لما كان القلب للأعضاء كالملك المتصرف في الجنود الذي تصدر عن أمره كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أول ما اعتمد عليه السالكون والنظر في أمراضه وعلاجها أهم ما تنسك به الناسكون قال تعالى (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) الشعراء 88-89،وقال صلى الله عليه وسلم (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب) متفق عليه.
ولقد تعددت وتنوعت أقوال الامام الحسن البصري رحمه الله التي تقرر هذه القاعدة التربوية الجليلة القائمة على تطهير القلب من أدران الشرك والحقد والغل والحسد و … و … ( والغيرة المذمومة ) وإصلاحه بالإيمان واليقين والمراقبة والطاعات ومختلف أنواع القربات فيقول رحمة الله عليه: ما أيقن عبد بالجنة والنار حق يقينهما إلا خشع وذبل واستقام واقتصد حتى يأتيه الموت. وقال: باليقين طلبت الجنة وباليقين هربت من النار وباليقين أديت الفرائض على أكمل وجهها وباليقين أصبر على الحق وفى معافاة الله خير كثير. وقال: الناس في العافية سواء فإذا نزل البلاء سكن المؤمن إلى إيمانه والمنافق إلى نفاقه. بل إنه كان من أحرص الناس على سلامة قلبه فكان إذا فرغ من حديثه وأراد أن يقوم قال: اللهم طهر قلوبنا من الشرك والكبر والنفاق والرياء والسمعة والحقد والحسد والريبة والشك في دينك يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا
وفى النهاية يؤكد دور السلوك الطيب كثمرة حتمية للعلم النافع فيقول: يا ابن آدم والله إن قرأت القرآن ثم آمنت به ليطولن في الدنيا حزنك وليشتدن خوفك وليكثرن بكاؤك ويقول: أهينوا هذه الدنيا فوالله لأهنأ ما تكون إذا أهنتموها كما يجعل الإسلام والسلوك متلازمان في شخصية المسلم فيقول: من علامات المسلم قوة في دين، وحزم في لين، وحكم في علم، وحبس في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتحمل في فاقة، وإحسان في قدرة، وطاعة معها نصيحة، وتورع في رغبه، وتعفف وصبر في شدة، لا ترديه رغبته ولا يبدره لسانه ولا يسبقه بصدره، ولا يغلبه فرجه، ولا يميل به هواه، ولا يفضحه لسانه ولا يستخفه حرصه ولا تقصر به نيته.
قال ابن القيم : سبحان الله في النفس كبر إبليس وحسد قابيل وعتو عاد وطغيان
ثمود وجرأة نمرود واستطالة فرعون وبغي قارون وقحّة هامان وهوى
بلعام وحيل أصحاب السبت وتمرد الوليد وجهل أبو جهل !.
وفيها من أخلاق البهائم : حرص الغراب وشرة الكلب ورعونة الطاووس
ودناءة الجُعل وعقوق الضب وحقد الجمل ووثوب الفهد وصولة الأسد وفسق الفأرة وخبث الحية وعبث القرد وجمع النملة ومكر الثعلب وخفة الفراش
ونوم الضبع غير أن الرياضة والمجاهدة تذهب ذلك فمن استرسل مع طبعه فهو من هذا الجند ولا تصلح سلعته لعقد { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم } فما اشترى إلا سلعة هذبها الإيمان فخرجت من طبعها إلى بلد سكانه التائبون العابدون !!
وأعجب الرد من قال أمراضنا كثيرة لا نعدها ولا نحصيها ولغى الموضوع وانتهت المسألة عند هذا الحد!! و سبحان الله نعترف أن هناك أمراض كثيرة ولا نسعى في الخلاص منها ولا حتى نجلس ساعة فقط يوميا نحاسب أنفسنا لعل الله يطلع علينا فيعلم صدقنا ويرحمنا
قال ابن تيمية رحمه الله :إنه يكثر في الصالحين أن يجتنبوا الزنى وشرب الخمر ولكنهم يقعون في كبائر الذنوب باللسان كالغيبة ونحوها ومن كبائر الذنوب في القلب كالعجب والكبر والحسد ونحو ذلك . فأنت مطالبة بتزكية نفسك { قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها }
قال العلماء: علمك باطلاع الله على قلبك مع علمك بخبث قلبك وصبرك على ذلك أعظم من الذنب نفسه , لأنك كأنك تصر على الذنب ولا تريد التخلص منه ولا تقدر الله حق قدره في علمك على إطلاعه على قلبك ورغم ذلك فأنت لا تستحي منه ولا تتوب إليه !!!
والحل هو الرجوع إلى علام الغيوب وذلك بتطهير القلوب من العيوب ولن يكون ذلك حتى يعترف الواحد منا على تقصيره مع السعى في فكاك رقبته من النار ونجاة نفسه من العذاب قال تعالى
{ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا }
فللآخرة سعي وليس أي سعي ( تدبر)!! فالذي يريد الآخرة حقا هو الذي يتعب
ويجتهد في طلبها , لا أن نجلس مكتوفي الأيدي ونحن نلقي أنفسنا بأيدينا
إلى التهلكة
من كل من يريد الله حقا ويريد نجاة نفسه وأمته أن يتفاعل معنا ويجاهد نفسه
في البحث والعمل والتطبيق فهذا باب خير فتح لك فلا تغلقه في وجهك ,
احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز.
شبكة الدعوة والتبليغ
http://www.binatiih.com |