والقسم الآخر في أماكنهم يتحملون مظالم قومهم ولكنهم في كل حال قائمين بإقامة دين الله تعالى ولم يسمحوا بأي حال من الأحوال أن يأتي أي نقص أو فرق في دعوة الأنبياء -عليهم السلام- فقد ضموا بما لديهم شيئاً بعد الآخر، وصمموا أن يحافظوا على الدعوة وصاحب الدعوة، وقرارهم هذا وعزمهم لم يكن لوقت محدد إنما كان شيئاً إلى الأبد ونفذوه عملياً طول حياتهم والآن كذلك علينا أن نعزم ونقرر أن نقوم لدين الله تعالى فنخرج فترة إلى الخارج ونجتهد لإقامة دين الله تعالى وإذا رجعنا إلى أماكننا أو إلى أحيائنا كذلك نجتهد ونقدم بعض التضحيات لإرضاء الله تعالى ونستمر في ذلك إلى أن نفارق هذه الدنيا".
قلت: ويتابع الشيخ بحثه فبعد أن بين أنه يجب التحمل والصبر على الأذى للدعوة إلى الله تعالى قال:
"ولكن مع الأسف أن دعاة الإسلام في أيامنا هذه إذا سمع أحدهم كلمة غير مرغوبة فإنه يترك الدعوة ويقول يا أخي اعبد ربك ومالك وللناس، ثم يصبح يبحث عن المال والملك والأكثرية حتى تكون معه ويقيم الدين بذلك مع العلم بأن تحمل المصائب والمظالم والصبر عليها مهما اشتدت، والاستمرار بالدعوة على كل حال بلا تردد ولا توقف هو السبب الوحيد لحصول نصرة الله تعالى، وأن التوجه إلى غير الله تعالى والبحث على الأشياء هو سبب لحرمان صاحب الدعوة من منصب الدعوة، وهكذا فإن التبليغ في زماننا الحاضر إنما هو تدريب ودرس عملي يرى الناظر من بعيد أن هذه الجماعات التي تخرج والناس الذين يخرجون أنهم دعاة ومصلحون خرجوا لإصلاح الناس مع أن العلم أن هؤلاء الناس ما خرجوا إلا لإصلاح أنفسهم وتربيتها، ولتعلم الدين خرجوا حتى يتعلموا الدعوة والتدريب العملي على ترك كل غال ونفيس من أجل دين الله تعالى، ويتدربوا على تعلم ذلك بأنفسهم ويقوموا بتمرين كل مسلم في كل بقعة من بقاع الأرض على تعلم ذلك والتدريب عليه، لقد دخل الصحابة -رضي الله عنهم- في الإسلام ببركة هذه الجولات ولقد انتشر الإسلام في أنحاء الجزيرة بهذه الجولات ولم يكن عندهم الحكم والقوة، ولم يكن لديهم المال، وإنما كان لديهم فقط هذه الجولات، فحكم الجهاد بالسيف نزل بالمدينة المنورة وبعد الهجرة، ولكن الدعوة في المدينة كيف دخلت، وبقوة أي جيش من الجيوش؟ وأهل المدينة المنورة قاموا لإعلاء كلمة الله تعالى على أساس أي حكومة أو سلطة؟ هل هناك أي دخل غير الجولات في الدعوة إلى الله تعالى؟ فاعتبروا يا أولي الأبصار، اليوم كذلك ينبغي للأمة الإسلامية التربية والتدريب على هذه الجولات وأعمال الدعوة ولكن الجولات التي تقوم على غير أساس الجهد تكون بغير روح لذلك ينبغي تفريغ الأوقات حتى ترسخ قيمة هذه الجولات في قلوبنا، وتصبح أحب إلينا من كل شيء ونضحي من أجلها بأهم الأعمال وأثمنها، فالمقصد من هذا العمل هو التضحية بالمخلوق لإقامة العلاقة مع الخالق، وهذه الرابطة لا تقوم إلا بالمجاهدة على طريق الرسول r فلذلك لما أراد بعض الصحابة اعتزال الناس والانفراد بالعبادة قال لهم r "رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله" أ. هـ.
وهذا آخر ما أردت نقله من البحث المتقدم في بيان وسائل جماعة التبليغ والحمد لله رب العالمين.


وسائل جماعة التبليغ في نقاط :
وبعد هذا البحث للشيخ الأنصاري -حفظه الله- أرى أن ألخص هذه الوسائل في نقاط ثم نبين بعد ذلك اعتراضات المعارضين على هذه الوسائل والله المستعان فأقول: إن من وسائلهم أنهم يقولون:
أولا: نجتهد للدعوة حتى نتحصل على بعض الصفات وهي ليست كل الدين وإنما نتدرب عليها ومن ثم نصل إن شاء الله إلى الدين كله، وهذه الصفات هي:
1- اليقين على كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
2- الصلاة ذات الخشوع والخضوع.
3- العلم مع الذكر.
4- إكرام المسلمين.
5- إخلاص النية.
6- الدعوة إلى الله والخروج في سبيل الله.
ثانياً: نجتهد في هذا العمل بالدعوة إلى الله والعلم والتعلم والعبادات والخدمة والدعوة على أربع وجوه.
1- دعوة اجتماعية.
2- دعوة فردية.
3- دعوة عمومية.
4- دعوة خصوصية.

والدعوة لأربع طبقات:
- العلماء وذلك بمحبتهم وإكرامهم.
- الوجهاء وهم أصحاب الجاه كالأمراء والحكام.
- القدماء وهم الذين خرجوا في الدعوة.
- عامة المسلمين.
والعلم والتعلم في الخروج يكون في الفضائل فقط، والاعتماد في ذلك على كتب الفضائل كرياض الصالحين للنووي، وحياة الصحابة للكاندهلوي، والترغيب والترهيب للمنذري، والأدب المفرد للبخاري.
ويدخل في العلم والتعلم مذاكرة العشر سور الأخيرة من القرآن بين الخارجين، والآداب العامة كآداب الطعام والشراب والمنام وقضاء الحاجة .. إلى غيرها من السنن.
وأما العبادات فيكون التركيز على المحافظة على جزء من القرآن في اليوم، والصلاة المكتوبة والسنن، وقيام الليل والأذكار الصباحية والمسائية.
وأما الخدمة فيدخل فيها خدمة النفس وخدمة الجماعة الخارجة وخدمة الأمير وخدمة أهل البلدة "أي المسلمون عامة".
ثالثاً: ونخرج بأربعة: "النفس، المال، الوقت، الافتقار إلى الله.
رابعاً: ونلتزم بطاعة الأمير في غير معصية، والصبر والتحمل، وحرمة المساجد وتقديم العمل الجماعي على الانفرادي "أي تقديم أعمال الجماعة العامة على عمل الفرد الخاص أثناء الخروج".

والأعمال الجماعية هي:
1. حلقة التعليم. 2. بيان الفجر.
3. بيان المغرب أو العشاء. 4. حياة الصحابة.
4. آداب الطعام والشراب. 6. آداب السفر.
7. المشورة 8. النوم.

خامساً: ونقلل من أربع: الطعام، المنام، قضاء الحاجات، الخروج من المسجد.
سادساً: ونترك في الخروج أربعة أمور: الإسراف، الإشراف، السؤال، استعمال حاجة الغير إلا بإذنه.
ونجتهد بالخروج على الترتيب التالي:
- أربعة أشهر في أقرب فرصة.
- أربعون يوماً في السنة.
- ثلاثة أيام في الشهر.
- جولتان في الأسبوع (جولة مقامية أي في نفس منطقة ومحيط الداعي وجولة انتقالية إلى القرى المجاورة).
- حلقتان في اليوم (حلقة في المسجد من الفضائل وحلقة في البيت).
- تفريغ ساعتين ونصف لعيادة المرضى وزيارة الأرحام والأذكار .. إلى غير ذلك.
- حضور المشورة وحضور يوم الخمسين ليلة الجمعة لفكر الدعوة.
وقبل كل عمل علينا أن نبين آدابه مثل الطعام والمنام والسفر وقضاء الحاجة وزيارة العلماء وزيارة الوجهاء وآداب المساجد والسلام .. وعموماً آداب كل عمل نقوم به، وعلينا أن نربط الجدد -وهم الذين لم يخرجوا من قبل- بالأخوة القدماء الذين قضوا فترة من الزمن في الخروج.
وهذه نبذة بسيطة ليس المراد منها الاستقصاء لوسائلهم وإنما المراد تقريب الوسائل لدى القارئ فقط وإذا ربط القارئ بين أول البحث وآخره استطاع أن يصل إلى فهم غالب وسائل جماعة التبليغ، أقصد فهماً نظرياً فحسب والله المستعان.





















الأصل في الوسائل اعتبار مصالحها
أقول وبعد أن بينا وسائل جماعة التبليغ لا بد لنا من وقفة مع هذه الوسائل حيث أن كثيراً ممن ينتقدون هذه الجماعة إذا أرادوا أن يبينوا أخطاءهم يتبادرون بانتقاد وسائل الجماعة فيقولوا.
