مازال العمل جاري في تطوير الموقع وفقنا الله وإياكم لكل خير وسدد خطنا وخطاكم على طريق الحق

 

شبكة الدعوة والتبيلغ » المواضيع » كـتـب ورســــــــــــــائل


شرح وتبيين لبعض كلام أهل الدعوة المبلغين

 

 

 

شـــرح وتبيــــين لبعض كلام أهل الدعوة المبلغين

 بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ{ . {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} . {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى ، وأحسن الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد : فقد اطلعت على مقال جيد لأحد الإخوة الكرام على شبكة الدعوة والتبليغ , جمع فيه نبذ من كلامهم , وقطوف من حدائق إيمانهم , يتلألأ منها نور اليقين , ويشع منها توحيد رب العالمين , ساروا بها فى العالمين ينيروا بها طرق الضالين , ويهدوا بها الحائرين إلى سبيل رب العالمين , اقتداءا بسيد المرسلين عليه الصلاة والسلام . ولما كانت الحرب قائمة على أهل الدعوة الكرام فى كل مصر من الأمصار بغير دليل أو بدليل فى غير محله فى غالب الأحيان , وتكالب أسنة الرماح على كلامهم, أحببت أن أشرح بعض جمل من كلامهم , التى جرت على ألسنتهم , حتى لا يفهمها مغرض على غير ما يريدون ,ويأخذ مجملات لفظية من كلامهم ثم يلوى أعناقها ويحرفها عن معانيها إلى معانى لا تصح مطلقا أو تشوبها شائبة . وجل تلك الجمل من المجملات اللفظية والتى تصلح أن تكون قواعد عامة للدعاة إلى الله ع وجل , لتضمنها واشتمالها على مسائل جامعة لفقه الدعوة والواقع . وهى بحمد الله جل وعلا مستنبطة من الكتاب والسنة , وقد قربتها للقارىء بفهم سلف الأمة رحمهم الله عز وجل , وقد أوجزت فيها قدر المستطاع حتى تكون سريعة الإستذكار ,وأسأل الله تعالى أن ينفع بها كاتبها وقارئها وناشرها ابتغاء وجه الله عزوجل ,إنه ولى ذلك والقادر عليه . كتبه أبو إلياس طه بن إبراهيم القلموشى المصرى فى يوم الأحد الموافق 17 من ذى الحجة 1432 الموافق 13/11(نوفمبر)/2011 1-( الجهد على النفس للترقي في دين الله ,لا يمكن إلا بالدعوة إلى الله) يقصد أهل الدعوة بهذه الجملة أن أفضل الأسباب المعينة على الترقى فى الأعمال الصالحة والثبات عليها حتى الممات .والإنتفاع المرجو كما ينبغى .هى الدعوة إلى الله عز وجل واتباع الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم . ولا شك فى ذلك مطلقا .كيف لا والذى يتحدث عن الله عز وجل يعظ نفسه كلما وعظ غيره .إذ إن أذنيه أقرب إليه من آذان مستمعيه .وكذلك الذى يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يكون أبعد الناس عن المنكرات وأقربهم إلى المعروفات .-إلا من عفا الله عنهم من قلة قليلة تخالف أفعالها أقوالها – .وسبب الجزم فى المقولة (لا يمكن إلا ب ) لأن السبب الأكبر الوحيد الذى يثبت الإنسان على الإيمان والعمل الصالح هو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أمر صعب وشديد وثقيل على النفس ولا يتحمله إلا من اصطفاه الله عز وجل لحمل أمانة الدين والبلغ عن رب العالمين .فقد يؤذى ويشتم ويضرب ويسب ويلعن ويشهر به بل ويطرد أو يسجن . وغير ذلك من ألوان العذاب .وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال (حفت الجنة بالمكاره )فطريق الجنة محفوف بالمشاق والمتاعب والمكاره. والدعوة إلى الله من أهم وأعظم طرق الجنة التى عليه مدار تبليغ الدين ونشره فى العالم كله .فلا يحزن الداعى إلى الله والسالك لهذا الطريق التابع لرسول الله على منهاجه . وكفاه شرفا ان قال الله عنه( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إننى من المسلمين ) فانظر إلى ترتيب الآية كيف بدأت بالدعوة إلى الله . ومعنى الأية أن من أسلم ليس أفضل ممن أسلم وعمل صالحا . ومن أسلم وعمل صالحا ليس أفضل ممن أسلم وعمل صالحا ودعا إلى الله عز وجل . فالأية تعنى أفضلية من اجتمعت فيه الثلاثة وليس من دعا فقط . وللدعوة آداب وطرق ووسائل وأصول وأحكام وفقه .ليس هذا محل البسط فيها .والله اعلم. 2 – (الهداية نور يقذفه الله في قلب العبد ,على حسب الطلب والتضحية والجهد والإجتهاد) إن الهداية والإستقامة على أمر الله عز وجل فى هذه الحيوة الدنيا خير كرامة يكرم الله بها عبده.وهذه الهداية نور من الله عز وجل يقع على العبد فينشله من بيئة المعاصى إلى بيئة الطاعة . وينقله من ثلة العاصين إلى ثلة الطائعين.والهداية تظهر على الجوارح فى الفعال.ولكن مصدرها من القلب .فإذا أراد الله لعبده الهداية قذفها فى قلبه .ثم سير هذا القلب باقى الجسد وأقامه على الأمر والنهى.فقائد الجسد هو القلب وذلك مصداق قوله عليه الصلاة والسلام (إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صاح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب ) ولكن هذه الهداية لا يمنحها الله أحدا من خلقه إلا إذا كان فى قلبه الطلب والرغبة لهذا الأمر .فقدرة الإنسان بعد قدرة الله تعالى . ومشيئته بعد مشيئة الله تعالى .فلكى ينال الإنسان هذه الهداية ويظفر بها النور من الله تعالى عليه أن يسأل الله ذلك ويمرن نفسه على طلب الدعاء من الله بالهداية .ثم يأخذ بالأسباب الموصلة إلى الهداية ومنها مصاحبة الصالحين والأخيار ومجالستهم .وسماع كلامهم ومواعظهم .وسؤالهم عما يعرض للإنسان فى حياته من مدلهمات.ومطالعة القرآن الكريم بالإفتقار إلى الله تعالى وطلب الهداية من الله من صميم القلب .ويضحى بما يستطيع من وقته وماله وجهده لكل ما يوصل إلى مرضات الله تعالى .وكل ذلك وغيره من الأسباب التى توصل إلى مرضات الله تعالى. 3 – (كل شيء يحتاج إلى مجاهدة , وبعد المجاهدة في الدعوة إلى الله ,يظهر الدين في حياة الناس ,ومن ثم تنزل نصرة الله,,, " نريد النصرة قبل المجاهدة ") إن كل شىء فى هذه الحيواة يحتاج للمجاهدة حتى يناله الإنسان ويظفر به .فلا تجد شيئا يأتى فى الإنسان إلا بالجهد حتى يأتى فيه هذا الشىء. فلا تجد أحدا يريد أن يتعلم الطب دون أن يظل يدرسه فى كلية الطب سبع سنوات . ولا تجد أحدا يريد أ يتعلم الهندسة إلا بعدما يمضى خمسة أعوام فى كلية الهندسة يتعلم . وهكذا . وليس المر ينتهى على هذا الأمر بل لابد أن يمارس المهنة التى تعلمها نظريا على أرض الواقع . فإذا لم يمارس تلك المهنة فلا تجد فيه ثقلا فى مهنته .فلابد للطبيب أن يمارس الطب بين أيدى الأطباء حتى يتعلم فنون الطب .وكيف يمسك المشرط وكيف يشخص الداء وكيف يصف الدواء.وكيف يتعلم فنون الطب .وهكذا المهندس لابد له من مخالطة المهندسين فى بيئتهم حتى يتعلم فنون مهنتهم . حتى إن هذا الأمر واضح فى المهن الحرفية البسيطة التى يعلمها كل الناس مثل النجارة والحدادة والبناء والصيادة وغير ذلك . فمن أراد تعلم حرفة لابد أن يعيش حياتها ويجتهد حتى يتحصل عليها . وكذلك الدعوة إلى الله تعالى تحتاج لمجاهدة كبيرة .حتى تاتى ثمارها فى نفس الداعى وفى المدعووين. فمن دعى إلى الله دعوة بدون مجاهدة فلا تكاد تجد لدعوته ثمرة تذكر ان نتاج يرى. وصدق الله العظيم حين قال فى محكم كتابه ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) فكى يتحل الإنسان على سلوك الطريق السليم الموصل إلى رضا الله وجناته لابد أن يجاهد الإنسان نفسه فى الله عز وجل . والمجاهدة فى الدعوة إلى الله تعالى طرقها كثيرة جدا .تاتى بمجاهدة الإنسان نفسه حتى يتعلم العلم الشرعى ثم يجاهد نفسه لتطبيق هذا العلم على نفسه فى أرض الواقع وعلى من يعول او من يستطيع تطبيقه عليه . ثم يجاهد نفسه على الدعوة إلى الله تعالى لتبليغ هذا الدين للناس مسلمهم وكافرهم .عربيهم وعجمهم .صغيرهم وكبيرهم . ذكرهم وأنثاهم .وكل مرحلة من مراحل المجاهدة التى ذكرناها لا تقل عن الأخرى . وبعد المجاهدة هذه يهدينا الله عز وجل كما وعدنا فى الأية بسبيله الحق الذى هو كرامة منه على من شاء من خلقه . فيظهر الدن فى المجتمعات وتطبق الشريعة على العباد . وفضلا عن ذلك يقبل الناس بجوارحهم على الدين ويطبقون شرائعه على أنفسهم أولا . ويتخذونه منهج حياة لهم ولذرياتهم .وهذه هى نصرة الله تعالى التى يبغيها كل من يعمل لهذا الدين . ولكن للأسف هناك من الناس من يريد غير سنة الله الكونية ! وحاله " نريد النصرة قبل المجاهدة" ولكن من هذا حاله لابد أن يعدل مساره على المنهج الربانى والسنن الكونية التى لا محاباة فيها لأحد. ولو كان هناك ثمة محاباة لشرف فلا أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تتغير له نواميس الكون كلها . ولكنه عليه الصلاة والسلام بشر – وهو أفضل وسيد البشر – تسير عليه السنن الكونية كما سارت على من قبله من إخوانه الأنبياء وستسير على من بعده من أمته .والأية صريحة فى هذا المعنى .يقول الله تعالى ( وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصلحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ..)فلن نتحصل على الموعود الذى وعدنا الله إياه إلا بتقديم المطلوب منا اولا .والله أعلم. 4 – ( الله عز وجل يحيي جهد الدعوة إلى الله كما يحيي الله تعالى الأرض بمطر السماء ) هذا تشبيه من بعض العلماء أن الله عز وجل ناصر دينه ورافع رايته ومعل كلمته .أردنا ذلك أم أبينا .إجتهدنا لذلك أم عصينا .فالله قادر على كل شىء .فهو كما يحى الأرض الميتة بالماء الذى ينزل من السماء .كما قال تعالى (وانزلنا من السماء ماءا طهورا .لنحيى به بلدة ميتا )قادر بقدرته أن يحى جهد الدعوة فى البلد التى لم تنعم به .فهناك بالد كثيرة جدا يموج فيها الكفر والضلال ويعيث المفسدون فيها الفساد والإفساد .وما ذلك إلا لغياب المنهج الربانى والهدى النبوى عنهم وتأخر وصوله إليهم .ومن يقوم بالدعوة إلى الله فيهم يضيقون عليه ويعارضونه ويذيقونه ألوان العذاب ويمكرون به .فقد يضيق صدر بعض من يسمع تلك الأخبار ويزداد همه على حال هؤلاء .فهنا يقول المشايخ الكرام – من خلال فهمهم للسنن الكونية والسنن الشرعية – إن الله عز وجل محى جهد الدعوة يوما ما كما هو محى الأرض أمام أعيننا كل يوم بالمصر الهاطل من السماء . فهم يشبهون موعودا غيبيا من موعودات الله عز وجل بأمر واقع ملموس محسوس . تقريبا للأفهام .والله أعلم 5 – ( بترك جهد الدعوة إلى الله , تكون الأمة في الذلة والهوان " إذا تبايعتم بالعينة..." ). إن سبب تبعية هذه الأمة فى هذه الأيام للغرب الكافر فى كل مجالات حياتها ناتج عن تركها لسبب عزتها وشرفها ومجدها وفخرها .فلم ترتفع امتنا فى ماضينا المشرق الذى نعتز به إلا باعتزازهم وتمسكهم بالمنهج الصحيح النقى الذى وضعه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .ولن نعود إلى ما كنا عليه إلا بعدما نعود أولا إلى ديننا . ونسلك مسلك نبينا وقدوتنا وهادينا عليه الصلاة والسلام .والدعوة هى الأصل الأصيل والركن الركين الذى ينبنى عليه نشر هذا الدين . فوالله لو كانت الأمة كلها قائمة بهذا الدين كله فى بيوتهم وتخلوا فقط عن الدعوة إلى الله فلن ينتشر الدين أبدا بين الناس .ولو كان الصحابة الكرام جلسوا يتعبدون الله عز وجل بدينهم فى أطهر البقاع وأشرف الأماكن وأحبها إلى قلب رسول الله وإلى قلوبنا وهى مكة المكرمة , لما خرج الإيمان من جزيرة العرب . ولكن الله يريد منا أن نتحرك بهذا الدين ونقوم بالدعوة إلى إليه كما أراد وكما أمر رسوله عليه الصلاة والسلام . 6 – ( كم تلونا الآية " إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ "ولكن ما فهمنا.) كثير من الناس يقرؤن هذه الأية ويتغنون بها ولكن قلوبهم لاهية عن معانيها ساهية عن مغازيها .أن مقصود الأية الكريمة أن الزوجات والأولاد فى أكثر الأحوال فتنة للإنسان إذا لم يجتهد عليهم لتحويل مسارهم إلى الله عز وجل ودلالتهم على طاعته جل جلاله وامتثال أوامره .وهذا أمر ظاهر وبين وواضح لكل بصير .فكم رأينا ونرى كل يوم من الآباء والأمهات من يسامون سوء العذاب من أبنائهم وكم رأينا من الأزواج من يعاقرون الضيق والضنق من زوجاتهم وكم رأينا من الزوجات من تعانين المآسى والمتاعب من أزواجهن .وما ذلك إلا بسبب البعد عن السنة والشريعة وتنكب طريق الهداية وسلوك طريق الغواية .إن من معانى الأية أن تختار لنفسك شريك حياتك ايها الزوج وأيتها الزوجة على مقياس الشرع لا على مقياس أهل الهوى والدنيا .فلا تقبل إلا من ترضى دينه وخلقه .وكذلك من معانيها ان لا تفرط فى حق زوجك وولدك من حيث النصيحة لأمر الدين .فلا تدع مخالفة تقع منهم .ولا تدع ولدك او ابنتك يطعنون فى السن دون أن تدلهم على الطريق الذى تربى عليه اهل الإيمان والتقوى من الصحابة والتابعين .وكيف تغرس فيهم حب الدين والتدين والتعلم والدعوة .وتغرس فيهم حب النبى صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه وحب الدين وحب المتدينين وحب المؤمنين والعمل لهذا الدين .ومعنى العداوة فى الأية الكريمة ان الأزواج والأولاد إذا كانوا على غير فكر الأخرة فإنهم سياعدون الرجل إذا كان على فكر الآخرة . والمطلوب ان نفهم هذه الأية فهما صحيحا بأن نأخذ حذرنا منهم بما أسلفناه من بيان الحق لهم ودعوتهم والإهتمام بهم والنصيحة لهم .