1- هل هذا العمل من ناحية وسائله ثبت عن رسول الله أو عن الصحابة أو عن التابعين بنفس هذا الترتيب؟
2- وهل كان رسول الله r يخرج العوام للدعوة إلى الله؟
3- ولماذا تخصص جماعة التبليغ أياماً محدودة للدعوة إلى الله مع أن ذلك لم ينقل البته عن رسول الله r ولا عن السلف الصالح ولو كان خيراً لسبقونا إليه؟
4- ولماذا تسمح الجماعة للعوام أن يقوموا بالدعوة مما يعرض هؤلاء العوام أن يقعوا في الخطأ بسبب جهلهم بالكتاب والسنة؟
5- ولماذا لا تستعمل الجماعة المنشورات والكتيبات وغيرها من وسائل الكتابة في الدعوة إلى الله مع أن النبي r استعمل وسائل الكتابة كما كان يدعو الملوك الجبابرة وهذا واضح من سنته وتتبع أخباره؟
6- ولماذا تخرج الجماعة للمسلمين مع أن المعلوم أن النبي r إنما كان يخرج إلى الكفار وهكذا فعل الصحابة من بعده؟
7- ولماذا تخصص الجماعة حضور يوم الخميس مع أن النبي r نهى عن تخصيص يوم الجمعة بصيام وليلته بقيام؟ ولماذا تخصص الجماعة في دعوتها الدين في ست صفات مع أن الدين شامل وعام لكل فضائل الخير؟
8- ولماذا لا تقوم الجماعة بجمع التبرعات مع أن جمع المال للمصلحة الشرعية ثابت بالسنة كما فعل رسول الله r ذلك في غزوة تبوك وغيرها؟
9- ولماذا لا تقوم هذه الجماعة بتدريس الفقه والحديث والتفسير؟ بمعنى أوضح لماذا يقولون أنهم يهتمون بالفضائل وأما المسائل الفقهية فليست شأنهم؟
10- ولماذا لا يشاركون في الانتخابات التي تقام في بعض الدول بل يرون الانتخابات خروجاً عن أصولهم؟
11- ولماذا يخرج معهم المخالفون للسنة دون أن ينكروا عليهم مخالفتهم كما نرى أنهم يخرجون معهم حالقي اللحية مثلاً أياماً مع ذلك لا ينكرون عليهم حلقهم للحاهم؟
12- ولماذا نجدهم يستدلون كثيراً بالأحاديث التي تحمل لفظ "في سبيل الله" مع أن هذا اللفظ يقصد به الجهاد فقط؟

إلى غير ذلك من الانتقادات الكثيرة جداً والتي ربما لا يستطيع الإنسان حصرها لكثرتها، وبالطرف الثاني نجد المؤيدين لهذه الجماعة من العلماء "من غير جماعة التبليغ" يجيبون عن هذه الانتقادات، وأقول يجب أولاً أن نوضح الأمر، ونزيل اللبس، عن مثل هذه الانتقادات من خلال قاعدة جليلة ومفيدة ذكرها الإمام الجليل المحقق الأصولي الشاطبي -رحمه الله- في كتابه الموافقات في أصول الشريعة وبعد ذلك سنجيب بالتفصيل عن جميع الانتقادات السابقة الذكر، فالله المستعان على الإتمام والإخلاص.
يقول الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات في المسألة الثامنة عشر "الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد دون الالتفات إلى المعاني، والأصل في العادات الالتفات إلى المعاني".

أما الأول( ) : فيدل على أمور منها الاستقراء فإننا وجدنا الطهارة تتعدى محل موجبها( )، وكذلك الصلاة خصت بأفعال مخصوصة إن خرجت عنها لم تكن عبادات، ووجدنا الموجبات فيها تتحد مع اختلاف الموجبات، وأن الذكر المخصوص في هيئة ما مطلوب، وفي هيئة أخرى غير مطلوب، وأن طهارة الحدث مخصوصاً بالماء الطهور وإن أمكنت النظافة بغيره، وأن التيمم وليست فيه نظافة حسية يقوم مقام الطهارة بالماء المطهر، وهكذا سائر العبادات كالصوم والحج وغيرهما، وإنما فهمنا من حكمة التعبد العامة الانقياد إلى أوامر الله تعالى وإفراده بالخضوع والتعظيم لجلاله والتوجه إليه، وهذا المقدار لا يعطي علة خاصة يفهم منها حكم خاص إذ لو كان كذلك لم يحدد لنا أمراً مخصوصاً، بل كنا نؤمر بمجرد التعظيم بما حُدَّ وما لم يُحَدّ، ولكان المخالف لما حد غير معلوم إذ كان التعظيم بفعل العبد المطابق لنيته حاصلاً، وليس كذلك اتفاقاً، فعلمنا قطعاً أن المقصود الشرعي الأول التعبد لله لذلك المطلوب، وأن غيره غير مقصود شرعاً … الخ.
ثم ذكر الإمام الشاطبي الدليل الثاني والثالث الذي يثبت القاعدة التي أرادها وهي أن "الأصل في العبادات التعبد" ومثال ذلك أن الشرع أمرنا بمطلق السجود فلو جاء رجل فقال: ألم يأمر الشرع بكثرة السجود؟ فالجواب: نعم، فيقول: إذن أنا سأسجد لله سجدة دون أن تكون هذه السجدة ضمن صلاة، أو سبب كسجود التلاوة، فهذا بالطبع محرم للقاعدة السابقة ألا وهي "الأصل في العبادات التعبد" ولا تتجاوز إلى غيرها، وليس هذا الذي أريد بيانه في بحثنا عن الوسائل، وإنما يتضح ذلك بالقاعدة الأخرى ألا وهي "الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني" بمعنى أننا في غير أمور العبادة ننظر إلى المعنى الذي من أجله شُرّع الفعل الفلاني فإذا وجدنا هذا المعنى موجود في غيره عدينا هذا الحكم له، وسيبين الإمام الشاطبي ذلك. فيقول الإمام الشاطبي: "وأما أن الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني" فلأمور أولها: الاستقراء، فإنا وجدنا الشارع قاصداً لمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معه حيث دار، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه المصلحة، فإذا كانت هناك مصلحة جاز كالدرهم إلى أجل يمتنع في المبايعة ويجوز في القرض، وبيع الرطب باليابس، يمتنع حيث يكون مجرد غرر وربا إذا كان من غير مصلحة ويجوز إذا كان فيه مصلحة راجحة، ولم نجد هذا في باب العبادات مفهوماً، كما فهمنا في العادات، وقال تعالى:
]ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب[( ) .
وقال: ]ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل[( ) .
وفي الحديث "لا يقضي القاضي وهو غضبان" وقال: "لا ضرر ولا ضرار" وقال: "القاتل لا يُورّث" ونهى عن بيع الفرد، وقال: "كل مسكر حرام" وفي القرآن:
]إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر[( ) .
إلى غير ذلك مما لا يحصى، وجميعه يشير بل يصرح باعتبار المصالح للعباد، وإن الأذن دائر معها أينما دارت مع مصالح العباد حسبما بينه مالك، فدل ذلك على أن العادات مما اعتمد الشارع فيها الالتفات إلى المعاني.
والثاني: أن الشارع توسع في بيان العلل والحكم في تشريع باب العادات كما تقدم تمثيله وأكثر ما علل فيها بالمناسب الذي إذا عرض على العقول تلقته بالقبول، ففهمنا من ذلك أن الشارع قصد فيها اتباع المعنى لا الوقوف على النصوص، بخلاف العبادات، فإن المعلوم فيه خلاف ذلك .. الخ ما قال الشاطبي.