فكما أننى أتعب وأكد وأكدح لأنفق عليهم كذلك يجب على أن لا أنساهم من واجب النصيحة .كيف لا وهم الرعية التى استرعانى الله إياها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته .فالرجل راع ومسئول عن رعيته . ...)والله أعلم 7 – ( نزول بركة السماء , موقوف على إقامة الدين ). والمقصود ببركة السماء ,البركة فى كل شىء .البركة فى الرزق والبركة فى الولد والزوجة والمال والبركة فى الفهم والبركة فى الدين والبركة النصرة على الأعداء .وغير ذلك . فالبركة قاعدة عظيمة داخلة فى كل شئون الحياة .لا تنفك عن إحداها أبدا . وهذه ظاهرة جدا .كما فى موعود الله عز وجل للأمة فى قوله (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم )فبإقامة دين الله عز وجل الذى هو نصرة له ينصرنا الله عز وجل على أعدانا ويثبت أقدامنا .وهذه هى النصرة الغيبية من السماء .وكذلك فى الرزق يقول الله تعالى(ولو أن اهل الكتاب ءامنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات النعيم . ولو انهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ....) فلو ءامن اهل الكتاب بالكتب المنزلة عليهم وصدقوا المرسلين لكفر الله عنهم سيئاتهم ولأدخلهم جنات النعيم ولرزقهم الله بركات من السماء والأرض ولكنهم تخلفوا وعارضوا إلا القليل منهم . ويؤيد ذلك ما فى الأية الأخرى أيضا (ولو أن أهل الكتاب ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فاخذنهم بما كانوا يكسبون ) فلو أقام الناس الدين فيهم لتحقق لهم موعود الله عز وجل .ولكن للأسف نحن نطلب الموعود دون تقديم المطلوب .والله عز وجل قد وعدنا التمكين فى الأرض – ولا شك أنه بركة من الله عز وجل – ولكن إذا ءامنا بالله واتبعنا المرسلين .وسنة الله التى مضت فى المم السابقة سارية فينا وفى غيرنا .إذ إن السنة الكونية لا تتبدل ولا تتغير إلا بتغير الأحوال .فمن اطاع الله عز وجل سير الله عليه سنن الطائعين من التعب والإضطهاد والألم حينا من الزمن ثم بعد ذلك النصر المبين والظفر بموعودات الله تعالى . ومن عصى الله تعالى سير الله عليه سننه فى العاصين من السعادة واللهو واللعب فى الدنيا – الفانية – حينا ثم الأخذ اخذ عزيز مقتدر بعد الإملاء الطويل .كما بين ذلك ربنا جل جلاله فى أكثر من موضع من كتابه .وفى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى ( وأملى لهم إن كيدى متين ) وقال صلى الله عليه وسلم إن الله يملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) وقد وضح الله تعالى ان سنة الله فى الأمم السابقة جارية على تلك الامة فقال فى كلمتين (وللكافرين أمثالها ) فمن فعل فعل الظالمين فله مثله عاقبته . ومن فعل فعل المتقين فله مثل جزائه . فنسأل الله أن ييسر لنا الهداية والرشاد .وأن يبعدنا عن الظلم والعناد .إنه ولى دلك والقادر عليه . وليعلم كل مسلم منا أننا ما هنا على الله تعالى , وما رفعت عنا بركات السماء , وما تسلط علينا عدونا الكافر , وما كثرت الفتن فيما بيننا , إلا بسبب أننا سلكنا طريقا غير طريق نبينا , وسننا لأنفسنا سنة غير سنته , وأخذنا دستورا لأنفسنا على غير شريعته – قلت أو كثرت , قربت أو بعدت ,اتحدت أشكالها وصورها أو اختلفت ,,,,, المهم أن هناك تنكب لطريقه , وبعد عن سنته – ومن صور تنكب طريق سيد الأنام عليه الصلاة والصلام , والإختلاف فى السيرة والصورة والسريرة أننا – التالى - 8 – ( رتبنا حياتنا على مقتضيات البيت والزوجة والأولاد والوظيفة , ولم نرتب حياتنا على حسب مقتضيات دين الله ) . وتلك طامة كبرى , وبلية عظمى , ومخالفة صريحة لهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ,فقد كان هديه عليه الصلاة والسلام النصيحة لأهل بيته ,ومن النصيحة الأخذ بأيديهم إلى الله ع وجل , ودلالتهم على الأمر الذى سيكون سببا – وحيدا – فى فوزهم وفلاحهم فى الدنيا والأخرة , ألا وهم أمر دينهم وعبادتهم لله وحده فقط , لا شىء سوى ذلك من حطام الدنيا الفانى . وانظر سددك الله إلى قول الله تعالى (يائيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا , وقودها الناس والحجارة , عليها ملائكة غلاظ شداد , لا يعصون الله ما أمرهم , ويفعلون ما يؤمرون ) أى يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان ، أبعدوا أنفسكم عن النار عن طريق فعل الحسنات . واجتناب السيئات ، وأبعدوا أهليكم - أيضا - عنها ، عن طريق نصحهم وإرشادهم وأمرهم بالمعروف . ونهيهم عن المنكر . وانظر رحمك الله إلى فهم سلف الأمة لتلك الأيه قال القرطبى ، قال قتادة ومجاهد : قوا أنفسكم بأفعالكم ، وقوا أهليكم بوصيتكم . قال الضحاك ومقاتل: حق على المسلم أن يعلم أَِذهله، من قرابته وإمائه وعبيده، ما فرض الله عليهم، وما نهاهم الله عنه. وفى الحديث الصحيح أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام الذى على الناس راع وهو مسئول عنهم ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم " . وقال - صلى الله عليه وسلم - : " ما نحل والد ولدا ، أفضل من أدب حسن " . وقال - صلى الله عليه وسلم - : " مروا أبناءكم بالصلاة لسبع ، واضربوهم عليها لعشر ، وفرقوا بينهم فى المضاجع " . وقد روى مسلم فى صحيحه " أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أوتر يقول : قومى فأوترى يا عائشة " . ذلكم هو فهم السلف لهذا الأمر , القيام بشئون الأهل من حيث الأمور الأخروية كما هو بالضبط قيام بأمورهم الدنيوية . ولكن كثيرا من الناس اليوم – وللأسف كثير ممن ينتسبون لمناهج إسلامية , إصلاحية – يتعاملون مع شعائر دين الله رب العالمين بشكل يناسب مصالحهم الدنيوية ويشفى غليل صدورهم . فتجدهم مفرطين فى حقوق أهليهم , غير مبالين بما يصلحهم فى آخرتهم , وغاية أمرهم لحية وجلباب , وثوب قصير , ونقاب للمرأة فقط !!!! وما درى هذا المسكين أن هذا الدين كل لا يتجزأ .فمن حمل الأمانة طولب بكليتها لا بما يحلوا له منها , فالشريعة أوامر ونواه كلها مجتمعة , فلا يصح له أن يبيح لزوجته أن تشارك الرجال فى العمل ,أو تخرج من بيتها بدون محرم – حتى ولو لحضور مجلس علم – ,أو تكثر من الخروج من البيت بحجة قضاء حوائجها , ولا تفتح لعينها الباب فتلقى لها العنان فتنظر إلى الرجال الأجانب عنها حتى ولو فى التلفاز – فالنظر للرجال محرم كما أن النظر للنساء محرم , والتلفاز كغيره – وهكذا .. ولا يصح له أيضا أن يهمل فى دعوة أهل بيته وعشيرته ونصحهم وبيان الحق لهم , ولا يصح له أيضا أن يبغض إخوانه المسلمين – حتى ولو – بحجة أنهم مخالفين له فى المنهج وهو يحذر منهم . أخى الكريم الموحد بالله , إعلم أنك مسئول عن ديانة أهل بيتك , وعبادتهم , وإصلاح قلوبهم على الله ربهم ,,, كما أنك – بالضبط – مسئول عن أكلهم وشربهم وكسوتهم والنفقة عليهم وتسمين أبدانهم . فربما يتعلوقن فى رقبتك يوم القيامة , متهمينك بالتقصير فى حقهم , قائلين ( يارب , أحضر لنا الدنيا , وما أحضر لنا الدين .. يارب , كان يزجرنا إذا قصرنا فى دنيانا , ولا يفعل ذلك إذا قصرنا فى أخرانا .. وهكذا ) فأصلح نفسك , وآل بيتك . واعلم أنك مسئول عنهم أمام الله يوم القيامة . رب نشئك على احتياجات الدين فى بلدك ومصرك , ولا تجعل همهم الأكبر دنياهم . والله ناصرك – إن شاء الله – واعلم أنه – التالى - 9 – ( على قدر الافتقار والاحتياج , يكون العطاء من الله ). نعم .على قدر افتقار الإنسان إلى الله تعالى وتوجهه إليه بكليته فى عبادته يكون العطاء من الله تعالى لهذا العبد .فكلما تضرع العبد لربه كلما قربه ربه إليه جل جلاله .وعلامة افتقار العبد واحتياجه لربه هى كمال العبودية لله تعالى .فلا يصح أن يقال أن هذا العبد مفتقر لربه محتاج إليه وفى ذات الوقت حاله عار عن العبودية له جل جلاله .أو يكون متوجها بقلبه وعمله إلى غير الله تعالى .كلا هذا لا يكون افتقارا حقيقيا ولا احتياجا حقيقيا .بل حقيقة الإفتقار هو العمل .والعطاء من الله للعبد يكون بتثبيته على صراطه المستقيم ودينه القويم .ويكون بترقيته فى جهد النبوة علما وعملا وفقها . ويكون بزهده فى الدنيا وإقباله على الآخرة .ويكون بحب العبد لإخوانه وتواضعه لهم .ويكون بالتقلل من متاع الدنيا الفانى والتزود بما يقرب للأخرة من العمل الصالح الباقى .ويكون بالورع عن المباحات التى تجر العبد إلى المحرمات .ويكون بحب هذا الدين والعمل له .ويكون بالجهد لنشر الدين فى العالم كله . كل هذه عطاءات من الله عز وجل لعبده .ويكون ذلك العطاء على قدر الجهد والإجتهاد .المترتب على الإحتياج والإفتقار لله تعالى . وعلى قدر افتقار الإنسان لربه واحتياجه له يكون التمحيص من الله تعالى تثبيتا له أحيانا وامتحانا له أحيانا .ويبتلى المرء على قدر دينه .فمن ثبت فى البلاء يعطى العطاء الجزيل الحسن. أخى الكريم إضرع إلى الله ولذ ببابه فغنه تعالى لا يرد مفتقرا لجنابه . وما وصل العالمون العارفون بالله تعالى إلا بملازمة الإفتقار لله تعالى .والإنطراع على أعتابه جل جلاله . فاتبع السنة وحكم الشريعة وافعل المعروف واترك المنكر واصبر على ما أصابك – فإنك لا شك مصاب فى هذا السبيل – وادع الناس إلى الخير الذى أنت فيه . أخى السالك طريق الهداية السائر إلى الله تعالى فى منهج الدعوة والتبليغ .إعلم أنك لن تصل إلى مرادك فى الدنيا والأخرة إلا بتحقيق مراد الله تعالى فيك. ومراده جل جلاله أن تعبده لا تشرك به شيئا .وأن توحده لا تشرك به أحدا .فحينها يكون العطاء من الله لك بالهداية والثبات .بل ولأهل بيتك وذريتك من بعدك . وتذكر ول الله تعالى ( وكان أبوهما صالحا ) فصلاحك صلاح لذريتك من بعدك .إن شاء الله تعالى . 10 – ( القلب السليم , القلب المُتَيَقّين على قدرة الله ). أيها الأحباب الكرام .إن الله عز وجل خلق الإنسان لغاية وهدف واحد ألا وهو عبادة الله عز وجل وحده لا شريك .فمن أطاع الله فهو الفائز ومن عصى الله فهو الخاسر .والذى يطيع الله عز وجل هو الذى يتيقن على قدرة الله عز وجل .ويعتقد من قلبه اعتقادا جازما أنه لا خالق لهذا الكون إلا الله ولا رازق فى هذا الكون إلا الله ولا محى ولا مميت إلا الله ولا متصرف فى هذا الكون إلا الله .فمن تيقن على ذلك صرف عبادته له يقينا عليه جل جلاله .ومن صرف عبادته لغير الله تعالى فليس متيقن على قدرة الله حقا . فكيف يعقل من رجل أنه متيقن على الله ويعترف بأن الله هو الخالق والرازق ثم تجده يصرف عبادته أو شيئا منها لغير الله تعالى !! كمن يعترف بأن الله خالق السموات والأرض وهو المحى المميت وهى الضار النافع ثم تجده يدعوا غير الله أو ينذر لغير الله أو يذبح لغير الله أو يخاف البدوى أو الدسوقى او الحسين أو غيرهم .كحال غلاة الصوفية هداهم الله تعالى .فهؤلاء لم يحققوا العبادة لله تعالى والحق أنهم لم يحققوا الإعتراف لله تعالى بالربوبية غير تلفظهم بذلك .ولكن لو كانوا فعلا متيقنين على أن الله هوالخالق لعبدوه وما أشركوا معه أحدا أو شيئا من خلقه أبدا . والقلب الذى يتيقن على قدرة الله هو الذى يلجأ إليه فى كل أحيانه .وهذا القلب هو الذى يطمئن بذكر ربه مصداقا لقوله تعالى (الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب . الذين ءامنوا وعملوا الصلحت طوبى لهم وحسن مئاب ) فالقلب السليم هو القلب الذى يطمئن بذكر الله وهو الذى يتيقن على الله عز وجل . نسأل الله أن يصلح قلوبنا أجمعين . 11 – ( بترك الدعوة إلى الله , تكون الخسارة , فيخرج الدين من حياة المسلمين ويكون الرعب فيهم , لأن القوة بيد أهل الباطل ). إن الله تعالى انزل هذا الدين ليكون حاكما على البشرية جمعاء.وفى تحكيم شرع الله عز وجل الفوز والفلاح فى الدنيا والأخرة .وفى التحاكم لغير شرع الله تعالى الخسران المبين .إذ الصانع أعلم بما يصلح صنعته فالخالق جل جلاله أعلم بما يصلح خليقته وما يفسدها .فلذلك لا يوجد فى الكون دستور ملائم للبشر إلا ما نزل من عند رب البشر جل جلاله .ولذلك قال عز من قائل حكيم (وإن تطيعوه تهتدوا)أى وإن تطيعوا الشرع المنزل لكم على هذا النبى الخاتم عليه الصلاة والسلام تهتدوا فى الدنيا بالعزة على من خالفكم والسيادة عليهم وفى الآخرة بدخول الجنة ورؤية وجه الملك العلام جل فى علاه . وما تحصل الصحابة الكرام على ما تحصلوا عليه من الأمور التى نتحدث عنها إلا بامتثالهم لأمر الله تعالى فعلا وامتثالهم لنهى الله تعالى تركا .فكانوا بحق الجيل الفريد المطبق لهذا الدين السائر على منهاج رسوله صلى الله عليه وسلم كما أراد الله ورسوله عليه الصلاة والسلام .ولما عرفوا رضى الله عنهم أجمعين أنه لن يحصل لهم عزة وشرف إلا بهذا الدين ,قاموا به حق القيام فساروا فى الأرض ينشرون دين الله عز وجل بالدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة .وبالأخلاق الكريمة والعقول المستقيمة .وما رفعوا سيفا ولا قتلوا مظلوما أبدا اللهم إلا من تعرض لهم فى نشر دعوتهم هذه .فكانوا يمهلونه ثلاثا ليال .