أقول: ومما تقدم نستطيع أن نقول: "كل وسيلة لأمر شرعي فحكمها حكم ما يترتب عليها من المصالح" أو نقول: "الأصل في الوسائل النظر إلى مصالحها" وهذا مبين من كلام الشاطبي -رحمه الله- فمتى وجدنا وسيلة معينة ترتبت عليها مصلحة شرعية شرع العمل بها وإن لم يرد فيها نصٌّ خاصٌّ ولم يجر عليها عمل السلف، لأن هذه الوسيلة وإن لم نجد فيها نصاً خاصاً فإنا قد وجدنا فيها نصاً كلياً، وهي القاعدة التي أثبتها الشاطبي بالدليل الشرعي، وهي "أن الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني" فإن قلت: كيف أستطيع أن أفرق بين أمور العادات أو العبادات؟ فالجواب: عن ذلك أنه إذا حدد الشارع الأمر بكيفية مخصوصة وجب اتباع هذا التحديد مثل ما حدد ركعات الصلاة، وأما إذا لم يحدد لنا كيفية معينة بل أمر بأمر مطلق كأمره بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون تحديد كيفية لها فعند ذلك نعلم أن هذا الأمر من العاديات فعند ذلك نستطيع أن نقوم بأي وسيلة بشرط أن تكون هذه الوسيلة مؤدية إلى مصلحة شرعية، وهناك شرطاً آخر للوسائل بشرط أن تكون هذه الوسيلة مؤدية إلى مصلحة شرعية، وهناك شرطاً آخر للوسائل حتى تكون مشروعة وهو أن لا يكون المقتضى لها قائم في العهد النبوي فإن كان المقتضى قائماً ولم يعمل بها فلا يجوز العمل عند ذلك، لأن ترك السلف لها مع وجود المقتضى لها دليل على عدم اعتبار السلف لها، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وهنا يحتاج إلى توضيح بمثال لهذا الأمر والله المستعان على فتح مغالق القلوب لتدبر شرعه فأقول: من المعلوم أن رسول الله r كان ينزل عليه القرآن حسب الأحوال والمناسبات، ومع تكرار نزول القرآن الكريم ومع توفر وسائل الكتابة فإن النبي r لم يأمر بجمع القرآن الكريم البتة، فلما مات رسول الله r ووقعت الحروب وقُتل كثير من حفظة القرآن الكريم، اقتضى هذا أن يجمع القرآن في مصحف خشية إضاعته، واتفق الصحابة -رضي الله عنهم- في جمع القرآن الكريم، وجرى عليه عمل السلف بعد ذلك فإذا أخذنا هذا المثال، ودرسناه دراسة وافية، فسيتضح الأمر لنا إن شاء الله فنقول هنا إن الوسيلة التي اتخذها الصحابة وهي جمع القرآن لم يفعلها الرسول r ولا أمر بها لأن السبب الذي كان يقتضي جمع القرآن لم يكن موجوداً في العهد النبوي، لأن القرآن كان محفوظا‌ً في الصدور أكثر من حفظه لو كان في السطور، فعدم جمع رسول الله دليل على عدم مشروعية هذا الجمع، فإن قلت: ما الدليل على أن عدم جمعه دال على النهي وهو لم ينهَ عنه؟ قلت: الدليل هو تركه r لهذا الجمع لأن حفظ الدين واجب، فلو كان الجمع مشروع لفعله النبي، ولما أهمله لأن في جمعه حفظ للدين، فتركه لهذا الجمع دليل على عدم مشروعيته، وكما أن فعله واجب الاتباع فكذلك تركه واجب الترك. ولكن الصحابة -رضي الله عنهم- لما وجدوا في حال اقتضت هذه الحال جمع القرآن جمعوه لأن هذه الحال وهي فقد أكثر الحفاظ لم تكن موجودة في العهد النبوي، ولذلك نجد الصحابة كأبي بكر الصديق لما عرضوا عليه حفظ القرآن بجمعه أجابهم كيف أفعل فعلاً لم يفعله رسول الله r أو كما قال، فلما حدثوه بالمقتضى الذي وجد في زمانهم، وهو موت أكثر الحفاظ انشرح صدره لجمع القرآن الكريم، فأنت ترى أبا بكر احتج بعدم جمع الرسول للقرآن الكريم على ترك جمعه، فقال: كيف أفعل فعلاً لم يفعله رسول الله r فلما ظهر له المقتضى الذي لم يكن في زمن رسول الله r بادر -رضي الله عنه- إلى الأمر بجمعه فهنا نجد أن الصحابة نظروا إلى هذه الوسيلة وهي جمع القرآن من جهتين:
الأولى: من جهة ما ترتب على جمع القرآن من مصلحة.
الثانية: أن هذه المصلحة إنما وجد مقتضيها في زمنهم ولم توجد في زمن الرسول r فلذلك حملوا عدم فعله على حسب زمانه، حيث إذا لم يوجد مقتضى، أما في حالة وجود المقتضى الذي لم يكن قائماً من قبل فأنت ترى أنهم قاموا بالجمع. وحديث الجمع رواه البخاري.
فنحن نرى أن جمع القرآن ليس له دليل خاص وإنما دليله هو القاعدة العامة وهي أن الشرع أمر بقيام المصالح في الأمة، إذن فلا بد أن ننظر إلى الوسيلة باعتبارين: باعتبار الدليل الخاص، أي هل حدد النبي هذه الوسيلة بأمره أو فعله أم لا؟ فإذا لم نجد مشروعية هذه الوسيلة بدليل خاص فلا يجوز التسرع والحكم عليها بأنها بدعة بل يبقى أن ننظر هل للوسيلة دليل عام أي قاعدة عامة أم لا؟ فإذا وجدنا لها دليلاً عاماً، وقاعدة عامة، عملنا بها بالشرطين المتقدمين وبالشروط الأخرى التي ذكرها العلماء، والله أعلم.
يقول الإمام الشاطبي (المجلد الثاني، ص341): "وما أحدثه السلف وأجمع عليه العلماء لم يقع فيه مخالفة لما وضعه الشارع بحال بيان ذلك، إن جمع المصحف مثلاً لم يكن في زمان رسول الله r للاستغناء عنه بالحفظ في الصدور لأنه لم يقع في القرآن اختلاف يخاف بسببه الاختلاف في الدين وإنما وقعت فيه نازلتان أو ثلاثة: كحديث عمر بن الخطاب مع هشام ابن حكيم -رضي الله عنهما- وفيه قال عليه الصلاة والسلام: "لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر" فحاصل الأمر أن جمع المصحف كان مسكوتاً عنه في زمانه عليه الصلاة والسلام ثم لما وقع الاختلاف في القرآن وكثر حتى صار أحدهم يقول لصاحبه أنا كافر بما تقرأ به وصار جمع المصحف أمراً واجباً ورأياً رشيداً في واقعة لم تحدث في الزمان المتقدم لم تكن بدعة وهو باطل باتفاق لكن مثل هذا النظر من باب الاجتهاد الملائم لقواعد الشريعة وإن لم يشهد له أصل معين وهو الذي يسمى المصالح المرسلة .." الخ ما قال رحمه الله.
وقال الشاطبي -رحمه الله- الجزء الثاني، ص409): "والجهة الرابعة مما يعرف به مقصد الشارع السكوت عن شرع التسبب أي عن شرعية العمل مع قيام المعنى المقتضى له وبيان ذلك أن السكوت عن الحكم على ضربين:
أحدهما: أن يسكت عنه لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب تقدر لأجله، كالنوازل التي حدثت بعد رسول الله r فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها وإنما حدثت بعد ذلك فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تقرر في كلياتها وما أحدثه السلف الصالح راجع إلى هذا القسم كجمع المصحف وتدوين العلم وتضمين الصناع وما أشبه ذلك مما لم يجر له ذكر في زمن رسول الله r ولم تكن في نوازل زمانه ولا عرض للعمل بها موجب يقتضيها، فهذا القسم جارية فروعه على أصوله المقررة شرعاً بلا إشكال، فالمقصد الشرعي فيها معروف من الجهات المذكورة قبل.
والثاني: أن يسكت عنه وموجبه المقتضى له قائم ولم يقرر له حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان، فهذا الضرب السكوتي نص على قصد الشارع ألا يزاد فيه ولا ينقص، لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه كان ذلك صريحاً في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة ومخالفة لما قصد الشارع وأنه فهم من قصده الوقوف عندما حد هنالك لا الزيادة عليه ولا النقصان منه .." الخ ما قاله الشيخ -رحمه الله-.
بعد أن قدمنا هذه المقدمة الطيبة نشرع الآن في بيان توضيح الانتقادات التي وجهت إلى جماعة التبليغ لنرى مدى صلاحية تطبيق هذه القاعدة التي ذكرها الإمام الشاطبي على وسائلي جماعة التبليغ.
قولهم: "أي المنتقدين" هل هذا العمل من ناحية وسائله ثبت عن رسول الله أو عن الصحابة أو التابعين بنفس هذا الترتيب؟ فأقول مستعيناً بالله إن وسائل هذا العمل عند جماعة التبليغ كثيرة جداً ولكن هنا نريد أن نبيّن أمراً انفردت به هذه الجماعة بوسائلها دون سواها، هذا الأمر هو الخروج بالشكل الجماعي المشاهد عندهم وستكون إجابتنا عن خصوص هذه الوسيلة دون سواها، وأما باقي الوسائل فستأتي إن شاء الله أثناء توضيح الاعتراضات التي ترد على هذه الجماعة، فلنشرع مستعينين بالله في بيان حكم هذه الوسيلة، ألا وهي خروج الجماعات إلى أنحاء بلاد العالم. فأقول: مما لا شك فيه أن خروج جماعة التبليغ المنتظم دون انقطاع بهذه الكيفية لم يثبت به العمل في الزمن السابق فلم يكن رسول الله r ولا الخلفاء الراشدين يرسلون جماعات مسلمة إلى جماعات مسلمة لتذكيرهم بالله ونصحهم، كما هو الحال عند هذه الجماعة،وأعني بقولي أن النبي r لم يكن من شأنه إرسال جماعات بهذه الكيفية أي أنه لكم يفعله دائماً وإنما كان يفعل ذلك إذا اقتضت الأمور، وإليك توضيح ذلك.