ثم بعدها إما الإسلام ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم وإلا فالجزية يدفعها للمسلمين ويحكم المسلمون بلادهم محافظين على أموالهم وأعراضهم ذابين عنهم خطر الظالمين واعتداء المعتدين وإلا فالقتال .ولما خالف أحد قادة المسلمين فى عهد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز هذا النظام الإسلامى ودخل المدينة ليلا دون أن ينذرهم – إجتهادا منه لما رأى المدينة ذات حصون يمكن للأعداء أن يتحصنوا ويتترسوا بها وبالتالى يصعب على المسلمين فتحها فلم ينذرهم – فشكوه لخليفة المسلمين آنذاك .فكتب رقعة صغيرة للقاضى أن انظر فى أمر سكان المدينة . وما ظن حامل تلك الرسالة ان تفعل تلك الرقعة المهينة – فى شكلها وإلا فهى جليلة لما كانت من أمير المؤمنين – ما فعلت . لقد استدعى القاضى قائد الجيش واستفهم منه الأمر ثم حكم على الجيش كله أن يخرج من المدينة ثم ينذرهم ثلاث ليال ثم يدخل . وذلك بعد أن تمكن له الملك فى المدينة . ونفذ القائد أمر القاضى .فما كان من أهل المدينة إلا الإسلام . فكنت خير دعوة لهم هى تطبيق الشريعة على القريب والبعيد والذليل والشريف . كما قال صلى الله عليه وسلم ( والذى نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها ) فلا محاباة فى تطبيق الشريعة أبدا – نسأل الله أن يصلح حكام المسلمين لتحكيم شرعه – ولما تنكب المسلمون فى العصور المتأخرة ذلك الطريق الذى رسمه النبى صلى الله عليه وسلم وسار عليه سلفه الأوائل من القرون المفضلة الثلاثة الأول . تشعبت عليهم السبل فأصبحوا تائهين فى الحياة لا يفطنون أى طريق يسلكون وأى ناعق يجيبون.فثلة منهم تستجيب لناعق العلمانية وأخرى لليبرالية وثالثة للمدنية .وهكذا دواليك. بل وتكالبت عليهم الأمم كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ,قالوا أومن قلة نحن يومئذ يارسول الله ,قال بل أنتم يومئذ كثير ,ولكنكم غثاء كغثاء السيل , ولينزعن الله من قلوب عدوكم المهابة منكم وليقذفن فى قلوبكم الوهن , قيل وما الوهن يارسول الله . قال حب الدنيا وكراهية الموت ) نعم أيها الأحباب الكرام إن حب الدنيا هو السسب الرئيس فى تكالب الناس عليها وبعدهم وتناسيهم للآخرة والعمل لها . فضعف الوازع الدينى فى قلوب المسلمين – إلا من رحم الله – فتناسوا الموت ,فخافوا منه ,وخافوا من أسبابه , ومن أسباب الموت , الإستشهاد فى سبيل الله تعالى نشرا للدين وحماية للمقدسات ,فدب الوهن والخوف فى قلوبهم , فخافوا عدوهم – لا لقوته بل لضعفهم – فتبعوا عدوهم فى شكله ومضمونه .فسلط الله عدوهم عليهم بالقتل سفك الدماء وانتهاك الأعراض والمقدسات . وما - كل – ذاك إلا بترك الدعوة إلى الله عز وجل . وما - كل – ذاك إلا بالإستهانة بنشر الدين .والتذكير بين المسلمين .واحتقار من يقوم بذلك , بل ومحاربتهم من بعض فئات المسلمين . إن سبب العزة للأمة فى دينها . ولن ينتشر دينها إلا بدعوة نبيها . ودعوة نبيها كانت على الأقدام من بلد إلى بلد . ومن قرية إلى قرية . ومن قارة إلى قارة . ليفتح الله بهذه الدعوة قلوب الغافلين .وإذا تحرك الحق انزوى الباطل . وإذا وقف الحق تحرك عليه الباطل . كما قال ربنا تبارك وتعالى ( وقل جاء الحق وزهق الباطل ,إن الباطل كان زهوقا )أى حينما جاء الحق زهق الباطل تلقائيا وذلك لضعفه وانعدام مقاومته للحق . إذ قوة الرسول من قوته مرسله ,فمرسل الحق هو الله عز وجل وحده – فمن ذا يغلبه جل جلاله – ومرسل الباطل الشيطان وجنوده , فهل من مقارنة بين خالق ومخلوق ؟! اللهم لا .. لنعد جميعا إلى دعوة نبينا حتى نعود بأمتنا لعزتها ورفعتها . ونسأل الله أن نكون حقا من حملة دينة والناشرين له على منهاج رسوله عليه الصلاة والسلام .ءامين . 12 – ( ربينا أولادنا على حب المال و المنصب , كأننا نقول لهم كونوا مثل قارون وفرعون وهامان من حيث لا ندري ). هذه حكاية على الأغلب الأعم .فالمتحدث لا يعنى أنه هو كذلك ولا أنا كذلك ولا أنت كذلك ولكنه يتحدث عمن صفته هكذا وحاله هكذا .ولا شك فى ذلك فإن أكثر هذه المة واقعة فى هذا الأمر العظيم .فالكل –إلا من رحم الله –يربى أولاده على حب الدنيا والعمل لها وحب المال والعمل من أجل جمعه وحب المناصب والإنبهار بها والعمل من أجلها .ولا شك أن أكثر وأغلب أصحاب الأموال يستخدمونها كأسلافهم من الأغنياء الذين صدوا عن سبيل الله وسيدهم أو إمامهم قارون .الذى تجبر وتكبر بماله .فكانت عاقبته ما كانت .وكذلك لا شك أن أكثر أصحاب المناصب العالية الرفيعة متجبرون متكبرون سارون فى غير الطريق المستقيم .وهذا ظاهر فى حال هذه الأمة وهو فى غيرها أظهر .وعاقبتهم كما أخبر الله عنها فى القرآن .وإمامهم وسيدهم –فى التكبر والتجبر مع الفارق طبعا – فرعون وهامان .ولا نعنى بهذه المشابهة المشابهة فى الكفر _كلا كلا كلا – بل المشابهة فى جانب دون جانب .وقد كان من حال بعض من ينتسب للإسلام من الولاة والحكام من هو أضل سبيلا من فرعون وهامان .كولاة الدولة العبيدية –المشهورة بالفاطمية – والمقصود أننا أذا جعلنا مقصد حياة أولادنا المال والمنصب فلا شك أنهم سيكونوا على شفا هلكة . وقد يقول قائل نحن نريد المال والمناصب حتى نحيى بها الدين وننشره بها .نقول جزاك الله خيرا على هذه النية ونسأل الله ان يأجرك عليها خير الجزاء.ولكن هذا إذا جاء المال فنحاول استخدامه فى الخير وإذا جاءت المناصب نحاول استخدامها فى الخير أيضا اما فى حال عدم وجودها لا يجوز أن نبنى حياتنا على البحث عنها .فنحن بذلك نضيع المتيقن وقوعه –وهو الأجر من الله على الأعمال الصالحة – بالبحث عن الجائز إتيانه – المال والمنصب الذى نبحث عنه.ولا أوضح فى هذا المقام من رسول الله فقد ربى - صلى الله عليه وسلم - أهله على القناعة بعد أن اختار أزواجه البقاء معه والصبر على القلة والزهد في الدنيا حينما خيرهن بين الإمساك على ذلك أو الفراق والتمتع بالدنيا كما قال الله تعالى (( يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلا . وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيما)) فاخترن رضي الله عنهن الآخرة، وصبرن على لأواء الدنيا ، وضعف الحال، وقلة المال طمعاً في الأجر الجزيل من الله تعالى ومن صور تلك القلة والزهدوالرضا بالقليل , وتلبية مراد الله فى النفس – لا شك أنه لا أفضل منه صلى الله عليه وسلم وآل بيته فى فهم هذا المعنى وتطبيقه - ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: " ما أكل آل محمد صلى الله عليه وسلم أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر". وعنها رضي الله عنها قالت: " ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم".فانظر يارعاك الله إلى مدى الفقر والفاقة التى كان يقلب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته , مع استطاعته تلبية كل رغباته , والحصول على كل ما تشتهى نفسه .ولم يقتصر صلى الله عليه وسلم في تربيته تلك على نسائه بل حتى أولاده رباهم على القناعة فقد أتاه سبي مرة، فشكت إليه فاطمة رضي الله عنها ما تلقى من خدمة البيت، وطلبت منه خادما يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها، وقال:"لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع". ولم يكن هذا المسلك من القناعة إلا اختيارا منه صلى الله عليه وسلم وزهداً في الدنيا، وإيثاراً للآخرة.وفهما حقيقيا للمقصد الذى ارتضاه الله تعالى له , فمع جواز التنعم بالدنيا فى حدود المشروع , غير أن الأفضل والأصح هو ترك ذلك ورفضه ,نعم إنه عليه الصلاة والسلام رفض الدنيا بعد أن عرضت عليه، وأباها بعد أن منحها، وما أعطاه الله من المال سلطه على هلكته في الحق، وعصب على بطنه الحجارة من الجوع صلى الله عليه وسلم. قال عليه الصلاة والسلام : " عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت:لا يا رب؛ ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك" وكذلك حينما عرضت على رسول الله العروض – فى بداية دعوته - حتى يكون هو سيد القوم أو أغناهم فيأبى حتى يأتى الدين أولا فى قلوب الناس.وبعد ذلك إذا أتت السيادة فبها ونعمت وقد كان . فلو كان فكر من يفكرون فى أن السلطة هى التى ستقيم الدولة صحيحا , لقبل عليه الصلاة والسلام السلطة من أهل مكة , ثم بعد أن يسود عليهم – يكون سيدهم – يأمرهم بما يحب وينهاهم عما يكره , لكنه عليه الصلاة والسلام علم أنه لابد من إقامة الدين فى قلوب الناس أولا , ثم بعد ذلك تقم تلك القلوب هذا الدين على أرض الواقع التى يعيشون عليها فعلا , ثم بعد ذلك يسيرون بهذا الدين فى العالم كله .وهذا ما كان . 13 – ( الدنيا عوناً على الدين , وليس عائقاً عن الدين ). وتكميلا للفائدة فى المقولة السابقة .فسبب ذم الدنيا وما فيها هو انها فى غالب أحوالها لا تكون إلا مع الفجرة ولا يسعملونها إلا فى الإفساد ونشر الظلم والجور . اما إذا كانت فى حوزة المسلمين الملتزمين فإنهم يستخدمونها فى نشر هذا الدين ونصرته وبيان حق الله على عباده .ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الدنيا ملعونه ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلما ).فكل ما كان فى هذه الدنيا مستعملا فى نصرة الدين فلا شك أنه محبوب شرعا . وكل ما كان من شىء فى الدنيا يصد عن سبيل الله وعن دينه ويقف فى وجه نصرة الدين وناصريه . فهو مذموم شرعا.لذلك قال احد الحكماء ( غرور انت يادنيا غرور ) وهذه حكمة كبيرة لمن عقلها . فسبب الذم للدنيا هو بما تؤول إليه وليس لذات الأشياء .فالسيارة ليست مذمومة لذاتها بل بما تؤول إليه . وهذه المقوله تقال لمن سيطرت الدنيا على فكره وأصبحت شغله الشاغل .نقول له يأخى إن هذه الدنيا قد أنعم الله بها عليك حتى تكون عونا لك لإقامة الدين وليس لصدك عن الدين أو تأخذك من الدين أو غير ذلك . ونسأل الله السلامة من الفتن ما ظهر منها وما بطن . 14 – ( بمُذَاكَرَتِنا صفات صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم , يأتي فينا الاستعداد للدين الكامل لبذل الجهد فى سبيل الله تعالى ). كيف لا وهم القدوة الصالحة والأسوة الحسنة .بل وهم القلوب التى اختارها الله تعالى من خلقه لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام .ولحمل أمانة الدين بعده.وليس هذا فحسب بل اصطفاهم الله تعالى واختارهم وحباهم كل صفات الخير التى لم توجد مجتمعة فى جيل سواهم .فلا تكاد تجد صفة خير إلا واتصفوا – بمجموعهم – ولذلك أمرنا الله تعالى بأخذهم قدوة نتعلم منهم حسن اتباعهم لله ولرسوله.فقال (لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة ) وما تعلمنا وما علمنا كلمة عن رسول الله إلا من خلالهم بنقلهم لنا كل صفاته وكل أحواله وكل حياته عليه الصلاة والسلام .ولن تجد من أحد فى اى أمة سابقة أو فى تلك الأمة أكثر تضحية وقياما بأمر الله حق القيام من أولئك الصحابة الكرام .فقد كانوا يقومون بالأمر قبل صدوره من رسول الله بل مجرد ملاحظتهم لقسمات وجهه ورفات رمشه وحركات جسده . فبالإقتداء بهذا الجيل الفريد يكون النصر والفلاح والفوز فى الدارين الدنيا والأخرى .ولذلك يكثر أهل الدعوة من مذاكرة صفات الصحابة الكرام. وقد انتخب علماء الدعوة أهم الصفات التى اتصف بها الصحابة ورتبوها حسب الأحوال التى نعيشها فى زماننا المعاصر حتى يلتئم جرح الأمة ويقف نزيف دمها .فانتخبوا الصفات الستة كمرحلة رئيسة من صفات الصحابة تهيئة للناس لقبول كل صفاتهم رضى الله عنهم أجمعين .فالصفات الستة هى انتخاب لأهم الصفات التى اتصف بها الصحابة وتحلوا بها ثم هناك مئات الصفات التى هى فيهم ومنثورة فى كتب السير والتراجم .نسأل الله أن يجعلنا من السائرين على منهاجهم المقتدين بمنهجهم إنه القادر على ذلك وحده لا شريك . 15 – ( كم ضحينا للدين ؟ مقابل تضحياتنا للدنيا ؟!!!! ) . أيها المسلمون إن الصحابة الكرام قاموا بهذا الدين حق القيام لذلك نالوا الرضوان وهم أحياء على ظهر الأرض. فانظر يارعاك الله إلى بلال بن رباح كم ضحى بنفسه وتحمل من الأذى والتعذيب صمودا وفداءا لهذا الدين ؟ وانظر لمصعب بن عمير رضى الله عنه , الفتى المدلل فى قريش , الذى كان يضرب به المثل فى الغنى والثراء والعيشة الهنيئة ,وانظر لحاله بعدما اعتنق الإسلام , وكم ضحى بكل شهواته من أجل هذا الدين ؟ وانظر أخى بارك الله فيك إلى عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه , التاجر الماهر , الذى كان من أغنى تجار مكة , وانظر كيف كان فعله رضى الله عنه حينما تعرض المسلمون للإيذاء والإضطهاد والإخراج من ديارهم وأبنائهم , وتعرض لذلك النبى صلى الله عليه وسلم . فضحى رضى الله عنه بكل ماله وتركه خلفه وهاجر ابتغاء وجه الله عز وجل . وانظر رحمك الله وسدد خطال إلى سلمان الفارسى رضى الله عنه حينما نوى الهجرة نصرة لدين الله تعالى واتباعا لرسوله عليه الصلاة والسلام , تعرض له كفار قريش وأخذوا ماله وداره وأخرجوه بلا مال كما دخل مكة ؟ وانظر إلى تضحية الصحابة الكرام الأنصار كيف أنهم رحبوا بإخوانهم المهاجرين وقاسموهم الديار والأموال ,؟ كل هذه نماذج مشرقة من تضحيات الصحابة الكرام لأجل هذا الدين العظيم . وبسبب تضحياتهم لهذا الدين , الله عز وجل نصرهم وأعزهم ورفع قدرهم ورضى عنهم وبشرهم بالجنة وهم أحياء . فقال تعالى فيهم ( رضى الله عنهم ورضوا عنه ) وقال عليه الصلاة والسلام لسلمان الفارسى ( ربح البيع أبا يحى ) وقال لعثمان بن عفان ( ما ضر عثما ما يفعل بعد اليوم ) وقال لعكاشة بن محصن ( أنت منهم ) – أى من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب – وقال عن أبى بكر ( لكل نبى خليل وخليلى أبو بكر الصديق ) زالكلام فى هذا البااب كثير معلوم , منثور فى أبواب فضائل الصحابة الكرام . فهل قدمت أخى الكريم لهذا الدين شيئا مثلما قدم الأولون ؟ وهل ضحيت بشىء ولو يسير مثلما ضحوا ؟ إننا لن ننصر كما نصر الصحابة الأقدمون , إلا بعدما نسير على نهجهم الذى أخذوه من رسول الله صلى الله عله وسلم . ولهذا فقد اتقف علماء الأمة سلفا وخلفا أنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها . وما صلح أولها إلا باتباعهم لأمر الله وأمر رسوله وانتهائهم عن نهى عز وجل ونهى رسوله . امتثالا لقول الله تعالى ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ...) وقول النبى عليه الصلاة والسلاة ( عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدى , عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعه ) نسأل الله تعالى ان يأخذ بنواصينا إليه أخذ الكرام عليه . 16 – ( الذي يشعر أنه مسئول عن دين الله تعالى , يجتهد جهد الأنبياء صلوات الله تعالى عليهم ) . صدق والله .فإن الذى يشعر أنه مسئول عن هذا الدين وعليه حمل هذه الأمانة فإنه يجتهد جهد النبى صلى الله عليه وسلم .من قيام بالليل ودعوة بالنهار .ففى الليل (يائيها المزمل – قم الليل إلا قليلا) وفى النهار ( يائيها المدثر قم فأنذر ) فالجهد متواصل .وجهد النبى لا يقتصر على المنابر فقط وال التصدر للدعوة فقط .بل جهده جهد فى الأربع والعشرين ساعة متواصلة .لا يكل ولا يمل .وليس شغله كالموظفين .يعمل يوما ويستريح يوما .أو يعمل إذا جوزى بالمال ولا يعمل إذا لم يجد مقابلا أو يعمل إذا كانت الفرصة سانحة والناس يقبلون منه ويمدحونه ولا يعمل فى حال المعارضة والإيذاء. ليس هذا جهد النبى صلى الله عليه وسلم .بل جهده هو اتباعه فى سيرته وصورته وسريرته .أى تعيش سيرته حياة عملية بيننا .ونتشبه بصورته فعلا لا نتنكر لها .ونشعر وننطلق بسريرته ونيته فى المستقبل .واعلم رحمك الله أن كل مسلم مسئول عن هذا الدين بحسب طاقته وإمكاناته . واعلم أن العمل لهذا الدين صنو الإنتماء إليه . فانت بمجرد انتمائك لهذا الدين مطالب بالعمل له . وبالدعوة إليه .حتى ولو بالإبتسامة أو بالكلمة الطيبة . وكفى بأخلاق المسلمين دعوة .فمكارم الأخلاق التى اتسم بها المسلمون كفيلة لنشر هذا الدين فى العالم كله .كما حدث وانتشر الدين فى دول شرق أسيا وأفريقيا .لم ينتشر بالفتوحات بل بالأخلاق . وطالع كتب التاريخ تجد ما يثلج صدرك . ولا تظن أنك معفوا من مسئولية الدين .كلا . وإذا لم تكن أنت الفاتح فكن المعد له . وإذا لم تكن أنت القائد فكن المربى له . ولذلك أقول إن الذى يشعر من داخله وقرارة نفسه أنه مسئول عن هذا الدين , يجتهد لإقامته ونشره فى كل مكان يستطيع نشره فيه .بجهد الأنبياء . ومن لم يقيم جهد الأنبياء , بنشر الدين فى العالم , ليس مستشعرا – حقا – أنه مسئول عن هذا الدين , وإن ادعى ذلك , فليس كل دعى صادق .والله أعلم . 17 – ( جئنا للدنيا لتكميل المسئولية , وهى " خلافة الله في أرضه , ونيابة عن رسول الله من بعده " فنسينا المسئولية وتسابقنا للترقي في الماديات والكماليات ). السبب الوحيد لوجودنا فى هذه الحياة الدنيا هو عبادة الله عز وجل فقط . والأية صريحة فى ذلك . فقد حصرت الخلق وقصرته على العبادة.فقال الله تعال ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )ومن العبادة خلافة الله فى أرضه ونيابة الرسول فى تبليغ أمانة الدين .ومن العبادة التعرف على الله بأنه الواحد الخالق القادر القاهر المتصرف فى هذا الكون بالإيجاد والإعدام المسيطر على كل صغيرة وكبيرة فيه المستحق لكل أنواع المحامد المتفرد بالكبرياء والعظمة والسلطان الذى لا نظير له ولا شبيه له ولا ند له ولا كفؤ له .الذى يقضى الحوائج ويجيب دعوة المضطريين وينصر الظلومين.الذى لا معبود بحق إلا هو .ومن العبادة اتباع الرسول فى ما أمر وتصديقه فيما اخبر والبعد عن ما نهى عنه وزجر . ولكن – للأسف – نسينا المقصود من خلقنا وانشغلنا بما خلق من أجلنا .فكل شىء فى هذه الدنيا خلق من اجل الإنسان والإنسان خلق من أجل عبادة الواحد الديان. فانشغل الإنسان بما رأى من زهرة الحياة الدنيا .وانساق وراء الماديات والشهوات وقضى حياته فى البحث عنها .ووظف إماكاناته للظفر بها .ولن يأخذ منها إلا ما قدر له .وهذه الظاهرة ظاهرة جدا .فنسأل الله أن يأخذ بنواصينا إليه إخذ الكرام عليه .غنه ولى ذلك والقادر عليه . 18 – ( المسافر لا ينشغل بالأشياء عن مقصده في سفره وترحاله , ونحن مسافرون إلى الآخرة ) . وهذه المقولة توضح ما سبق فى المقولة قبلها . فالمسافرون للأخرة لا ينشغلون بما يرونه حال سفرهم . كالمسافر إلى الحج ليس له مقصد ولا وجهة إلا الوصول إلى الحج .وليس له شاغل مسيطر على فكر واهتمامه إلا البيت الحرام وما اتصل له بصلة .او ما كان يخدمه فى حجه . فنحنس هكذا فى هذه الدنيا مسافرون للأخرة سائرون إلى الله تعالى .فلا يجب أن ننشغل إلا بما ينور لنا قبورنا ويبيض لنا صحائفنا ويعلى لنا أقدارنا عند ربنا . وليس لنا شاغل إلا العمال الصالحة من العبادة والذكر والتعلم والتعليم وخدمة المسلمين وتحمل الأذى منهم وحبهم فى الله وحب الخير لهم ونصرة المسلمين أينما كانوا ونشر الدين فى العالم كله على منهاج الرسول الكريم الرحيم محمد عليه الصلاة والسلام . 19 – ( سبب الكوارث في العالم , تركنا أسباب عزتنا بدين الله تعالى وتسابقنا على حياة الترف واللهو واللعب ) . وهذا من الأمور الواضحة . فلا عزة للمسلم إلا بهذا الدين . ولا رفعة له إلا به . ولا نصرة له إلا به .ولا فلاح له إلا به .وقد صدق الصحابى الجليل ربعى بن عامر حين قال ( نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإذا ابتغينا العزة فى غيره أذلنا الله ) فكم كان الصحابة الكرام أسياد الكون فى جهالة جهلاء وظلم كبير وشر مستطير قبل أن يبعث فيهم الرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم .ثم انظر كيف أصبحوا سادة للأمم وقادة لهم بل ومرجعا ونبراسا لمن أتى من بعدهم .وليس ذلك إلا باعتزازهم بهذا الدين والتفانى فى خدمته والعمل من اجله. وحقا والله سبب الكوارث التى نتعرض لها هو بعدنا عن دين ربنا جل جلاله .فلا عز لنا إلا بالرجوع إلى السنة والدين والعمل بهما والقيام بهما وتبليغهما . 20 – ( دين الله تعالى , جاء لحل المشاكل , وليس لإيجاد المشاكل. و دين الله تعالى لا يمكن أن يكون عائق بيننا وبين الله , ولكن نحن غيرنا وبدلنا تبديلا , فصارت المشاكل والعوائق ) . إن الله عز وجل انزل هذا الدين لهداية البشرية . فقال عز من قائل (وانزلنا إليكم نورا مبينا , يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) والله عز وجل يريد لكل عباده أن يكونوا طائعين , فقال تعالى ( والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما , يريد الله أن يخفف عنكم .. ) ولكن هناك من العباد من يطيع الله عز وجل فينال من رحمات الله ورضوانه ما قدره له جل جلاله . ومنهم من يعصى الله تعالى فيقع عليه من سخط الله تعالى ما قدره له جل جلاله . ولذلك قال عليه الصلاة والسلام (كل أمتى يدخلون الجنة إلا من أبى , قيل ومن يأبى يارسول الله , قال من أطاعنى دخل الجنة ومن عصانى فقد أبى ) إذن من يطع الله عز وجل ورسوله يدخل الجنة بإذن الله . ومن يعصي الله ورسوله يدخله ناره إن شاء . فالدين الذى أنزله الله لنا جاء لنصطلح على الله تعالى . ونتعرف على الله تعالى . وننجوا من عذاب الله تعالى .وننال مرضاة الله تعالى .لا لنتعنت أو نتعب أو نتيه فى الدنيا . وهذا الدين الذى ارتضاه الخالق جل فى علاه هو المنهج الربانى الذى لن تنصلح الأمة إلا بإقامته .إذ لا يصلح الصنعة إلا نصح صانعها . ولا يصلح الخليقة إلا منهاج خالقها . فالرجوع لهذا المنهج الإسلامى النقى الصافى فى منهج التلقى والعلم والعمل به والتربية والسلوك والأخلاق , ارتقاء بالأمة إلى أعلى الدرجات فى الدنيا والأخرة إن شاء الله تعالى . حينما غيرنا وبدلنا أصول منهجنا ودعوتنا وتنكبنا الطرق خلف أمم الغرب , ضللنا الطريق واسودت فى وجوهننا السبل .ولن نجد النور إلا فى الرجوع إليه . 21 – ( أول سؤال في القبر : من ربك؟ أي كيف علاقتك بربك؟ وأول ما ننسى ننسى الله والعلاقة مع الله ! ) إن أول ما يسئل عنه العبد يوم القيامة عن ربه فيقال له من ربك فإن كان مؤمنا فسيقول ربى الله . وإن كان غير ذلك فسيقول هاه هاه لا أدرى .فيقال له لا دريت ولا تليت. ثم يضرب بمطرقة من حديد . هذا أول شىء يسئل عنه العبد فى قبره . ومعنى السؤال .ماذا كانت علاقتك بربك فى الدنيا . هل كنت طائعا لله أم طائعا هواك .هل كنت ممن يخاف الله أم كنت ممن يخاف السلطان والوالى والفقر .هل كنت ممن يضرع إلى الله فى الشدائد أم كنت ممن يهرول إلى الحسين والبدوى والرفاعى والشاذلى وعيدروس وغيرهم .هل كنت متيقنا على الله أم على جيبك .هل كنت تأتمر بأوامره وتنتهى بنواهيه أم كنت متخذا لنفسك هواك دستورا وعقلك شريعة وزوجك قبلة . هذا هو المقصود من السؤال .وليس السؤال كلمة سف تجيب عليها . بل إن الذى سيجيب هو العمل . فمن كان فى هذه الدنيا طائعا لله مستمسكا بحبله سائرا إليه فى طريقه على نهج رسوله فهو الذى سيوفق للرد بقوله (الله )ومن كان سادرا فى لهوه وغيه صادا عن سبيل الله وهديه سيفا على عباد الله فلن يوفق للرد بإذن الله .وما ربك بظلام للعبيد . إن أول سؤال فى القبر يكون عن الله وفى هذه الدنيا ينشغل الإنسان بالدنيا وزهرتها وأول ما ينسى ينسى الله عز وجل والعلاقة به .فنعوذ بالله من ذلك . 22 – ( ثاني سؤال في القبر عن الدين؟ أرسلنا الله ستين أو سبعين سنة , ولا ندري عن الشيء الذي خلقنا الله من أجله؟ الذي يرسل أحداً ما لشيء ما يسأله عنه إذا رجع .) السؤال الثانى فى القبر يكون عن الدين فيقال للإنسان ما دينك ؟ فإن كان مؤمنا فسيجيب بقوله دينى الإسلام . وإن كان غير ذلك فجوابه سيكون ها ها ها لا أدرى . واعلم أن المجيب فى القبر أيضا هو العمل وليس اللسان فقط فاللسنا ينطق بحال العمل .فالله عز وجل فى هذه الدنيا فترة محددة ومدة وجيزة ربما تكون خمسين أو ستين أو سبعين عاما أو اكثر أقل . والهدف فى هذه الفترة أن تتعرف على الله وعلى أسمائه وصفاته وتقوم بعبادته جل جلاله . وتنصر دينه وتقيد شرعه وتحكم بكتابه .فانظر يارعاك الله إلى الكم الهائل من الناس الذين يعيشون طيلة حياتهم لا يدرون عن المقصد الأساسى من وجودهم شيئا .واعلم ان الله لن يسألك عن حالك فى الدنيا كيف كنت تاكل وكيف كنت تشرب ولن يسألك لماذا ظللت فقيرا طيلة عمرك ؟ ولن يقول لك لماذا لم تبنى العامرات مثل فلان وفلان ؟ ولن يقول لك لماذا لم تشترى السيارات الفارهه وتسكن العامرات الشاهقه كفلان ؟ ولكنه سائلك لم فعلت كذا وعصيتنى ؟الم انهك عن فعل كذا وفعلته ؟ ألم آمرك بفعل كذا فلم تفعل ؟ وهكذا فالله يسئل العبد عن الشىء الذى أرسله فى الدنيا من اجله وخلقه من أجله وهو إقامة الدين ونصرته .فحرى بنا أن نتعاون ونتكاتف فى العمل لهذا الدين من العبادة والطاعة والتذلل لله تعالى ونشر الدين على بصيرة . والله الموفق والمستعان . 23 – ( أصحاب الشهوات ليس عندهم طاعة لله , والشهوات الداخلية قوية , تحتاج إلى مجاهدة قوية. فالأشياء والكماليات الجديدة في الحياة الدنيا هي نتيجة الدافعية القوية للشهوات الداخلية في الإنسان. ) إن الله عز وجل ركب فى الإنسان شهوة , يبحث الإنسان بطبيعته الجبلية عن وسيلة لإشباعها , وكل مافى الدنيا من متاع يغرى الإنسان ليوهمه أنه الوسيلة لإشباع رغباته ونزواته وشهواته , فسيسر الإنسان إليه ويتلبس به , ولكن الإنسان لا يجد فيه إرواء غليله ,فيبحث عن غيره , وهكذا دواليك .. وأمر الله تعالى عباده بأوامر منها اوامر تنهى عن اتباع تلك الشهوات , فإذا ما استقام العبد على هذه الأوامر , وجد فى صدره الحلاوة التى يبحث عنها كثير من الناس , وانشرح صدره وامتلأ بالسعادة التى ضل طريقها غالب سكان تلك البسيطة . وصدق شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله حين قال إن فى الدنيا جنة , من لم يدخلها لم يدخل جنة الأخرة , ألا وهى طاعة الله تعالى . فأصحاب الشهوات السادرون فى لهوهم وغيهم , ما ذاقوا تلك الجنة التى تحدث عنها شيخ الإسلام , ولذلك تجدهم يقترفون المعاصى والسيئات .