أخرج البخاري ومسلم واللفظ لمسلم عن أنس -رضي الله عنه- قال: "جاء ناس إلى النبي r أن ابعث معنا رجالاً يعلمونا القرآن والسنة فبعث سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم القراء فيهم خالي حرام يقرءون القرآن ويتدارسونه بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة والفقراءً، فبعثهم النبي r .." الحديث.
وأنت كما ترى في هذا الحديث الصحيح أن النبي r أرسل جماعة مسلمة إلى جماعة في الظاهر مسلمة لتعليمهم الكتاب والسنة لما اقتضت الأحوال ذلك، وأما في الظروف العادية والتي لم تكن تقتضي إرسال جماعات بهذه الكيفية فلم ينقل عنه r أنه كان يفعل ذلك، فإن سألت: إذن كيف كانت تتم الدعوة إلى الله في زمانه r فالجواب: أن الدعوة وقعت في زمانه على عدة أوجه:
الوجه الأول: إرسال رسله بالكتب كما أرسل رسوله إلى هرقل والحديث في البخاري وغيره.
الوجه الثاني: إرسال جماعات وأفراد ممن آمن به من البلاد الأخرى وأمره لهم بالرجوع إلى بلادهم وتعليم أهلهم ودعوتهم إلى الإسلام كما فعل ذلك مع وفد عبد القيس والحديث أيضاً في البخاري، وهكذا كما رجع ضمام إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام والحديث أيضاً في البخاري.
الوجه الثالث: إرسال أصحابه للجهاد لدعوة الناس إلى الإسلام وبعد أن يتم فتح البلاد يرسل النبي r إليهم أمرائه حتى يعلموهم الدين ويقضوا بينهم كما فعل ذلك مع معاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما- عندما أرسلهما إلى اليمن والحديث في البخاري.
فلو أردنا أن نطبق هذه الصور الثلاث على خروج جماعة التبليغ لامتنع أن ينطبق على صورة خروجهم الوجه الأول لأن الصورة فيه مختلفة عن صورة خروج جماعة التبليغ إذ أنه في الوجه الأول كان الإرسال لأهل الكفر وليس للمسلمين كما يخرج جماعة التبليغ غالباً للمسلمين، وكذلك الوجه الثاني إنما هو إرسال جماعة مسلمة آمنت بالإسلام إلى أقوام كافرين فإن ضُماما مثلا رجع إلى كفار ولم يرجع إلى مسلمين ولو سلمنا أن فيه رجوع جماعة مسلمة إلى جماعة مسلمة كما يشير إلى ذلك حديث وفد عبد قيس فلا نستطيع أن نطبق صورة هذا الحديث على عموم خروج جماعة التبليغ، لأن الصورة في هذا الحديث إنما هي إرسال جماعات إلى بلادهم وليس إلى بلاد أخرى تفعل جماعة التبليغ، وكذلك الوجه الثالث لا تنطبق صورته على صورة جماعة التبليغ لأن فيه إرسال جماعة يقومون بالإمارة والقضاء، فاختلفت صورة هذا الإرسال عن صورة خروج جماعة التبليغ، فلم تنطبق هذه الصور الثلاث على صورة خروج جماعة التبليغ إلا الصورة التي ذكرتها من حديث أنس عند إرسال النبي r سبعين من القراء إلى آخر ما ذكر في الحديث فإن هذه الصورة تنطبق على صورة خروج جماعة التبليغ، لأن الجامع بينهما خروج جماعة مسلمة إلى جماعة مسلمة في الظاهر لتعليمهم الكتاب والسنة، وهذا هو الذي تفعله جماعة التبليغ، إلا أننا نرجع إلى أصل بحثنا فنقول: إن هذه الصورة تنطبق على صورة خروج جماعة التبليغ، إلا أن جماعة التبليغ تتخذه مثلاً دائماً، وهنا البحث فنقول إذا أردنا أن نثبت مشروعية خروج جماعة التبليغ استدلالاً بهذا الحديث فيجب أولاً أن نرى، لماذا لم يتخذه رسول الله r ديدناً بهذه الكيفية؟ فإن كان المقتضى لهذه الكيفية قائماً ولم يتخذه رسول الله r فلا يجوز اتخاذه ديدناً وإنما يفعل بحسب ما فعله رسول الله r أحياناً، وأما إذا لم يكن المقتضى قائماً لاتخاذه عادة في زمن النبوة، ثم وجد مقتضيه الآن، فعند ذلك يشرع خروج جماعة التبليغ، ولبيان تلك القاعدة وتطبيقها أقول: إن النبي r إنما أرسل هذه الجماعة عندما رأى في ذلك المصلحة المقتضية، وأنت ترى أن النبي r لم يرسل ابتداءً لعدم ظهور المقتضى لخروج الجماعة حيث أن النبي r كان يرسل الجماعات للجهاد في سبيل الله، فلما تفتح البلاد ويستقر فيها هؤلاء الفاتحين ومنهم العلماء، ثم بعد ذلك يرسل لهم النبي أميراً وقاضياً، وتنضبط أمورهم بهذا الإرسال -أقصد الإرسال الأول كما بينت- وكذلك الحال في وفد عبد القيس عندما جاءوا للنبي r وعلمهم بعض فرائض الإسلام، وأمرهم أن يعلموا من خلفهم، فقد انضبطت أحوالهم بهذا الوفد الذي أرسله، حيث أنهم رجعوا وقاموا هم بهذا الواجب، إذن فإن المقتضى لإرسال جماعات مسلمة بعد هذا لم يكن له داعياً في زمن رسول الله r بنحو خروج جماعة التبليغ، وكذلك الحال في زمن السلف فقد كانت الأحوال منتظمة حيث كان هناك خلافة، فكان الخليفة يرسل المسلمين للجهاد فإذا فتحت تلك البلاد أرسل إليهم العلماء والقضاة والولاة فانتظمت أمورهم فلم يكن المقتضى قائماً حيث أن لا جهاد -أقصد جهاد الدعوة لا الدفاع- بسبب عدم وجود إمام، زد على ذلك اتساع أرض الإسلام وكثرة المسلمين حيث أن العلماء المتصدين للدعوة أصبحوا لا يكفوا ديارهم فضلاً عن أن يكفوا ديار غيرهم، زد على ذلك أن الحدود كقطع يد السارق، ورجم وجلد الزاني معطلة بسبب تغيب الإمام الذي يقيم تلك الحدود، زد على ذلك استشراء الفساد ودعاة الضلالة، وظهور البدع، والسكوت عليها، وقلة الصالحين وكثرة الفاسقين وغير ذلك من الأحوال المخالفة لما كان عليه زمن الصحابة الصالحين، فمما لا شك فيه أن المقتضى أصبح قائماً الآن لإرسال جماعات بانتظام كما يفعل إخواننا من جماعة التبليغ وحيث ثبت أن المقتضي أصبح قائماً شرع العمل بما أدى إليه هذا المقتضى كما فعل الرسول r عندما أرسل السبعين من القراء، ومن هنا ثبتت مشروعية خروج جماعة التبليغ وإن لم يكن فعل بانتظام وديدناً في عهد الرسول الكريم وعهد السلف الصالح وإنما الذي أورد الإشكال على المعارض بسبب عدم وجود فعل مستمر من النبي r على ذلك ولقائل أن يقول نحن نسلم بكل ما قلته، ولكن ربما خفى عليك أن هذا الإرسال الذي أرسله رسول الله r (أي السبعين) إنما كانوا علماء بخلاف خروج جماعة لتبليغ فإنهم يخرجون عواماً للدعوة فكل ما ذكرته واضح، ولكن للعلماء دون غيرهم، وأما أن تلحق العوام بالعلماء فهذا فيه نظر وهو قياس مع الفارق.
ومن هنا ينشأ الإشكال الثاني ألا وهو هل كان الرسول r يخرج العوام للدعوة إلى الله؟
فأقول وبالله التوفيق: إن خروج العوام في زمنه r ثابت حيث أنه r كان يأتيه الأعرابي فيعلمه r شرائع الإسلام ثم يرسله إلى قومه فيرجع إلى قومه يدعوهم إلى ما قد علمه من النبي لتقرير ذلك إليك هذين الحديثين اللذين أخرجهما البخاري في صحيحه في باب "ما جاء في العلم" حدثنا عبد الله بن يوسف قال حدثنا الليث عن سعيد هو المقبري عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول: "بينما نحن جلوس مع النبي r في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال لهم: أيكم محمد والنبي r متكئاً بين ظهرانيهم فقلنا هذا الرجل الأبيض المتكئ فقال ابن عبد المطلب فقال له النبي r قد أجبتك فقال الرجل إني سائلك فمشدد عليك بالمسألة فلا تجد على نفسك فقال سل عما تريد فقال: أسألك بربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم فقال: اللهم نعم. قال: أناشدك بالله آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة فقال: اللهم نعم. قال: أناشدك بالله آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة. قال: اللهم نعم. قال: أناشدك بالله آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا. فقال: اللهم نعم. فقال الرجل: آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر".