وذلك لضعف الوازع الدينى فى قلوبهم . فلذلك هم يحتاجون لجهد جهيد عليهم حتى تنصلح قلوبهم فيطيعوا الله جل فى علاه . وإن كل قلب فيه شهوات ونزوات , فمن جاهد نفسه انصلح قلبه , ومن اتبع الشهوات , ضعف وقل منسوب الإيمان – الذى يحجزه عن السيئات – فى قلبه . وهذه الشهوات الداخليه فى الإنسان أقوى من الشهوات الخارجية , إذا العدو كلما استتر عن عدوه كان أشد فتكا وأعظم خطرا , فلذلك تجد الشيطان والهوى والنفس والدنيا من أعظم أعداء الإنسان , ذلك لخفائهم عن عينه ,أو حواسه . ومن جاهد نفسه اتبع الله عز وجل ورسوله فى كل ما أمرا به أو نهيا عنه . فتجد الإنسان المتبع – حقا – لدين الله تعالى , متقللا من متاع الدنيا وزينتها وزخرفها , وتجده يؤثر الله فى كل وقت وفعل , وتجده يرى الله تعالى أمامه فى كل وقت , فلا يرى إلا ما يرضى الله ولا يسمع إلا ما يرضى الله , ولا يتحدث إلا بما يرضى الله , وهكذا .., وصدق الله حين قال ( فإذا أحببته ,كنت سمعه الذى يسمع به, وبصره الذى يبصر به , ويده التى يبطش بها , ورجله التى يمشى بها ...) . ومن مجاهدة النفس أيها الأحبة الكرام , التقلل من الكماليات فى هذه الدنيا , والرضى بالقليل من العيش . والعيش بالكفاف. ولذلك كان أبو عثمان النهدى يقولُ : (أتانا كتابُ عُمَرَ ونحنُ بأذْرَبِيجَانَ مَعَ عُتْبَةَ بنِ فرقد: أما بَعْدُ فاتَّزِرُوا وارتَدُّوا، وانْتَعِلُوا وارْمُوا بالخِفاف، واقْطَعُوا السَّرَاويلاتِ، وَعَلَيْكُمْ بِلِبَاسِ أَبِيكُمْ إسْمَاعِيلَ، وإيَّاكُمْ والتَّنَعُّمِ وَزِيِّ العَجَمِ، وعليكُمْ بالشَّمسِ، فإنها حَمَّامُ العَرَبِ، واخْشَوْشِنُوا واخْلَوْلِقُوا وارْمُوا الأَغْرَاضَ، وانْزُوا نَزْواً، والنَّبيُّ نَهانا عَنِ الحَرِيرِ إلا هٰكذا: أصْبُعيهِ والوُسْطَى والسَّبابة ، قالَ: فما عَلِمْنَا أنهُ يَعني إلا الأعلام) وما ذلك الهدى النبوى إلا لعلمه عليه الصلاة والسلام أن الدنيا دول بين الناس , فإن كنت اليوم غنى فلربما تكون فقير الغد , وإن كنت شريف اليوم فلربما تكون ذليل الغد , واقرأ إن شئت قول الله عز وجل ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) وصدق القائل إذ يقول رأيت الدهر منقلبا يدور فلا حزن يدوم ولا سرور فكم بنت الملوك لها قصور فلم تبق الملوك ولا القصور أياما عاش فى الدنيا قليلا وأفنى العمر فى قيل وقال أبا الدنيا يساق إليك عفوا فمصير ذلك كله الزوال ولا تركن إلى الدنيا كثيرا وقم لله واجمع خير زاد أترضى أن تكون رفيق قوم لهم زاد وأنت بغير زاد .أ.هـ. فالتقلل من أسباب الرفاهية فى الدنيا سبيل لنيل رضى الله عز وجل . وإن كان الله عز وجل يحب أن يرى أثر نعمته على عبده , فافعل رحمك الله , واعلم أن فقراء الأمة سيدخلون الجنة قبل أغنيائها بنصف يوم ( أى بخمسمائة سنة مما تعدون ) ورجح الشيخ العلامة محمد زكريا الكاندهلوى – فى كتابه فضائل الأعمال – أن الفقير الصابر أفضل عند الله من الغنى الشاكر , بهذا الدليل . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين وجّهه إلى اليمن :"إيَّاكَ والتنعُّم، فإنَّ عبادَ اللهِ ليسوا بالمتنعمين" التنعم هو التوسع في الملذات في المآكل وفي المشارب وفي الملابس ونحو ذلك، هذا يقال له التنعم، التنعم على قسمين: قسم جائز ليس فيه معصية، وقسم محرّم. التنعم الجائز هو التنعم بالمال الحلال لغير الفخر والبطر، أي لا يقصد صاحبه البطر والفخر، إنما يقصد التبسط في الملذات، ما كان على هذا الوجه أي ما كان من المال الحلال ولم يكن القصد منه الفخر والبطر فهو جائز ليس على فاعله معصية. أما التنعم المحرَّم فهو التنعم بالمال الحرام، أو بقصد الفخر مع كون المال حلالاً،ترك التنعم هو حال الأنبياء وحال الأولياء، فعيسى عليه السلام كان يلبس الشعر ويأكل الشجر، معنى يلبس الشعر أي يلبس ما يطلع من الثياب من الغنم أي من الخشن ليس الصوف الناعم. سيدنا محمد عليه السلام كان لا يتنعَّم، كان يمضي الشهر في بيته لا يوقِد نارًا، كان قوتهم الماء والتمر. و سليمان عليه السلام الذي أعطاه اللهُ ذلك الملْك الذي لا ينبغي لأحدٍ من بعده كان لا يتنعم، كان يأكل خبز الشعير، كان قوته خبز الشعير بدل الأرز والقمح والذرة، ولذلك – التالى - 24 – ( الدين جاء لذبح شهوات الدنيا , حتى ننال رضاء الله تعالى, فيعطينا الملذات والمشتهيات الحقيقية في الجنان ) وإن كان التنعم بالمباحات حلال , إلا أن من تركه لله تعالى , وتصدق بفضل ماله على فقراء المسلمين المعدمين ,فإنه اعظم اجرا وأعلى منزلة عند الله تعالى من غيره . ولذلك أيها الأحبة الكرام – التالى - 25 – ( لا نسرف في الأشياء, لأن المسرف دائماً محتاج ). فمن تعود على على التنعم الكثير , والمال الوفير , صعب عليه أن يتكيف مع الفقر الشديد والبرد القاتل والحر المحرق – أعنى حال الجهاد أو حال الإضطرار لذلك – وبالطبع لا يخلوا زمان للأمة من جهاد عدوها , أو مجاهدة الظالمين من أبنائها , أو الدعوة إلى الله عز وجل – إذ هى جهاد أيضا – لذلك نحن لا نسرف فى تلك الأمور الدنيوية , لأن من أسرف فى شىء سكن قلبه , وكثير من أبناء هذه الأمة قد سكنت قلوبهم الشهوات والملذات والزوجة والأولاد والأموال والعقارات , وتجد ذلك ظاهرا فى انسياقهم لأوامر الدين , فتجدهم قليلى طاعة الله عز وجل , قليلى التعظيم له ولشعائره . وما ذلك إلا بضعف تقوى الله فى قلوبهم . فكم ترى من الناس يعظم الله بتلبية الأذان حين النداء فى المسجد ؟! وكم ترى من الناس يلبى نداء الله عز وجل بترك الزنى وترك الخمور وترك أكل مال اليتيم ؟! وكم ترى من الناس يطيع الله فى أوامره الظاهرة جدا التى لا تخفى على أحد من الأمة ؟! لا ترى إلا قلة قليلة من أبناء هذه الأمة – والله المستعان – وتلك نكبة عظيمة نعوذ بالله منها . ولهذا دأب أهل الدعوة الكرام على إخراج اليقين الفاسد – الذى هو اليقين على الأسباب – من القلب وإدخال اليقين الصحيح - وهو اليقين الكامل على الله – مكانه . وهذا اليقين هو المحرك الأساسى لهذا الإنسان , فالإنسان المتيقن على الله يطيعه , والإنسان المتقن على الأسباب يعبدها ولا يستطيع الإنفكاك عنها لحظة . وليس هذا تعريف الشهادة كما يظن البعض , بل تعريفها ظاهر معلوم .وهو العبادة .والعبادة هى الطاعة . والله المستعان . واعلموا أيها الأحباب الكرام – التالى – ان 26 – ( الله سبحانه وتعالى أعطانا الأسباب الدنيوية لتكميل المسئولية تجاه الدين " ألهاكم التكاثر ... " .) فلم نتحصل على تلك الأسباب إلا لكى تقيم هذا الدين وننشره ونقوم به ,فإذا تحولت وجهتنا إلى الإستمتاع بهذه الأسباب من باب أنها وسيلة مباحة فقد خالفنا مراد الله فيها . وانظر رحمك الله كيف تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع هذه الدنيا ,كلما تحصل على شىء منها – الغنائم مثلا – وزعه على الفقراء والمساكين , وما ترك لنفسه وآل بيته شيئا , وكان باستطاعته عليه الصلاة والسلام - إن فهم الدنيا كفهمنا - أن يجمع من هذه الأموال الشى الكثير .إلا أنه نفذ مراد الله عز وجل فيها . وهو أحق من يعرف مراد الله فى خلقه . بل كان باستطاعته أن يدعوا الله تعالى أن يرزقه المال الكثير . ودعوته مستجابة عليه الصلاة والسلام , بل ادخرها لأمته شفاعة لها .فعن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة ) فانظر كيف فهم الدنيا عليه الصلاة والسلام . وكذلك حال خلفاءه الكرام أبى بكر وعمر وعثمان وعلى والصحابة أجمعين .رضى الله عنهم . كانوا على هديه المستقيم وصراطه القويم . فأعطوا للدنيا من وقتهم على قدر ما تساوى , وأفنوا أعمارهم وأعمالهم فى الأخرة واعمالها وما قرب إليها . وما ذاك إلا لعمق فهمهم لحال تلك الدنيا , ومعرفتهم الحقيقة بقيمة الدنيا . فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الدنيا ملعونه , ملعون ما فيها , إلا ذكر الله , وما والاه , وعالما أو متعلما ) فالتعامل الصحيح مع زينة الدنيا ومتاعها هو استخدامها فى طاعة الله ونشر دينه والدعوة إليه ,لا كما نفهم بعقولنا القاصرة من التمتع بها حتى ولو كنا نعتقد أن هذا فى الحلال , لكن فهم النبى أعمق ونظرته عليه الصلاة والسلام أدق . وهو الذى أمرنا أن نتبع , فعلينا التسليم والقبول . 27 – ( الإيمان الذي يحجزنا عن محارم الله ويقيمنا على طاعة الله , هو الإيمان المطلوب والذي هو فرض على كل مسلم ومسلمة .) الإيمان هو قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان .فليس الإيمان قول فقط ولا عمل فقط بل هو قول وعمل ويزيد وينقص .فيزيد بالطاعة وينقص بالمعصية . ويزيد فى بيئة الطاعة وينقص فى بيئة المعصية.والإيمان هو طاعة الله عز وجل فى كل ما أمر به والإنتهاء عن كل ما نهى الله عنه . والتصديق الكامل بكل ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم .فليس الإيمان بالتمنى ولكن ما وقر فى القلب وصدقه العمل . وليس الغيمان بالإدعاء فليس كل دعى صادق . بل كل دعى مطالب بغثبات صدق ما ادعاه ويكون ذلك باتباعه للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فى كل شئونه . هذا الإيمان الذى وصفناه هو الذى يحجز عن محارم الله تعالى .والإيمان الذى يحجز عن محارم الله تعالى ويقيمنا على طاعته جل جلاله هو الإيمان المطلوب والذى هو فرض على كل مسلم ومسلمه.ولن يتأتى فينا هذا الإيمان الحقيقى إلا بالطريقة التى أتى بها فى الصحابة الكرام . وهى الجهد والإجتهاد لهذا الدين تعلما وتعليما ونشرا ونصرة وتبليغا.فنفرغ من أوقاتنا ونقتطع من أموالنا ونأخذ من فكرنا لنفكر ونعمل ونتعلم الدين وننشره فى العالم كله . كما أمرنا بذلك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم . 28 – ( مسلكياتنا وأخلاقنا بين الناس , يجب أن تكون مثل ما هي في المسجد , لأن الذي ينظر إلينا في المكانين واحد , هو الله الواحد الأحد ) يقصد القائل لهذه العبارة أن نكون رحماء فيما بيننا ناصحين محبين لبعضنا فى جميع شئوننا كما هو حالنا ونحن فى المسجد . فلا يحسن بنا أن نكون على الأخلاق الحميدة والسلوك القويمة ونحن فى المسجد ثم إذا خرجنا من المسجد تتعير أحوالنا وتتبدل أخلاقنا .كلا كلا . من يعتقد هذا الإعتقاد فقد اعتقد العلمانية كما عرفها أهلها فهم يقصدون بها الدين فى المسجد فقط . وليس هذا مسلك المسلمين أهل السنة بل مسلكهم وطريقتهم أن الدين شريعة تسير كل شئون الحياة . ويدخل فى كل صغيرة وكبيرة فى هذه الدنيا .فلا يجوز لمسلم يئمن بالله واليوم الآخر أن يقدم على عمل إلا بعد أن يعرضه على الدين والشريعة . هل هذا العمل يرضى الله أم يغضبه ؟ هل هذا المال من حلال أم من حرام ؟ هل أمرنى الله بهذا أم نهانى عنه ؟ هكذا يكون السلوك الإسلامى الذى هو مطلوب منا أن نسلكه .وقد أشار الرسول الكريم إشارة لطيفة لمثل هذا الأمر فى الحديث الشريف ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى )ومعنى الحديث لا يحسن بكم أيها المسلمون أن تحسنوا أخلاقكم ومعاملاتكم مع الناس ثم أنتم تسيئون أخلاقكم ومعاملاتكم مع أهليكم الذين هم أول بكل حسنة منكم من غيرهم . والله عز وجل هو رب المسجد وهو رب كل شىء سوى المسجد . فإذا كنت تخاف الله فى المسجد فحرى بك أن تخافه خارج المسجد حال تعاملك مع الناس .وإذا كنت تراقب الله فى المسجد فاعلم أن الله رقيب عليك وانت خارج المسجد فراقبه كذلك ولا تفعل ما يغضبه .والله المستعان . 29 – ( قوة اندفاع السيارة بقوة المحرك ,فقوة اندفاعنا في الأعمال الصالحة بقوة الإيمان ). أيها الكرام إن القلب فى الإنسان كالمحرك فى السيارة , فبقوة المحرك تكون قوة السيارة , وبقوة القلب تكون قوة الجسد , وبصلاح القلب ينصلح الجسد , كما اخبر بذلك الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام فقال ( إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله , وإذا فسدت فسد الجسد كله , ألا وهى القلب ) والقلب هو الذى يفقه ويعقل عن ربه تبارك وتعالى , فلذلك قال تبارك وتعالى عن الكفار ( لهم قلوب لا يفقهون بها ...) فإذا انصلح القلب , استقام فى فهمه عن الله تعالى. وإذا فسد القلب اعوج وانحرف فى فهمه لأوامر ربه . فلذلك يجب علينا أن نأخذ بالأسباب التى تقوى إيماننا , وترفع منسوب الإيمان فى قلوبنا , وتجعل اليقين فى قلوبنا كالمشاهدة العينية , فيكون التصديق لكلام الله تعالى كأنا نراه رأى العين . وقد حقق ذلك الصحابة الكرام رضى الله عنهم أجمعين , وذكر أن رجلا أسود كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن التسبيح والتهليل فقال له عمر بن الخطاب مه أكثرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : مه يا عمر قال وأنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم { هل أتى على الإنسان حين من الدهر } حتى إذا أتى على ذكر الجنة زفر الأسود زفرة خرجت نفسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم مات شوقا إلى الجنة - قال الشيخ السقاف (مرسل قوى الإسناد)- فحينما استشعروا قدرة الله تعالى , وعلموا حقا أنه هو المدبر فى هذا الكون وأنه المتصرف فيه وأنه بيده مقاليد الأمور ليس لأحد من خلقه نصيب فى ذلك قيد شعرة , استقاموا على أمره وعلموا أنه المستحق لصرف عبادتهم إليه من خوف ورجاء ودعاء ونذر وصلاة وحج إلى غير ذلك .