وهذا الحديث واضح على ما ذكرت من أن العامي يقوم بالدعوة إلى الله حيث أن النبي r علم ضمام فرائض الإسلام وبعد ذلك ذهب ضمام إلى قومه يدعوهم إلى الله -عز وجل- وإلى الإسلام والدليل على أن ضماما -رضي الله عنه- لم يكن من العلماء ما يأتي:
أولاً: أنه سأل رسول الله r عن أصول الشريعة كسؤاله للنبي r آلله أرسلك إلى الناس كافة وكذلك سؤاله عن فرائض الشرع تدل دلالة واضحة على أنه عامي يتثبت من النبي عن ذلك، حيث أنه ثبت في صحيح مسلم عن ثابت( ) عن أنس أن ضماما قال للنبي (فإن رسولك زعم) وهذا لا شك ليس شأن العالم والدليل على أن ضماماً لم يكن عالم( ) أوضح من أن يستدل عليه كسؤاله عن الصلاة والزكاة وغيرها فأنت ترى أن النبي أجاز لضمام أن يقوم بالدعوة مع أن العلماء الذين أرسلهم النبي قد قاموا بهذه المهمة فدل ذلك على أن العامي يشرع له القيام بالدعوة وهو مدار المسألة. وأما الحديث الثاني الذي يبين أن النبي r كان يرسل العوام للدعوة ففيما أخرجه البخاري في كتاب العلم تحت باب "تحريض النبي وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم ويخبروا من ورائهم".
قال البخاري حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا غندر قال حدثنا ثعلبة عن أبي جمرة قال كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس فقال: إن وفد عبد القيس أتوا النبي r فقال: "من الوفد أو من القوم. قالوا: ربيعة. فقال: مرحباً بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى. قالوا: إنا نأتيك من شقة بعيدة، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، ولا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام، فمُرنا بأمر نخبر به من ورائنا ندخل به الجنة. فأمرهم بأربع. أمرهم بالإيمان بالله 0عز وجل- وحده قال: تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله أعلم ورسوله قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وتعطوا الخمس من المغنم، ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت. قال شعبة ربما قال النقير وربما قال المقير. احفظوه وأخبروا من ورائكم".
ووجه الدلالة واضح جداً لقيام العامي بالدعوة إلى الله حيث أن النبي إنما اكتفى بتعليمهم أركان وفرائض الإسلام، ثم أمرهم بالدعوة وتبليغ العلم، وأنت ترى أن الإمام البخاري قال في تبويبه "باب ترغيب النبي وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم ويخبروا من ورائهم" فقال البخاري: والعلم مع أنهم إنما قاموا بجزء من العلم لا غالبه، فدل ذلك على أن المسلم يقوم بتبليغ ما علمه من أجزاء العلم وإن قل وإن كان غير عالم، ولكنه لا يدعو إلا لما يعلم دون ما لا يعلم، ولما تكلم الإمام النووي في شرحه لمسلم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين أن الأمر والنهي يختلف باختلاف الشيء فقال: "فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة، كالصلاة والصيام والزنا ونحوها فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم إنكار بل ذلك للعلماء" ذكر هذا في شرحه لمسلم ج20، ص23.
وقال الحافظ بن حجر في شرح الحديث الذي فيه: "ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه" قال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم الحث على تبليغ العلم وجواز التحمل قبل كمال الأهلية وأن الفهم ليس شرطاً في الأداء. انظر هذا في فتح الباري، ج1، ص158 باب قول النبي: "رب مبلغ أوعى من سامع". فأنت كما ترى أن أصل مشروعية قيام العوام بالدعوة قد ثبت بما بيناه. إذن فلم يبقى من المسألة سوى إثبات الصورة التي يقوم بها جماعة التبليغ فإن الجماعة يخرجون العوام لغير بلادهم، ولكن الحديث الذي سقته عن ضمام فيه أن ضماما قام بالدعوة في قومه فقط دون غيرهم، حيث قال للنبي "وأني رسول قومي" وكذلك في حديث وفد عبد القيس الظاهر منه أن دعوتهم كانت لقومهم.
إلا أن هذا يرجع إلى أصل قولي -إن المقتضى لم يكن قائماً لإرسال العلماء من الصحابة بصورة جماعة التبليغ إلا أحياناً كما فعل رسول الله r مع أهل اليمن الذين أرسل معهم القراء فمن باب أولى أن يكون المقتضى غير قائم لإرسال العوام فإذا ثبت هذا لم يكن ترك السلف لإرسال العوام للدعوة بصورة جماعة التبليغ حجة في عدم المشروعية، حيث أنه قد وجد في زمننا المقتضى لإرسال العوام حسب ما قدمنا فثبتت مشروعية خروج العوام للدعوة بصورة خروج جماعة التبليغ، وأن لم يجر على ذلك عمل السلف ولتراجع المسألة قبل هذه فإن فيها سبب عدم وجود المقتضى.
ثم إن هناك إشكالاً آخراً يتعلق بخروج الجماعة وهو التحديد الوقتي في أيام منظمة محدودة مع أن ذلك لم يرد عن رسول الله r ولا عن الصحابة -رضي الله عنهم- فقد كان الصحابة يأمرون وينهون عن المنكر ويدعون إلى الخير دون تخصيص وقت كما تقول جماعة التبليغ أنهم يخرجون أربعة أشهر في العمر، وأربعين يوماً في السنة، وثلاثة أيام في الشهر، فما الدليل على مشروعية ذلك؟ فأقول الأمر كما قال في السؤال أن الصحابة -رضي الله عنهم- لم يكونوا يحددون هذا الترتيب لخروجهم سواء في الجهاد أو غيره من أبواب الدعوة ولكن نقول قد بينا فيما سبق أن أصل الخروج للمسلمين بصورة الانتظام لم تكن قائمة عند السلف حتى نقول لماذا لم يحدد الصحابة أوقاتاً لخروجهم ولكن جماعة التبليغ تحدد؟!
وثانياً: وأما عن السبب في أن الصحابة لم يكونوا يرتبون لأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر أوقاتاً محددة فذلك نظراً لعدم وجود المقتضى لهذا الترتيب، حيث أن الخليفة كان يقوم بإقامة جماعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهم ما يسميهم الفقهاء أهل الحسبة، وكان بقية المسلمين يأمروا وينهوا حسب نشاطهم ووجود المنكر وعدمه، وأما أهل الحسبة فقد تم الأمر بهم، فليس هناك داعي لترتيب أيام محددة، أما لأهل الحسبة فهذا عملهم وتفرغوا له تفرغاً تاماً وأما غيرهم فلأن غيرهم قد كفاهم، وأما في أيامنا حيث عدم انتظام الأمور، فكانت الأحوال تقتضي بأن يوضع هناك ترتيب لتنظيم عمل الدعوة حيث لا إمام للمسلمين، وتفرق المسلمين وغير ذلك من الظروف التي لم تكن في السلف الصالح، وهذا يشبه تماماً ترتيب العلماء لأيام محدودة لدروسهم ووعظهم، ويشبه كذلك ما قام به العلماء من ترتيب كتب العلم لأيام محدودة لدروسهم ووعظهم، ويشبه كذلك ما قام به العلماء من ترتيب كتب العلم وتبويبها على أبواب الفقه التي لم يكن عليها عمل الصحابة -رضي الله عنهم- وكذلك يشبه ترتيب أيام محددة للمرابطين على بلاد الإسلام لوجود المقتضى لهذا الترتيب، وتنظيم عمل الجهاد فأي مقتضى لأن يكون هناك ترتيب للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد مما نحن فيه؟!
خلاصة الأمر أن هذا الترتيب ألا وهو أربعة أشهر في العمر، وأربعين يوماً في السنة، وثلاثة أيام في الشهر إنما هو ترتيب بسبب قيام مقتضيه، ولم يعمل به السلف لعدم المقتضى لهذا الترتيب، سواء بمقدار هذه الأيام أو غيرها فلا مجال هنا لأحد أن يقول هذا بدعة لعدم قيام فعل السلف به والله أعلم خصوصاً أن جماعة التبليغ إنما وضعت هذه الأيام للترتيب والتدريب لا معنى مخصوص في ذاتها، أعني أن لها فضل دون غيرها، والدليل على أن الجماعة لا تدعي ذلك -أي التحديد- أمران:
الأول منهما: أقوال العلماء منهم وأكابرهم وقد سألت الشيخ زين العابدين فقلت له ما رأيكم بالخروج أعني الأربع شهور، والأربعين يوماً في السنة .. الخ.
فما الدليل؟ فقال: هذا للترتيب فقط.