فلا تجد من الصحابة من يتزعزع يقينه شعرة عن هذا الخط الذى رسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم . والسبب فى ارتقاء إيمانهم , و رسوخ اليقين فى قلوبهم , حتى لكأنهم يرون الغيب رأى العين , أنهم تربوا فى بيئة تعنى بزيادة الإيمان فى القلوب , وتعنى بتربية النفوس وتزكيتها , وتعنى بكبح الشهوات وإقصاء الملذات , وتعنى باحتقار النفس وتقدير الآخرين , وتعنى بالأخرة وما بعد الموت , وما شابه ذلك من الأمور الغيبية التى لا يصدقها إلا المفلحون الذى هم على الهدى من ربهم . ولا بد في رد المعاصى من ثلاثة أمور المعرفة والكراهة والإباء , فالإباء ثمرة الكراهة والكراهة ثمرة المعرفة وقوة المعرفة بحسب قوة الإيمان ونور العلم ,وضعف المعرفة بحسب ضعف الإيمان ونور العلم .وضعف الإيمان بسبب الغفلة وحب الدنيا ونسيان الآخرة وقلة التفكر فيما عند الله وقلة التأمل في آفات الحياة الدنيا وعظيم نعيم الآخرة, وبعض ذلك ينتج بعضا ويثمره ,وأصل ذلك كله حب الدنيا وغلبة الشهوات ,فهو رأس كل خطيئة ومنبع كل ذنب لأن حلاوة حب الجاه والمنزلة ونعيم الدنيا هي التي تغصب القلب وتسلبه وتحول بينه وبين التفكر في العاقبة والاستضاءة بنور الكتاب والسنة وأنوار العلوم فإذا ما تحصلنا على قوة الإيمان فى قلوبنا ,سير هذا الإيمان جميع أعضائنا على مراد الله ومراد رسوله ,وكلما زاد الإيمان واليقين فى قلوبنا , اددنا بصيرة فى ديننا , وما أصبحنا نرى شيئا فى الدنيا له قيمة إلا ما يرضى الله وكفى . وقوة الإيمان فى القلوب تورث الفراسة الإيمانية ,وسببها نور يقذفه الله في قلب عبده يفرِّق به بين الحق والباطل ، والحال والعاطل ، والصادق والكاذب ، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان ، فمن كان أقوى إيمانا فهو أحدَّ فراسة ، فكان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - أعظم الأمة فراسة ، وبعده عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ووقائع فراسته مشهورة ، فإنه ما قال لشيء : " أظنه كذا إلا كان كما قال " ويكفي في فراسته موافقته ربه في مواضع عدة . وفراسة الصحابة - رضي الله عنهم - أصدق الفراسة واعلم رحمك الله أن الإفراط في الكلام والطعام والمنام والخلطة تضعف اليقين فى القلوب . فكثرة الكلام – فى غير ذكر الله - تقسي القلب. وكثرة الطعام تثقل عن العبادة. وكثرة المنام تضيع خيرًا كثيرًا. وكثرة الخلطة لا حد لمفاسدها. وعلاج ضعف الإيمان دوام المراقبة والمحاسبة ,فمراقبة القلب الدائمة ومراقبة الحالة الإيمانية تجعل العبد على علم بمكانه من الله وهل هو في ازدياد أو نقصان، ودوام محاسبة النفس يعيد الأمور إلى نصابها ويجعله يستدرك الأمور قبل استفحال خطرها، ومعالجة الأمر في البدايات أيسر كثيرا من المعالجة في النهايات والوقاية دائما خير من العلاج " يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون". وكذلك يزيد الإيمان تدبر القرآن فإن ضعف الإيمان مرض قلبي، والله أنزل القرآن شفاء لأدواء القلب والبدن: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}. وإنما يأتي العلاج مع التدبر والفهم: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ربما قام ليلة يتلو آية واحدة يكررها: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. وكذلك ورد عن تميم الداري، وكان كثير من السلف يكرر الآيات يتعمق في فهم معناها كسعيد بن جبير: {وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ}. ومرض عمر رضي الله عنه من آية قرأها: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ}، وسمع بكاؤه وهو يقرأ: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. وقال عثمان رضى الله عنه: "والله لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام ربنا". ومات علي بن الفضيل من آية سمعها: {وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ}. ومات زرارة بن أوفى في الصلاة عندما تلى قوله تعالى: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} وكذلك مما يزيد الإيمان فى القلوب ذكر الله فهو جلاء القلوب من صدئها وشفاؤها من أمراضها، ودواؤها عند اعتلالها، وهو روح الأعمال الصالحة، والفلاح يترتب عليه: {وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ}. وهو وصية الله لعباده المؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا}. ووصية النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين: (إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فمرني بأمر أعتصم به. قال: لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله). فالذكر مرضاة للرحمن مطردة للشيطان مزيل للهم والغم، جالب للرزق والفهم، به تطمئن القلوب وتبتهج النفوس وتنشرح الصدور: {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.وترك الذكر قسوة للقلب وأي قسوة، كيف لا وهو نسيان لله، ومن نسي الله نسيه الله. فنسيان ذكر الله موت قلوبهم وأجسامهم قبل القبور قبور وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور وخير ما يستفاد منه قوة الإيمان كتاب الله ثم مدارسة السنة والسيرة ثم قصص الصالحين وأحوالهم. 30 - ( شكر النعمة , أن تعرف حق المنعم , وتؤديها كما يشاء المنعم , ومن شكر النعم , أن نضحي بها من أجل المنعم أى من أجل الله تعالى ) إعلم سددك الله أن الله عز وجل هو الخالق لهذا الكون . وهو المتفضل على هذا الكون بكل هذه النعم .ولا ينكر ذلك إلا جاحد , اسودت فطرته وانتكست ,ولذلك تجد الكفار يعترفون بذلك كله .فقال تعالى مخبرا عنهم (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) وقال تعالى : ( قل من يرزقكم من السماء والأرض ، أمن يملك السمع والأبصار ، ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ). وقال : ( قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ، سيقولون لله قل أفلا تذكرون * قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون ، قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون ) فهذه كلها اعترافات من المشركين بأن الله عزوجل خالق مالك متصرف فى الكون منعم عليه . ولكن الله عزوجل أمر بعبادته وقصده بكل ما يخرج من الإنسان من دعء ونذر وخوف ورجاء واستعانة واستغاثة وطلب ومراقبة , وهكذا ,لكن الكفار لم يستجيبوا لذلك الأمر الربانى واكتفوا بالإعتراف بألسنتهم ,وهذا جهل عظيم منهم إذ من مقتضيات الإعتراف بربوبية الله , الإعتراف باستحقاقه للعبادة ,ومعنى أنهم اعترفوا بالربوبية ولم يعترفوا بالألوهية أنهم بلغوا من الجهل مبلغا عظيما ,ولا يصح بحال أن يكونوا عاقلين لما يقولون , لكننى أظن أنهم يقولون ما لا يفهمون . فمن ذا الذى لا يفهم هذا الفهم الذى هو كالشمس فى ضحاها ؟!! وهنا نقول إنهم اعترافهم لله بربوبيته ثم لم يعترفوا له بالألوهية قد نقضوا اعترافهم السابق بالربوبية فصاروا جاحدين .ومعلوم أن التوحيد جزء واحد فالربوبية والألوهية جزززء واحد لا ينفك أحدهما عن الأخر .أما تقسيمات العلماء فهى للتفهيم فقط . وعليه فلا يقال أن كفار قريش كانوا موحدين فى توحيد الربوبية .! لأنهم قد نقضوه بعدم اعترافه بتوحيد الألوهية .ومثال ذلك أن رجلا دخل مسجدا ليصلى العصر , فتوضأ –لأنه لا صلاة لمحدث حتى يتوضأ- ثم توجه للقبلة , ثم نوى الصلة ودخل فيها , ثم صلى ركعة وسلم ,فقال له أحد الحاضرين أنت ما صليت العصر فقال المصلى له إن هذا الوقت قصير ولا يصح أن أصلى فيه كل يوم أربع ركعات بل سأصلى كل يوم ركعة واحدة .فقال رجل آخر – متذاكى – إن صلاته صحيحة لكنه لم يصلى العصر !ولم يقبل منه العصر , ولهذا الرجل نقول , كلا بل صلاته غير صحيحة وصلاته غير مقبوله ,إذ صحة الصلاة بمجموعها كلها ,بأداء بعض حركات منها ,فهو لم يصلى أصلا وما فعله لا يعد صلاة أصلا ,والله أعلم واعلم رحمك الله أن الشكر عبادة , يجب صرفها لله تعالى فقال عزمن قائل ( واشكروا لى ولا تكفرون )فترك الشكر لله عزوجل كفر بنعمته تعالى . واعلم ان الله تعالى قرن الشكر بالذكر في كتابه مع انه قال (ولذكر الله اكبر )فقال تعالى( فاذكروني اذكركم واشكروا لي ولا تكفرون)وقال تعالى (ما يفعل الله بعذابكم ان شكرتم وآمنتم) وقال تعالى( وسنجزي الشاكرين) وقال عز وجل اخبارا عن ابليس اللعين (لاقعدن لهم صراطك المستقيم) قيل هو طريق الشكر ,ولعلو مرتبة الشكر طعن اللعين في الخلق فقال( ولا تجد اكثرم شاكرين) وقال تعالى (وقليل من عبادي الشكور) ..وقد قطع الله تعالى بالمزيد مع الشكر ولم يستثن فقال تعالى( لئن شكرتم لأزيدنكم) واستثنى في خمسة اشياء في الاغناء والاجابة والرزق والمغفرة والتوبة فقال تعالى( فسوف يغنيكم الله من فضله ان شاء )وقال (فيكشف ما تدعون اليه ان شاء )وقال( يرزق من يشاء بغير حساب) وقال (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وقال (ويتوب الله على من يشاء)... وهو خلق من اخلاق الربوبية اذ قال تعالى (والله شكور حليم).وقد جعل الله الشكر مفتاح كلام اهل الجنة فقال تعالى (وقالوا الحمد لله الذي صدقناه وعده) وقال( وآخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين). فالشكر عبادة يجب صرفها لله عز وجل . ومن شكر النعمة أن تعرف حق المنعم بها وهو الله تعالى وتؤديها كما يشاء المنعم تبارك وتعالى . والقيام بشكر المنعم سبحانه وتعالى يكون فى كل نعمة من نعمه فشكر اللسان: بالثناء على الله عزوجل والدعوة إليه وعدم الغيبة والنميمة وعم الكذب ، وشكر العين: البكاء من خشية الله وحفظها عما حرم الله ومراعاة حقوق الله فيها، وشكر الجوارح: الحياء من الله بألا تفعل المعاصي ,فباليدين تساعد الفقراء والمساكين وتجمع الزكاة وتعين المحتاجين , وبالرجلين تسير فى الخيرات وتسعى فى الصلح بين الناس .وبالعقل تفكر فى نشر الدين فى العالم كله , وبالصوت تلهج بالدعوة إلى الله تعالى ,وبالقلب تخاف من الله تعالى .ومن فعل ذلك بارك الله له فى نعمه وزاده منها فقال { لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } بل أمر بالشكر وعدم الكفر { وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ } ومن عصى الله فما شكره، ومن جعل نعم الله محاربة لله فقد كفر به { لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ }. ومن شكر النعم أيها الأحبة الكرام أن نضحى بأنفسنا فى سبيل نشر هذا الدين فى العالم كله على منهاج رسوله عليه الصلاة والسلام , فالدعوة يدخل فيها كل النعم , فتستطيع الدعوة باللسان والإنفاق بالمال ,والتفكر بالعقل , والبشاشة والإبتسامة بالوجه والعين ,والسعى بالرجل ,وهكذا ,وتستطيع أن تستخدم ما أنعم الله به عليك لجلب الناس لهذا الدين , وتحسين صورة الملتزمين – التى شوهها كثير من المنافقين- ونسأل الله أن يستخدمنا فى نشر هذا الدين فى العالم كله , إنه ولى ذلك والقادر عليه . 31 – ( دين الله تعالى مثل اللباس ساتر العيوب وهو كمال الجمال ) أيها الأحباب الكرام , إن الله جميل يحب الجمال , والجمال كل الجمال فى تطبيق دين الله عز وجل , فليس شىء فيه قبيح , وما دخل الدين فى شىء إلا وجمله ,فانظر رحمك لأسياد قريش وساستها وكبرائها , كيف كان حالهم قبل دعوة النبى لهم , بقد كانوا أسياد العرب , وإليهم يحج من أراد الحج , فلهم شرف وكرامة بين العرب ,ولكن لما عرضت عليهم تلك الأمانة فأبوها , أذلهم الله تعالى , وجلهم عبرة لمن يعتبر ممن جاء خلفهم , فما نفعهم شرفهم , ولا جاههم , ولا مالهم , ولا تاريخهم , بل صاروا أذلة بذل الإسلام لهم , لما خالفوا أمر ربهم ,وفى ذلك يقول النبى صلى الله عليه وسلملما قال أبو سفيان يوم أُحُد للمسلمين : لنا العزَّى ولا عزّى لكم، قال النبي صلى الله وعليه وسلم لأصحابه : ( قولوا : الله مولانا ولا مولى لكم ) أى عزنا فى طاعة مولانا . ولا ع لكم , إذ إنكم عصيتموه ,وانظر كيف حالهم يوم هموا فى بدر , كيف دفنوا , لقد ألقوا فى قليب , جيفا فوق جيف , فأذلهم الله فى الحياة وخذلهم , وبعد الممات , ويوم القيامة , وانظر كيف أعز الله ثلة من خلقه أطاعوه ,بعدما أن كانوا أذلة صاغرين , متفرقين متقاتلين ,فانظر إن شئت لبلال بن رباح رضى الله عنه , العبد الحبشى ,و تذكر صورته و أمية بن خلف يطرحه علي ظهره في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة فتوضع علي ظهره ، ولا يريحه من عذابه سوي قوله يقولها :- أكفر بما جاء به محمد وأعبد اللات والعزي فيقول في بلائه هذا :- "أحد أحد " وهم يأمرونه أن يقول مايقولون ، فيجيبهم فى تهكم قاس : "ان لسانى لايحسنه"، ويلجأون معه بالعنف تارة وبالمراوغة تارة أخرى ، وهو كالطود الأشم ، لايقبل المساومة ويستهين بالعذاب اليومى ، حتى تعب جلادوه من تعذيبه ، وكأنهم هم الذين يعذبون ، فأستراحوا ببيعه لأبى بكر الذى حرره . نعم لقد عذب بلال عذابا شديدا يوم أن كان فقيرا مملوكا ضعيفا مهينا عليهم . ثم انظر إلى عز الإسلام له وكيف أنه مات واليا على مصر من الأمصار وكان عمر بن الخطاب يقول: [ أبو بكر سيدنا، وأعتق بلالاً سيدنا ]. وممن أسلم أيضاً وكان ذليلا ضعيفا: عمار بن ياسر رضي الله عنه وأرضاه، أخذه كفار قريش وعذَّبوه، حتى قدموا له الجعل وقدموا له الحشرات، فيقولون: ربك هذا؟ قال: نعم ربي.قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } بل مات والداه صابران محتسبان لله رب العالمين , وكذلك ممن أعهم الله بالإسلام سلمان الفارسى الذى حضر لمكة عبدا يباع ويشترى ثم من الله عليه بالحرية فاتبع الإسلام وعلا قدره وارتفع شأنه وبزغ نجمه فصار علما من أعلام الصحابة رضى الله عنهم . وانظر إلى ربعي بن عامر حين دخل ، وهو شاب في سنٍ صغير، وثيابه ممزقة، ورمحه مثلم، وفرسه هزيل، دخل على رستم الكافر العاتي الفاجر، في معركة القادسية ، قبل أن تبدأ المعركة، مع رستم ثلاثمائة ألف، ومع ربعي وهو مع سعد بن أبي وقاص في جيشه ثلاثون ألفاً، فلما دخل ربعي على رستم ضحك رستم وضحك وزراؤه، وقال رستم: جئتم تفتحون الدنيا بهذا الفرس المعقور، وهذا الرمح المثلم، وهذه الثياب الممزقة؟ فضحك ربعي ضحكة المنتصر الذي يعتز بدينه، والذي خرج من وطنه يرفع اسم الله - عز وجل - قال: [[ نعم.جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان، إلى عدل الإسلام ]] وبعد ثلاثة أيام أتت هذه الخيول الهزيلة، والرماح المثلمة، والثياب الممزقة، فدكت - بإذن الله - إمبراطورية كسرى، وسوتها بالأرض، فأصبحت قاعاً صفصفاً، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً. ودخل سعد فلما رأى قصر كسرى، قصر العمالة، قصر الضلالة، قصر البغي والعدوان والجهالة، دمعت عينا سعد دموع الفرح المبتسم المبتهج بنصر الله وقال: { كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عليهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ } وهناك: { فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } . ولك أن تنظر أخى الكريم إلى ما بعد هذا الفتح وقد لبس سراقة بن مالك سوارى كسرى , وتحققت بشارة النبى صلى الله عليه وسلم له . وبعدما مات النبي صلى الله عليه وسلم، ومات أبو بكر رضي الله عنه، وجاء عمر وفتحت المدائن، وجاءت كنوز كسرى، ووضعت في المسجد النبوي، ويقف عمر بن الخطاب قائلا: أين سراقة!؟ فيقول سراقة: نعم يا أمير المؤمنين، فيعطيه عمر وعد رسول الله ..سواري كسرى.. فيأخذها سراقة ويبكي ويضج المسجد بالبكاء. مما سبق من الأمثلة – القليلة فى تاريخ الإسلام العظيم – يتبين لكل ناظر كيف هو ستر هذا الدين للعيوب وإصلاحه لها . وكيف يجمل هذا الدين من يتزي بزيه ويلبس لباسه ويرتدى رداءه . فزين حياتك أخى فى الله بهذا الدين , وسر على منهاجه , وجمل أخلاقك بشرائعه , 32 – ( الداعي الحقيقي , لا تموت الدعوة في بيته بموته , فضروري أن نتفكر للزوجات والأولاد ) أيها الإخوة الكرام الدعاة إلى الله تعالى . من الضرورى جدا أن نتفكر لذرياتنا بالهداية كما نتفكر لجميع الأمة . إذ كيف يعقل من أحد أن ينجى الناس ويهلك نفسه ؟! وكيف يقبل من أحد يدعوا الناس للهداية ويسلك هو طريق الغواية ؟! كلا . ما هذا مسلك المسلمين أصلا , فضلا عن أن يكون مسلك الموحدين الدعاة إلى الله رب العالمين . إن الله عز وجل أمر رسوله بدعوة آل بيته وعشيرته أولا إلى الدين الإسلامى قبل أن يأمره بدعوة الناس عامة فقال جل جلاله ( وأنذر عشيرتك الأقدمين ) وبعدما استقر الإسلام ودخل البيوت وسكن الصدور , أمر رسول الله كل مسلم بالقيام بحقوق بيته , فقال ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ......) ومن أوليات الرعاية أن يتفقد أحوال أهل بيته , كيف حالهم مع الله ؟ وكيف انصياعهم لأمر الله ؟ وكيف ائتمارهم بالأمر وانتائهم عن النهى ؟ وكيف خوفهم من الله ؟ وهكذا ... وكذلك النصيحة التى هى من أعظم شعائر ديننا , قال عليه الصلاة والسلام ( الدين النصيحة , قلنا لمن يارسول الله , قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) فلك أن تتخيل كيف أمر الرسول بالنصيحة لعامة المسلمين , فكيف يكون أمره مع خاصتهم ؟! لا شك أن النصح اوجب والأمر آكد . فهناك كثير من الدعاة إلى الله فى كثير من الأفكار والمناهج الإسلامية يقضون أعمارهم فى سبيل الله تعالى .وينشرون الدين ويعملون له بل ويملئون الدنيا علما وفقها , وتجد تلامذتهم يملئون الدنيا علما. ثم بعد مماتهم لا تجد ثمرة تذكر فى أهليهم وذريتهم , وهذا أمر يؤسف جدا . من المهم جدا أيها الأحباب الكرام أن نقيم بيوتنا على الدين ونغرس فيهم حب الله ورسوله وأصحابه والصالحين . ونربى بناتنا على العفة والفضيلة والحجاب والتستر والوقر فى البيوت وعدم التجوال فى الشوارع – نقلل منه حتى للأمور المشروعة حتى لا يتعودن على ذلك وتكون العاقبة الوخيمة – ونربيهن على أن يكن ربات البيوت الصالحات والزوجات المعينات لأزواجهن على حمل أمانة الدين .لأنه كما يقال وراء كل عظيم امرأة . وقد أصل علماء أهل الدعوة رحمهم الله تعالى أصولا متى اتبعناها كانت سببا لإصلاح البيوت . من ذلك قولهم ( إقامة حلقة التعليم فى البيت يوميا ) وذلك بتحديد وقت معين يجنمع فيه أفراد الأسرة كلهم ويقرأ أحدهم من كتاب رياض الصالحين – عادة ويجوز من غيره – ومن كتاب حياة الصحابة – ويجوز أيضا من غيره – حتى يتعلم أفراد الأسرة فيما بينهم – وبالتأكيد من يقؤأ لهم يكون متعلما لما يقرأ – وهكذا يكون التعليم فى البيوت على هدى الرسول صلى الله عليه وسلم . الرجل تعلم من المسجد ثم يأتى لبيته فيعلم أهل بيته من زوجة وأولاد . ولا يفتح الحبل على الغارب للنساء للذهاب والإياب بحجة طلب العلم , فهناك الرجال يذهبن لطلب العلم ثم ينقلبن لأهليهن لتعليمهن . ولا يخغى ما فى الفتنة من خروج النساء حتى وإن كن منتقبات .ومن حضر اجتماعاتهن علم ذلك عن كثب,وليس راء كمن سمع . وكذلك اخى الداعى إلى الله عز وجل والسائر فى طريقه , علم اولادك الذكور الدعوة إلى الله وهم فى الصغر , وعودهم حضور الجولات ومناصرة الجماعات – لفظ جماعة اصطلاحا فقط – والقيام بحلقات التعليم فى مسجد الحى . ودربهم على فنون الدعوة , وتحمل المشاق , وأسمعهم أحوال الجماعات فى العالم وما فتح الله على أيديهم , حتى يتحملوا المسئولية من الصغر , إذ ليس فى أمتنا صغيرا , فهم على صغر السن عظام الهمة . كبار المسئولية , فلا تستصغر ولدك أبدا , فلربما كان مجدد عصره , ومنقذ مصره , وإذا فاتتك مشيخة الإسلام وقيادة الأمة – ما ذاك إلا همة عالية وتمنى من الله - فلا تفوتها ولدك , واستعن بالله ولا تعجز , فمن جد وجد ومن زرع حصد , (((( وقد حدث بعض العلماء ولده يوما فقال له ماذا تتمنى ان تكون فقال له ولده أتمنى أن أكون مثلك يأبى فقال الوالد – وهو عالم – إذا ضعفت همتك ودنت , لقد كنت أتمنى أن أكون كعلى بن أبى طالب وظللت أعمل لذلك سنين طويلة , ثم أنا الأن بينى وبين على البون الشاسع .- اوكما قال - )))) والله المستعان . 33 – ( نتعلم كلمة " لا باس " ولا نتنافر بكلمة " لماذا ؟ " .) إعلم أيها الداعى إلى الله والسائر فى طريقه أنك ستلاقى امورا لا ترتاح لها وربما تصاب بمصائب وتبتلى ببلاوى.ولكن المطلوب منك أن تصبر على ما يصيبك فى هذا الطريق فإن نهايتك سعيدة إن شاء الله .والمكاره التى تحف طريقك وتقع على عاتقك ليست فى الحقيقة مكارها بل هى والله – إن عقلت – كرامات من الله تعالى .فاعلم أنه يبتلى المرء على قدر دينه . فإن كان فى دينة صلابة زيد فى البلاء وإن كان فى دينه رقه يبتلى المرء على قدر دينه واعلم أيضا أن أعظم الناس بلاءا هم الأنبياء ثم الصالحون وذلك لما وقر فى قلوبهم من الإيمان وما ظهر عليهم من العمل الصالح .فسر فى هذا الطريق ولا تتراجع . واثبت ولا تنحرف .وإذا تعرضت للشدائد فقل (لا بأس) الآخرة خير من الأولى .وإن أصبت بشىء فى مالك فقل (لا بأس)الجنة أكثر أموالا .وإن أصبت بفقد ولدك فقل (لا بأس )طلب صاحب الأمانة أمانته فهو أحق بها من المؤتمن عليها .وتعلم يأخى كلمة لا بأس فى كل شئون حياتك.وإذا عارضك أحد من إخوانك أو اعترض عليك فقل ( لا بأس )عند الله تجتمع الخصوم ولا تنتقم لنفسك فلك رب لا يغفل عن صغيرة ولا كبيرة. ولا تنزعج من كلمة لماذا ؟ هناك من يقول لك لماذا تحبس نفسك فى اللباس الذى ما عاد أحد يلبسه ؟ لماذا تطلق اللحية ونحن فى عصر حديث مدنى ؟ لماذا تقصير الثياب ؟ ولماذا تكبتوا نسائكم فى البيوت ولا تنوروهن بالتعليم العصرى والمدارس المفتوحه ؟ ولماذا تتركون أهاليكم وأولادكم وتنامون فى المساجد ؟ ولماذا تلبسون على رؤسكم عمائم كالبدو الرحل ونحن والحمد لله فى مدن عصرية مدنية ؟ ولماذا لا تدخلون بيوتكم التلفاز الذى تعرفون منه أخبار العالم ؟ ولماذا لا تركبون الدشوش على بيوتكم حتى تتفتحوا وتعلموا ما يدور فى العالم حولكم ؟ ولماذا . ولماذا ولماذا ؟؟؟ أسئلة كثيرة ربما تتعرض لها ممن لا بفقهون مغازى الشريعة . وهنا تدعوهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وتقول لنفسك (( لا بأس )) 34 – ( الأحوال والمشاكل بسبب تمسكنا بدين الله , هي في الواقع الرحمة والنصرة ). أيها الداعى إلى الله تعالى لا تتراجع عن غايتك بسبب ما تلاقيه من الشدائد فى سبيل نشر الدين والدعوة . فكل إنسان فى هذه الدنيا مبتلى .فمن عمل للدنيا فسيبتلى وكفى بانغماسه فى الدنيا وعدم استطاعته لتحقيق مراد الله في نفسه وفى أهل بيته من بلاء .ومن رام السلاطين فسيبتلى وكفى بجوار السلاطين بلاءا.ومن ابتغى الشهرة والمنصب فسيبتلى وكفى بتصدره لما هو ليس له أهل من بلوى وكفى بحكمه الذى لا يراعى فيه شرع الله من بلوى . ولا تغتر بما هم فيه من نعم قليلة فنعمتهم التى يمرحون فيها لاشك ستزول .واعلم أنك مرحوم من الله تعالى بهذا البلاء وتلك الأحوال.فإن قدرك عند الله عظيم ومجدك عنه عالى . وتفكر فى قول الله تعالى ( وليمحص الله الذين ءامنوا ويمحق الكافرين )فلابد للمؤمنين من التمحيص حتى يثبت من هو حقا أهل للثبات .وحتى لا يختلط الحابل بالنابل .فمن ثبت فى هذا الطريق وتحمل المشاق نبت فى قلبه الإيمان وترعرع وانبت نباتا حسنا يؤتى ثماره فى كل مكان حل فيه وارتحل . وافخر رحمك الله بشهادة الله لك أنك من المؤمنين فى قوله (وليمحص الله الذين ءامنوا..) فهذه شهادة من الله تعالى أنك منهم لذلك وقعت فى التمحيص فاثبت ثبتك الله . 35 – ( دين الله تعالى ,لا نتحصل عليه بالحفظ والترداد فقط , ولكن بالتعليم والتربية والتطبيق والمجاهدة ) صدق القائل والله إن علم الدين هو العمل فليس يتحصل الإنسان على مرضاة الله تعالى وعلى جناته والفوز برؤيته يوم القيامة إلا بحقيقة الدين التى تأتى فى الإنسان .وحقيقة الدين هى تطبيقه العملى وليس معرفته النظرية.فلا نتحصل على الدين بمعرفتنا للمسائل نظريا دون تطبيقها تطبيقا عمليا فى واقع حياتنا .ولكن بالتعليم الذى هو الباب لكل ذلك ويكون من المشايخ بطرق متعددة وكما يقال (لكل شيخ طريقة ) أى لكل شيخ فى توصيل الحق لناس طريقة وتلك الطرق يقبل منها ما وافق الشرع ويرد منها ما خالفه أو تعارض معه .فالتعليم قد يكون من المشايخ بالكتب بطريقة التلقى كما هو مشتهر عند طوائف كثيرة فى زماننا .أو يتعلم العلم من العالم بتقليد فعله وهذه الطريقة هى التى كان يعلم بها النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه ويسير عليها أهل الدعوة فى أكثر أحوالهم .فحينما يعلمون أحدا يأخذونه معهم حتى يتعلم فى الميدان العملى . وفى أثناء التعليم تكون التربية للشخص المتعلم حتى لا يكون العلم دافعا لتكبره . بل يكون العلم الذى يتعلمه دافعا لتواضعه وحلمه . وكلما تعلم مسألة جديدة أو سنة لم يكن يعلمه يحزن على ما فات من عمره مقصرا ويحزن على من لم يتعلم ذلك من إخوانه فيزداد لينا لهم حتى يتعلموا ذلك منه .فالتربية أثناء التعليم مهمة جدا حنى يكون الإنسان سائرا إلى الله فى الطريق الصحيح .وبعد التعليم يجدر بالإنسان أن يطبق كل ما يتعلم على نفسه أولا قبل أن يطالب غيره بذلك . ومن يتعلم من الدين شيئا ثم لا يطبقه على نفسه فلا تجد له أثرا فى مجتمعه حتى لو كان داعية مفوها أو خطيبا بارعا . إذ العلم يهتف بالعمل فإن أجاب ,وإلا ارتحل فالتطبيق هو العلم الحق الذى يطالب به كل مسلم . ولذلك يقول الله تعالى (( أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ....)) فانظر كيف بين الله تعالى أن الذين يعلمون هم الذين يعملون .وكيف قارن الذى يعمل والذى لا يعمل بالذى يعلم والذى لا يعلم . وكأن يريد أن يقول إن الذين يعملون بما يعلمون هم العالمون حقا أما الذين لا يعملون بما يعلمون ليسوا بعالمين وإن كانوا عارفين حافظين للمسائل . ومع كل ذلك وفى كل مرحلة نحتاج للمجاهدة حتى نثبت على الطريق .