ويقول الشيخ بالمبوري في بيانه في أحد الاجتماعات: نحن ما وجدنا في القرآن أربعة أشهر ولا سنة ولا جماعة أقدام والذي وجدنا أن الله اشترى من المؤمنين كل حياتنا وأموالنا" إلى أن قال الشيخ : "لما أن الله سبحانه وتعالى لم يطلب منا خروج سنة ولا أربعة أشهر فلماذا نحن نفعل هذا؟
الجواب حتى نتعود على التضحية بالمال والنفس في سبيل الله -عز وجل- وقال لنا الشيخ مرة "مرة كنت في جدة وعندما بدأ التشكيل قلت: من المستعد أربعين يوماً، فقام أحد الشباب فقال: يا شيخ لماذا أربعين فقط فقلت: مَن المستعد تسع وثلاثون يوماً" إلى غير ذلك من أقوال أكابرهم.
وأما الثاني: فوجود العمل على غير المعروف من أربعين يوماً في السنة، فهناك مثلاً من يخرج سنة ونصف، وهناك من يخرج عشرة أيام، وخمسة عشر يوماً، وغير ذلك كل بحسبه، فعلم من هذا أن الجماعة لا تحدد وقتاً دون سواه وإذا ثبت أن هذا ترتيباً وليس تحديداً وهو ترتيب لم يكن المقتضى له في زمن السلف، ومن تأتي مشروعية هذا الأمر وإنما أشكل على من أشكل عليه لعدم وجود نص فيه والله أعلم.
وبعد ذلك ننتقل إلى الإشكال الرابع ألا وهو لماذا تسمح الجماعة بخروج العوام مما يعرض هؤلاء العوام لأن يقعوا في الخطأ بسبب جهلهم بكثير من الكتاب والسنة؟ فأقول: إن الإشكال الثاني والذي كان منصباً على إثبات خروج العوام ومشروعية قيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب علمهم فقط دون التجاوز إلى غيره شيء، وأما هذا فهو عبارة عن سبب السماح لبعض العوام بالدعوة مع مخالفتهم لتوجيهات علمائهم فنجدهم يقولون مثلاً قال الله تعالـى: ويأتـون بالحديث والعكس.
وتجد بعض العوام يورد الآية أو الحديث ثم يقوم بشرحه من غير بينة إلى غير ذلك من الأمور التي تخالف الشرع ويقوم بها بعض هؤلاء العوام فكأن الذي يسأل يقول: أنا أقر بالسماح للعامي بأن يدعو إلـى الله ولا يتعد علمه، وأما إذا تعدى علمه فلماذا تسمحـوا لهـذا العامي بالدعوة؟ والجواب على هذا يحتاج أولاً إلى إثبات قاعـدة، وبعد ذلك نجيب.
يقوم الإمام الشاطبي في الموافقات الجزء الثاني، ص372: "وقد تكون المفسدة مما يلغي مثلها في جانب عظم المصلحة وهو مما ينبغي أن يتفق على ترجيح المصلحة عليه" ثم أورد الإمام الشاطبي مثالاً لذلك ثم قال: "ومثل هذا إذا اتفق يلغي في جانب المصلحة فيه ما يقع من جزئيات المفاسد فلا يكون له اعتبار".
وقال في الجزء الرابع، ص194 "والنظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً سواء كانت الأفعال موافقة أو مخالفة وذلك أن المجتهد لا يحكم على الأفعال الصادرة من المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ ولكن له مآل على خلاف ذلك فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بعدم المشروعية فلا يصح القول بعدم المشروعية".
ثم أخذ الشيخ يثبت هذه القاعدة إلى أن قال: "وهذا ما فيه الاعتبار في المآل على الجملة وأما في المسألة على الخصوص فكثير" فقد قال في الحديث حين أشير عليه بقتل من ظهر نفاقه "أخاف أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه" وقوله: "ولولا قومك حديث عهدهم بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم" إلى آخر ما قاله الشاطبي -رحمه الله-.
ومما تقم للإمام رحمه الله نفهم أن الشارع ينظر إلى المصالح والمفاسد فما غلب منهما غلب حكمه ولزيادة البيان نورد الحديث الآتي:
أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله يقول: غزونا مع رسول الله r وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل لعاب فكسع أنصارياً فغضب الأنصاري غضباً شديداً حتى تداعوا وقال الأنصاري: يا للأنصار. وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فخرج النبي r فقال: "ما بال دعوى أهل الجاهلية - ثم قال: ما شأنهم فأخبر بكسعة المهاجري للأنصاري قال فقال النبي r دعوها فإنها خبيثة وقال عبد الله بن أبي سلول أفتداعوا علينا لإن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فقال عمر: ألا تقتل يا نبي الله هذا الخبيث فقال النبي r لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه" (انظر فتح الباري، ج6، ص546).
فأنت ترى أن النبي r لم يقتل هذا المنافق مع أنه ظهر نفاقه وعلل النبي r ذلك بقوله: "لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه" فلما كان هذا الرجل ذو شوكة يحصل بقتله مفسدة لثائرة قومه، وكان ظن بعض الناس أنه مسلم فلو قتله رسول الله r لنفرت القلوب عنه فاقتضى الأمر تأليف قلوب الناس لأنه أعظم من مصلحة قتل هذا المنافق، فعند ذلك عمل رسول الله r بأخف الضررين وأعظم المصلحتين، مع أنك أيها القارئ الفاضل تعلم أن هذا المنافق كانت مهمته إيقاع الفتنة بين المسلمين وتحريض الكفار عليهم.
ونرجع إلى أصل المسألة فنقول: لا شك أن بعض العوام الذين يخرجون للدعوة يقعون في مثل تلك المخالفات المتقدمة إلا أنهم في الواقع قليلون جداً بالنسبة إلى باقي العوام الملتزمين بأصول المشائخ القائمين على هذا العمل، والدليل على ذلك الواقع المشاهد حتى أن هذه الجماعة اشتهر عنهم بالتواتر أو ما يشبهه أنهم لا يتكلمون في مسائل الفقه ولا الفتوى، فهم قليلون بالنسبة للآخرين فنحن عند ذلك نقول: لا شك والله أعلم أن المصلحة المترتبة على خروج العوام هؤلاء أعظم بكثير جداً من المفسدة التي تقع بسبب جهل بعضهم، أضف إلى ذلك أن العوام الذين يقعون في الخطأ هم بأنفسهم محتاجون إلى الفهم والعلم والعمل، فلو أننا منعناهم من الخروج مع الجماعة لترتب على ذلك مفسدة بالنسبة لهم كتقصير بعضهم في أوامر الله، وضعف بعضهم في محاربة الهوى والشيطان إلى غير ذلك من المفاسد، ومن هنا ظهر أن العوام الذين يقعون في الخطأ لا يتم علاجهم بمنعهم وإنما يتم الشفاء بتعليمهم وإرشادهم في داخل هذا العمل، وهذه مهمة كل عالم وطالب علم يخرج مع الجماعة، بل الأمر كما قال بعض فضلاء علماء أهل الحجاز أنه ينبغي على أهل العلم والبصيرة أن يخرجوا معهم ويعلموا جاهلهم ويسدوا النقص الذي قد يقع من بعضهم وهذا كلام قوي وجيد جداً لأنه منظور فيه لعظم المصلحة التي ترتبت على خروج هؤلاء العوام كدخول كثير من أهل الكفر في الإسلام، ورجوع أهل المعاصي إلى طاعة الله -عز وجل- فعلى طالب العلم أن ينظر إلى ما أثبته الشاطبي ثم ينظر إلى ما ذكرته مع النظر والتأمل في حديث البخاري فعند ذلك يتضح الجواب إن شاء الله والله المستعان.
ومما انتقدت به هذه الجماعة قول المعارض عنهم: إنهم لا يستعملون المنشورات والكتيبات وغيرها من وسائلي الكتابة في الدعوة إلى الله مع أن النبي r استعمل مثل هذه الوسائل، وهذا واضح من سنته وتتبع أخباره؟ فأقول في الجواب عن ذلك والله الموفق إن من المعلوم أن الفرائض عينية وكفائية فأما العينية فهي التي تتعين على كل أحد من المسلمين المكلفين وأما الكفائية فهي التي لا تتعين وإنما تطلب ممن يستطيع أن يقوم بالأمر أو كان بإمكانه إقامة غيره، يقول الإمام الشاطبي في الجزء الأول، ص176 المسألة الحادية عشر طلب الكفاية يقول العلماء بالأصول أنه متوجه على الجميع لكن إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين وما قالوه صحيح من جهة كُلِّيِّ الطَّلب وأما من جهة جُزْئيَّهِ ففيه تفصيل وينقسم أقساماً ربما تتشعب تشعباً طويلاً ولكن الضابط للجملة من ذلك أن الطلب وارد على البعض ولا على البعض كيف كان ولكن على من فيه أهلية القيام بذلك الفعل المطلوب لا على الجميع عموماً. والدليل على ذلك أمور:
أحدهما: النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى:
]وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة[( ) الآية.
فورد التخصيص على طائفة لا على الجميع وقوله:
]ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف[( ) الآية.
وقوله تعالى: ]وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم[( ) الآية
وفي القرآن من هذا النحو كثير ورد الطلب فيها نصاً على البعض لا على الجميع إلى أن قال الشاطبي وكذلك الجهاد حيث يكون فرض كفاية إنما يتعين القيام به على من فيه نجدة وشجاعة وما أشبه ذلك من الخطط الشرعية فلا يصح أن يطلب بها من لا يبدئ فيها ولا يعيد، قال الشاطبي وفي الحديث لا تسأل الإمارة وهذا النهي يفيد أنها غير عامة الوجوب، ثم قال الشاطبي في نهاية المسألة فأنت ترى أن الترقي في طلب الكفاية ليس على ترتيب واحد ولا هو على الكافة بإطلاق، ولا على البعض بإطلاق، ولا هو مطلوب من حيث المقاصد دون الوسائل ولا بالعكس بل لا يصح أن ينظر فيه نظر واحد حتى يفصل نحو من هذا التفصيل ويوزع في أهل الإسلام بمثل هذا التوزيع وإلا لم ينضبط القول فيه بوجه من الوجوه والله أعلم وأحكم. أ. هـ.
وبعد ذلك نرجع إلى أصل المسألة فأقول إن جماعة التبليغ فيهم كثير من العوام فمثل هؤلاء لا يطلب منهم أن يستعملوا ما ذكره المنتقد لعدم أهليتهم فإن قلت لماذا لا يستعملها كبراؤهم؟ فالجواب أن تنظر فيما قرره الشاطبي وملخصه أننا نقول إن استخدام الكتابة واستعمال المنشورات من المشروع استخدامها ولكنها لا تتعين على كل أحد فهب أن طائفة من المسلمين قامت بمثل هذا الواجب كالرد على الشيوعية مثلاً ألم تكن هذه الطائفة أدت هذا الواجب؟! فالمقصود كما قال الشاطبي أن الفرض لا بد أن يوزع في أمة الإسلام فيجب على مجموعات الأمة بأن تقوم بما تأهلت إليه ونشطت له إن كان هذا الأمر مما يقيم مصالح الأمة ومن جهة أخرى فأنت ترى أن النبي r نهى أبا ذر رضي الله عنه- عن الإمارة مع أن الإمارة من المطلوبات الشرعية لماذا؟ لأن قد وجد غيره يقوم بهذه المصلحة وهذه الإجابة تحتاج إلى تأمل وارجع إلى ما قرره الشاطبي في موافقاته أضف إلى ذلك أن جماعة التبليغ لا تمنع مثل هذه الوسائل ولم يلجئوا إليها لأن الضرورة لم تدعهم إلى ذلك حيث أن هذا الفرض إن جاز أن نقول إنه كذلك قد قام كثير من الأمة به أقصد الكتابة والمنشورات وأما الدعوة الشخصية والتحرك إلى تجمعات الناس بها فَقَلّ من يقوم بها فكما أن الجماعة لا تنكر وسائل الكتابة وما أشبهها فلا يجوز كذلك لمن تخصص في هذا الأمر أن ينكر عليهم جهدهم أو يقول لماذا لا تقوموا بمثل ما نقوم به ومما انتقدت به هذه الجماعة قول بعضهم لماذا تخصص جماعة التبليغ الدين في ست صفات فأقول أولاً أن الجماعة لا يخصصون الدين بهذه الصفات الست وإنما هم يجعلونها وسائل للقيام بالدين يقول الشيخ إلياس في ملفوظاته( ) "أن هذه الصفات إنما هي كالألف والباء في دعوتنا" ويقول الشيخ عمر بالمبوري "سفيه سفيه سفيه من يقول أن الدين في هذه الصفات الست فقط" إذاً فالجماعة لا يخصصون الدين في هذه الصفات الست وإنما يجعلونها منهاجاً تربوياً يتربى عليه الناس بادئ أمرهم ثم بالترقي يأتي في حياتهم كمال الدين إن شاء الله تعالى وهذا الأسلوب إنما هو وسيلة شرعية لمقصد شرعي مطلوب فلا معنى لقول من يقول والله يغفر له ولنا أنهم يخصصون الدين في ست صفات ولزيادة الإيضاح أعطيك أيها المحب بعض الأمثلة حتى تبين لنا ولك الأمور فأقول من المعلوم أن النبي r كان يأتيه الرجل من أصحابه فيوصيه ببعض الأمر ويوصي غيره بأمر آخر يقول الإمام الشاطبي وأما الضرب الثاني وهو الاجتهاد الذي يمكن أن ينقطع فهو ثلاثة أنواع ثم قال الشاطبي -رحمه الله- والثالث هو نوع من تحقيق المناط المتقدم الذكر لأنه ضربان فذكر الشاطبي الاجتهاد الأول ثم قال عن الثاني وهو مرادي في هذه المسألة (أما الثاني وهو النظر الخاص فأعلى من هذا وأدق وهو في الحقيقة ناشئ عن نتيجة التقوى المذكورة في قوله تعالى:
]إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً[ ( )
وقد يعبر عنه بالحكمة ويشير إليه قوله تعالى:
]يؤتي الحكمة من يشاء[ ( )
إلى أن أوضح الشاطبي فقال: "فمن ذلك أن النبي r سئل في أوقات مختلفة عن أفضل الأعمال وخير الأعمال وعرف بذلك في بعض الأوقات من غير سؤال فأجاب بأجوبة مختلفة كل واحد منها لو حمل على إطلاقه أو عمومه لاقتضى مع غيره التضاد في التفصيل ففي الصحيح أنه r "سئل أي الأعمال أفضل. فقال: إيمان بالله. قال: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قال: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور". وفي النسائي عن أبي أمامة قال أتيت النبي r فقلت مرني بأمر آخذه عنك فقال: "عليك بالصوم فإنه لا مثل له" في الترمذي: أي الأعمال أفضل درجة عند الله يوم القيامة. قال: "الذاكرين الله كثيراً والذاكرات" إلى أن قال الشاطبي: وفي مسلم أي المسلمين خير. قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" وفيه سئل أي الإسلام خير. قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" وفي الصحيح: "وما أعطي أحد عطاءً هو خير وأوسع من الصبر" وفي الترمذي: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" وفيه: "أفضل العبادة انتظار الفرج" إلى أشياء من هذا النمط جميعها يدل على أن التفصيل ليس بمطلق ويشعر إشعاراً ظاهراً بأن القصد إنما هو بالنسبة إلى الوقت أو إلى حال السائل" أ. هـ.
وإنما مقصدي من هذا النقل الذي نقلته لك عن الشاطبي -رحمه الله- أن نفهم أن إعطاء وسائل تربوية قد يكون بحسب النظر إلى حال الناس أو حسب الوقت ولا يعني ذلك تخصيص ولا نفي لبقية شرائع الدين فمثلاً توجيهه r للشباب بقوله: "يا معشر .. فعليه الصوم"( ) لا يفهم منه صوم فقط وكذلك توجيهه r لبعض الصحابة للذكر والقرآن وإطعام الطعام وإقراء السلام كل ذلك كذلك إذن لا مانع أن يجتهد بعض أهل العلم كالقائمين بعمل التبليغ فيقولوا نجتهد على ست صفات حتى يأتي فينا بقية الدين فهذه وسائل وليس كل الدين وهذه بمثابة تعليم النبي r وسائل للسائل حتى يرقى من خلالها إلى لب الدين فكما أن توجيه أبي القاسم لبعض أصحابه لأن يلتزموا بصفات معينة لا يلزم منه حصر الدين في هذه الصفات فكذلك توجيه أهل العلم للعوام بصفات معينة لا يعني حصر الدين في صفات وإنما هذه وسائل شرعية لمقصد شرعي ونظر اجتهادي مصلحي للتربية والتعليم والحمد لله رب العالمين وأما عن حضور يوم الخميس فهذا ليس بشيء وسيأتي الجواب عليه ضمن مناقشتي مع بعض مشائخ التبليغ.
وأما انتقاد المنتقد لهذه الجماعة بأنهم لا يجمعون التبرعات الخ .. فجوابه أن ذلك يدخل ضمن ردي على من قال أن هذه الجماعة لا يستخدمون المنشورات وملخص الجواب أن ذلك وهو جمع المال لمصلحة شرعية يدخل في الفروض الكفائية التي لا تلزم كل أحد القيام بها. ثم أقول من أين علم المنتقد أنهم لا يفعلون ذلك؟ فإن قال لعدم ظهورها. قلت إن عدم ظهورها لا ينفي وجودها لأن مثل هذه الأعمال لا يلزم إظهارها ثم إنهم يقولون إننا لو فتحنا مجال التبرعات وأظهرناه لظن الناس أن مقصدنا المال فعند ذلك يعطوهم المال ويجلسون في بيوتهم وليس هذا من مقصد الجماعة قط.
خلاصـة الأمر أن هذا من أضعف الانتقادات الموجهة إليهم. والله أعلم.