المستقيم حتى نلقى الله تعالى على ذلك إنه ولى ذلك ومولاه . فحرى بالطلبة الذين يكثرون من جمع المسائل وهم غافلون عن التطبيق العملى لها أن يتفطنوا لمكامن الخطر التى بينها الله فى كتابه وبينها الرسول فى سته ووضحها العلماء العاملون جزاهم الله خيرا . 36 – ( ببركة الجولة بين الناس والدعوة إلى الله , تُعَمّر المساجد بجدرانها ورجالها ) إن القلوب الغافلة عن ذكر الله كثيرة .منهم الكفار الذين هم على غير الملة والديانة .ومنهم من ليس لهم دين ولا يعبدون ربا . ومنهم من هم من أبناء تلك الأمة .فالقلب الغافل هو القلب البعيد عن ذكر الله تعالى وعن طريقه .وهو القلب الذى رانت عليه المعاصى حتى أغلفته فلا يشعر بحلاوة عيش ولا يتلذذ بطعم حياة.وبعد القلوب وقربها عن الله تعالى متفاوت تفاوتا كبيرا .فمنهم الذى هو داخل دائرة الإسلام ومنهم من هو خارج تلك الدائرة .ومن بداخل الدائرة أهون بكثير ممن هو خارجها .إذ هو يحمل فى قلبه الإيمان أو جزءا منه ولكن الران الذى علا قلبه يمنعه من كمال اللذة بالله وتمام الأنس بطاعته.أما من هو خارج تلك الدائرة فهو كافر مخلد فى النار إن مات على ماهو عليه من كفر بالله تعالى . وأصل الدعوة تكون للكفار لا للمسلمين .إذ المفترض أن المسلمون جميعهم يقومون بالدعوة لغير المسلمين . وإذا وقعت ثمة معاصى من المسلمين فالنصيحة لهم قائمة من إخوانهم وهى تسمى بالتذكير مصداقا لقوله تعالى (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) فالدعوة أصلا لغير المسلمين والتذكير للمسلمين. وإطلاق الدعوة على المسلمين إطلاق جائز . ويقوم أهل الدعوة الكرام بالدعوة لغير المسلمين والتذكير للمسلمين فى بقاع الأرض كلها .باللين والرفق حتى تتعمر المساجد وترتفع الأذانات ويقام الدين ويعظم الله عز وجل ويعبد ويوحد ويمجد . ويقومون بهذه الدعوة فى رحلات يرتبونها حسب إمكانات القائمين بها – وهى غالبا تاخذ صورة واحدة لسهولتها – ويسمونها اصطلاحا (جولات) ويقومون فى هذه الجولات بالمرور على الناس فى اماكنهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل .فى بيوتهم ونواديهم وأماكن تجمعاتهم .وهذه الدعوة التى يقون بها أهل الدعوة الكرام يفتح الله بها فتوحات عظيمة .ففى بلاد الغرب شيدت آلاف المساجد وأقيمت الشعائر الدينة وظهر الإسلام بعدم أن غاب قرونا طويلة .فتجد فى فرنسا أكثر من ثلاثة آلاف مسجد وفى أمريكا ألوفا أخرى من المساجد التى بنيت وكان الفصل الأول فيها إلى جولات أهل الدعوة فى العقود الأخيرة .وكان ذلك يوم لم يكن هناك من يهاجر للدعوة إلى الله فى تلك البلدان إلا ندرة قليلة جدا من أفراد معدودين باجتهاداتهم الشخصية .ولكن لما تحرك أهل الدعوة حركة شبه منظمة ومرتبة – اجتهاديا – فتح الله عليهم وبهم .وهذه سنة كونية . سائرة .إذا تحرك الحق على الباطل اضمحل الباطل وزهق وذلك لضعفه وخوره .اما إذا وقف الحق او انزوى فى مكان ما ,فإن الباطل سينتفش وينتفخ وينتشر لا لقوته ولكن لغياب الحق . فجزى الله أهل الدعوة الكرام على ما يقومون به من جولات ورحلات دعويه. 37 – ( حديثنا عن الإيمان بين بعضنا , أقوى من إلقاء وسماع المحضرات ) لا شك أخى الكريم أن البيان عن الله هو أمر مهم للغاية . فلقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم – وإن قل – ليقومون بتبيينه للناس .وإلا كان العقاب من الله جل جلاله .فقال فى محكم كتابه (ولقد أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ...)فيجب على من عنده علم وبصيرة أن يبين للناس ما يصحح مسار حياتهم ويضبط ما قد يقعوا فيه من مخالفات على المنهج الربانى .ولا استثناء فى هذا الميثاق لأحد دون أحد . فمن علم مسألة علما صحيحا فعليه أن يبين مااستطاع .لا حجة له عند الله .فحينما يقع أمامه مخالفة لما هو عالم به .يجب عليه أن يوضح للناس ذلك أن مراد الله غير ما يفعلون .ولكن بحكمة ولين وعلم . ولا يقتصر تبيين الحق للناس على المنابر فقط أو على الكتب والأشرطة فقط . بل بكل وسيلة ممكنة يجوز لنا أن نبين ونوضح . واعلم أن المحاضرات والدروس التى هى منتشرة فى أغلب مساجد المسلمين منشغلة أكثر انشغالها بالحديث عن الأحوال التى يمر بها المسلمون – وهذا أمر جميل وحسن –وكذلك تأخذ أكبر قسط منها لشرح المسائل العلمية والأمور الخلافية .حتى أنه لتجد أكثر الطلبة منشغلون بالخوض فى المسائل الخلافية التى لا طائل منها عندهم – إلا لمن هو متلبس فيها أو العلماء الذين من اختصاصهم تحقيق تلك المسائل – وتجد الطالب يضيع من وقته الأيام والأسابيع زعما منه البحث عن مسألة أو تحقيق حديث والحديث الذى هو منشغل به قد حققه العلماء الفطاحل من قبله .ثم يريد هو أن يستدرك عليهم عفا الله عنه .هذا حال كثير من الطلبة – إلا من رحم الله منهم . وما درى هذا المسكين أنه إلى الإيمان والخوف من الله والبحث عن مكامن الخطر فى قلبه أحوج منه إلى البحث عن مسائل ربما لم يتعرض لها يوما فى حياته . وما علم هذا المسكين أنه مسئول امام الله عن مدى إيمانه بالله تعالى واتباعه للرسول صلى الله عليه وسلم ولن يسأل لم لم تحقق المسألة الخلافيه الفلانية .؟ ومن كان له قلب فليتعلم من أسوته وحبيب قلبه الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم كيف هو قضى شطرا من حياته كبيرا يقارب الثلاث عشرة عاما يعلم أصحابه الإيمان والتقوى والخوف من الله ومراقبته وحسن الثقة بالله والتعلق به دونما شىء سواه .ثم بعد ذلك حينما أكرم الله عز وجل بالفتوحات وسكن المدينة ظل يرسى دعائم الدولة الإسلامية الوليدة – أنذاك – ومدته عشرة أعوام . فلذلك الإجتهاد لتقوية الإيمان فى القلوب أولى من الإجتهاد فى غيره مع التقصير فيه . ومن اجتهد فى الإثنين معا فهو المطلوب . أكررها .من اجتهد فى تحقيق الإيمان حتى ينقاد لله تعالى فى كل شئونه واجتهد فيما سواه من المسائل العلمية حتى الخلافية فهو النمذج الأمثل الذى نتمنى أن نكون منهم .إذ هى الصورة الصحيحة التى ينبغى أن يكون عليها المسلم . أما أن يضيع إيمانه بحجة أنه طالب علم – وما أكثرهم عند من لا يحابى احدا –فلا يقبل منه ذلك . وليبحث عن شيخ ربانى يعلمه صغار العلم قبل كباره . ويعلمه الضرورى فى حياته قبل المندوبات . وتمعن فى كلام الصحابة رضى الله عنهم ( تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا على إيماننا ) فالإيمان مقدم على الأحكام . واعلم أنك يلزمك علم الأحكام التى تتعرض لها .او التى تعرض لك فى حياتك .وهذا أمر واجب عليك لا مستحب .فمن كان تاجرا فعليه أن يتعلم فقه البيوع وجوبا لا استحبابا . ومن يقوم بالمزارعة أو المآجرة فعليه مثل ذلك أن يتعلم من الدين ما يحتاج إليه . وهكذا . والخلاصة أن الإنسان محتاج لسماع الكلام فى الإيمانيات والكلام فى الأحكام والمسائل إذ لكل منها أمورا لا يسع المسلم جهلها .ولكن حاجة المسلم إلى الإيمانيات أكبر من حاجته إلى غيرها .والله أعلم. 38 – ( اللين مطلوب مع الدعاة ومع الناس , فشدة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت بالتقوى التى عنده , وعلى حسب الذين حوله من الرجال , فهل عندنا تقوى عمر رضي الله عنه ؟! وهل من حولنا مثل أصحابه ؟! ) إعلم أخى الداعى إلى الله والسائر فى طريقه أنك مطلوب منك عدة أمور تفعلها لزاما حتى تصل دعوتك إلى ما ترجوا . وكل هذه الأمور هى حكمة فى الدعوة لا غير ذلك .وتلك الحكمة مستنبطة من الكتاب والسنة وسيرة النبى وأصحابة الذين مصباح يضىء الزمان . فيجب عليك أن تكون لينا هينا سهلا مع الناس حتى تأسر قلوب من قدر الله له الهداية فيقبل منك الكلام .وحتى تتجنب إثارة حفيظة من كان فى قلبه شدة وغلظةعليك وعلى إخوانك .فاللين والرحمة فى المعاملة مانتا فى شىء إلا زانتهما وما نزعتا من شىء إلا شانتهما .وكما يقال الموؤمن هين لين سهل إن قيد قيد ينقاد كالجمل المخطوم .والتشبيه بالجمل فيه لطيفة عظيمة وهى أن الجمل مع كبر حجمه وعظم ظهره وشدة قوته وضراوة بأسة إلا أنه يستطيع الطفل الصغير أن يقوده.فالمؤمن مع عظم قدره وعظيم شأنه يكون هينا لينا سهلا بشوشا مع الناس . واعلم ان عمر بن الخطاب الخليفة الراشد أمير المؤمنين كان شديدا فى الحق . وقد كان تقيا نقيا زكيا ورعا رضى الله عنه كيف لا وهو خليفة رسول الله وخليفة خليفته. فبتقواه كان شديدا فى الحق .وكذلك بتقوى أصحابه وأعوانه .فانظر إلى أعوانه من هم ؟ إنهم الصحابة الكرام .أبر هذه الأمة قلوبا واعظمهم وأعمقهم فهما وأقلهم تكلفا . فلذلك كان الراعى من جنس الرعية . والآمر ملائم للمأمورين .وهذه حكمة الله جل جلاله . اما لو كان عمر رضى الله عنه بتقواه وورعه وشدته فى الحق فى هذا الزمان .فماذا ياترى كان سيكون ؟هل كان الناس سيأتمرون بأمره أو ينتهون بنهيه ؟ وهل كان سيظل فى الإمارة يوما واحدا .؟ أظن أن هذا المر مستحيل جدا .والدليل . انظر رحمك الله إلى الحكومة الأفعانية التى قامت فى أوائل التسعينيات فى بلاد الأفغان على أيدى القاعدة وطالبان – المجاهدين حفظهم الله – ماذا كان رد فعل الشعب حينما تولى أولئك الأبطال السلطة ؟ لقد قام الحكام المسلمون بمنع التبرج والسفور ومنع الإعلام الفاسد ومنع البنوك الربوية وغير ذلك من الأمور المسلم بتحريمها تحريما قطعيا لا جدال فيه ولا مراء ولا خلاف ..ولكن لم يتحمل الشعب المسلم هذا الأمر وانقلبوا على الحكومة وأسقطوها وتعاونوا مع الكفار من سوفييت وغيرهم للقضاء على المجاهدين .والعياذ بالله . فانظر إلى ورع وإيمان هؤلاء االمجاهدين حينما أقاموا أجزاء من الشريعة على أرض الواقع كيف كان رد فعل الشعب الذى هو غير مهيأ لقبول تلك الأوامر. وانظر إلى ورعهم بجانب ورع عمر وتقواهم بجانب تقواه وخوفهم بجانب خوفه وغضبهم للدين بجانب خوفه رضى الله عنه ؟ لا شك أن البون شاسع .ولكن لو كان عمر بن الخطاب مكانهم فسيكون شدته أشد منهم .وسيقابل بأشد مما قوبلوا به .وما ذلك إلا لعدم تربية الناس أولا على الدين وتصفية قلوبهم من الشوائب والأدران .وهنا مبدأهام جدا وهم التخلية ثم التحليه أو التصفيه ثم التربيه. فارحم أخى الداعى إلى الله على إخوانك واحلم عليهم . وبش فى وجوههم ولا تعبث فى وجوههم . وانظر لقول الله تعالى لرسوله (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر )كيف دلل الله عز وجل على سبب قبول الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبب الذى جعل له القبول وهو اللين الذى تحلى به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذى هو من عند الله جل جلاله وحده .وبين الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه لو كان غير لين معهم وسلك مسلك الشدة والعنف لانفض الناس من حوله ولم يقبلوا منه شيئا . فانظر رحمك الله إلى قدر الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف كانت الصلاحيات التى تميز بها والصفات التى منحه الله إياها . ومع ذلك لم يكن السبب فى كل ذلك بل فى الطرية الدعوية وهى الرحمة واللين والحكمة والموعظة الحسنة . وهذا البيان فى كتاب الله ليس لرسوله صلى الله عليه وسلم فقط ولكن تعليما لأمته .فعلينا أن نتحلى بالصفات التى تحلى بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وكانت سببا لنشر دينه . 39 – ( المطلوب أن نحزن على تقصير أفراد الأمة , ولكن لا نغضب إلا من تقصيرنا ) يريد القائل لهذه العبارة أن يوضح للناس ان العمل لهذا الدين محفوف بالمكارة والمشاق والمتاعب . ولن يخلوا عامل لهذا الدين من مصيبة أو ضائقة أو نازلة تؤرق مضجعه.وهذه سنة الله الكونية فيمن سبقونا .فانظر كيف كانت نهاية حياة سيدنا زكريا عليه السلام ؟!لقد شق بالمنشار . وابنه يحيى عليه السلام . هل تعلم كيف مات ؟ لقد مات ذبيحا .!! وقدمت رأسه هدية لبغى من بغايا بنى إسرائيل . أخى الحبيب لا تستسهل الطريق فى سبيل الله . فالطريق صعب وشاق إلا على من يسره الله عليه . ومن رام شيئا وسعى فى طلبه وأخلص النية واخذ بالأسباب المشروعة فلن يخذله الله عز وجل ولن يرده خائبا .فاعمل واخلص النية لربك جل وعلا . واعلم رحمك الله انك كثيرا ما ستقابل اناسا فيهم صفات لا ترضيك أبدا .ولا ترضى الله عز وجل فلا تتضجر ولا تصعر خدك ولا تتركهم واحلم عليهم وانصح لهم ويسر لهم الأمر .فإن حزنت على حالهم فلا تظهر لهم ذلك حتى لا تتغير قلوبهم ويتسلل إلى قلوبهم الشك أو الصد عن سبيل الله .فإن حزنت على حالهم وغضبت من فعالهم فادع لهم بظهر الغيب فى خلوتك .وأكثر من التضرع لله عز وجل أن يتوب عليهم ويرحمهم إنه بهم أرحم منك بل ومن أمهاتهم .ولا تفارق وجهك البسمة .وابك على تقصيرك واضرع إلى الله بالعفو عنك وعن إخوانك فهو النصير لك ولهم .ولا قدرة لكم على تغير حالكم أو حالهم إلا بالله عز وجل ..... انتهى وللكتاب إضافات تأتى لاحقا

كتبه

أبو إلياس طه بن إبراهيم القلموشى المصرى

فى يوم الأحد

الموافق 17 من ذى الحجة 1432

الموافق 13/11(نوفمبر)/2011

شبكة الدعوة والتبليغ

http://www.binatiih.com

 
 
المشاركة السابقة : المشاركة التالية


 
 

أعلى الصفحة

برنامج البوابة العربية 2.2