وأما قول المنتقد لماذا لا تقوم هذه الجماعة بتدريس مسائل الدين ويهتمون بالفضائل فقط فالجواب من عدة أوجه:
أولاً: أن هذا الانتقاد لا بد أولاً أن يقيد (ضمن خروجهم) وإلا فإنهم في مدارسهم في الهند والباكستان يُدّرسون المسائل.
ثانياً: لا بد من بيان حول هذا الانتقاد ومراد السائل هل يقصد بالمسائل المسائل العينية كتعليم الوضوء والصلاة مثلاً أم يقصد الخلافية فإن قصد الأول فقوله باطل لأننا نرى تاركي الصلاة يخرجون معهم فيعلمونهم ما لا بد منه من الأحكام وهذا الأمر أوضح من إيراد الوقائع للدلالة عليه فهو واضح أشد الوضوح في دعوتهم.
وإن كان يقصد الثاني فعند ذلك نقره على هذا الخبر حيث أنه عُلِم أنه من أصولهم ترك الخوض في الخلافيات. فعند ذلك يأتي الجواب فأقول 'ن هذا له وجهين من النظر أولهما العوام، ثانيهما العلماء.
أما الأول فلا يرد عليه النقد لأن عوامهم لا مدخل لهم في الخلافيات ولا الإنكار فيها وأما الأمور الواضحة فإنهم يجتهدون فيها ويبينوها.
وأما العلماء فإن الاعتراض وارد عليهم وتوجيهه أن المعارض يقول إن السلف من لدن الصحابة والتابعين كانوا يبينون مسائل الخلاف حسب ما يترجح عند كل واحد منهم وهذا واضح لما هو منقول في سيرهم فعند ذلك فقولكم نحن لا نخوض في المسائل الخلافية يخالف ما كان عليه السلف.
فالجواب أنا نقول إن ما قال المعترض من أن علماء السلف كانوا يتكلمون في الخلافيات ويبينوها حق لا شك فيه ولكن هل كان هذا الأمر أعني الخوض في المسائل فرض على جميع علماء الأمة؟ الجواب أن هذا فرض كفاية بدليل أنا وجدنا السلف -رحمهم الله- (أقصد بعضهم) يتوقف عن الفتيا لوجود غيره وهذا معلوم جداً لا يخفى من منهج السلف. فإذا تقرر إن التحدث بالخلافيات فرض كفاية إذا وُجد طائفة من العلماء يبينوها فعند ذلك نقول هب أن علماء التبليغ لا يتدخلوا في المسائل فعند ذلك نقول إن هذا فرض كفاية فيسقط الاعتراض.
إلا أن هاهنا نظراً وهو أنه قد يكون الأمر كذلك بشرط أنهم لا ينكرون بيان الخلافيات من غيرهم فالجواب أننا سنبين أنهم لا ينكروا الخلافيات من جميع العلماء وإنما يمنعون ذلك ضمن خروجهم فحسب. فقد كفاهم البحث في الخلافيات وهم قد كفوا غيرهم بجهد السفر للدعوة والتنقل بها وهذا ينطبق تماماً على القاعدة التي قررها الشاطبي بأن فروض الكفاية يجب أن توزع في الأمة.
فإن قيل فهل هناك مصلحة من ترك البحث في الخلافيات ضمن خروج التبليغ. قلنا نعم ألا وهي تأليف القلوب على الفضائل واجتماعها على الألفة وحتى لا تؤدي هذه الخلافيات لتفرق القلوب وبعد ذلك لا بأس بالتدخل بالخلافيات -أقصد بعد تأليف القلوب.
فإن قيل يلزم من هذا أن العلم قد يفرق ويأتي بالشحناء وهذا القول يصعب تبينه.
فنقول ليس الأمر كذلك وإنما عدم فهم العلم هو الذي يؤدي إلى ذلك لا العلم نفسه وإليك هذين الحديثين فإن فيهما بيان للاعتراض -فتدبر-
أخرج البخاري في صحيحه عن رسول الله r قال: "اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه" رواه عن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله .. في باب كراهية الاختلاف.
وأخرج البخاري بسنده -في باب تأليف القرآن- أخبرني يوسف بن ماهك قال إني عند عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- إذ جاءها عراقي، فقال: أي الكفن خير؟؟ "قالت ويحك وما يضرك قال يا أم المؤمنين أريني مصحفك قالت: لم؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبداً ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبداً. لقد نزل بمكة على محمد r وإني لجارية ألعب. بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر. وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده. قال: فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور".
ثم قال الحافظ (قوله "نزل الحلال والحرام") أشارت إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل وأن أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد والتبشير للمؤمنين والمطيع بالجنة والعاصي بالنار فلما اطمأنت النفوس على ذلك أنزلت الأحكام ولهذا قالت: ولو أنزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندعها وذلك لما طبعت عليه النفوس من النفرة على ترك المألوف .. الخ ما قال.
قلت: وفي هذين الحديثين جواب واضح عن الإشكال بعد التأمل وربط البحث أوله بآخره والله المستعان.
وأما قول المعترض لماذا لا يشاركون في الانتخابات … الخ فهو ساقط لوجوه:
1- عدم ثبوته عنهم بل الثابت في ذلك خلاف بين أكابرهم والدليل على ذلك يقول الشيخ بالمبوري: (ونتجنب السياسة والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين) وسيأتي نصه بعد ذلك. ويقول الشيخ عبد الوهاب: (ونتجنب اصطلاح السياسة ..) وسيأتي كذلك. وقلت للشيخ زين العابدين إن عندنا بعض الأخوة من غير جماعة التبليغ يشاركون في الانتخابات في الجامعة مثلاً وهم ملتزمون وينافسهم في الانتخابات شيوعيون مثلاً. فهل يجوز أن نشارك في هذه الانتخابات حتى يعلو الأخوة الملتزمون فقال الشيخ: نعم) وقلت للشيخ نذر الرحمن هل يمكن أن نشترك في الانتخابات فقال: نعم ونحن هنا نشترك في الانتخابات عند المصلحة) ويقول الشيخ غلام (وكنت اشتركت في الانتخابات فغضب المشائخ لذلك) إذن فالقضية عندهم خلافية وإن كان الغالب في منهجهم عدم الخوض في الانتخابات. ولكن ها هنا سؤال هب أن الاشتراك في الانتخابات بالصورة الحديثة المبتدعة مشروع فهل هو فرض عين.
وأما الإشكال الذي بعد هذا فجوابه أن ترك ذلك إنما هو لأجل الترقي بالمدعو من المهم إلى الأهم ويشير لذلك حديث أم المؤمنين عائشة -رضي اله عنها- ويشير إليه أيضاً ما رواه أبو داود (باب ما جاء في خبر الطائف) عن وهب قال: سألت جابراً عن شأن ثقيف إذ بايعت قال: اشترطت على النبي r أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع النبي r بعد ذلك يقول: "سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا". ورواه بسند ثان عن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله r أنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم فاشترطوا عليه أن لا يحشروا ولا يعثروا ولا يحبوا فقال رسول الله r: "لكم أن لا تحشروا ولا تعثروا ولا خير في دين ليس فيه ركوع". قلت: ورواه أحمد كذلك.
فأنت ترى في هذا الحديث أن النبي r يلطف معهم في ترك بعض الأمور ليس إنكاراً لأصلها وإنما عدم العمل بها فقط، مع العلم بها، حيث أنهم طلبوا منه الرخصة فلو لم يكن عندهم العلم بفرضيتها ففيما الرخصة إذن؟!
ثم إن النبي r علل أمره ذلك بقوله: "سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا".
إذن فلا بد من التدرج بالارتقاء من الأهم إلى المهم مع عدم الإخلال والمجاملة في الحكم الشرعي.
لذا فإنك ترى أن أكثر المنتمين لهذه الجماعة ملتزمين بالسنة لأن الترك نوعان: ترك وقتي بقص الإسقاء، وترك كلي لعدم المبالاة فالأول سائغ عند وجود مقتضيه، والثاني باطل لا شك فيه فتدبر لتفهم؟
وأما الاعتراض الأخير وهو أنهم يحملون لفظة "في سبيل الله" الواردة في الجهاد على خروجهم، وفي ذلك تحميل النص مالا يتحمل.
فالجواب: أخرج البخاري -رحمه الله- في صحيحه -باب المشي إلى الجمعة بسنده .. حدثنا عباية بن رفاعة قال أدركني أبو عيسى وأنا أذهب إلى الجمعة فقال: سمعت النبي r يقول: "من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار".
وأخرج البخاري كتاب الجهاد- باب من اغبرت قدماه في سبيل الله بسنده .. أن رسول الله … فذكره، ثم قال الحافظ: وقد أورده المصنف في فضل المشي إلى الجمعة استعمالاً للفظ على عمومه).
انتهى والحمد لله أولاً وأخيراً.

شبكة الدعوة والتبليغ

http://www.binatiih.com

 
 
المشاركة السابقة : المشاركة التالية


 
 

أعلى الصفحة

برنامج البوابة العربية 2.2