مازال العمل جاري في تطوير الموقع وفقنا الله وإياكم لكل خير وسدد خطنا وخطاكم على طريق الحق

 

شبكة الدعوة والتبيلغ » المواضيع » رســـــــائل هنديـــــــــة


الدعوة على منهاج النبوة

 

 

 

الدعوة على منهاج النبوة

            لفضيلة الشيخ الأستاذ أحمد الأنصاري

          الأستاذ بالجامعة الإسلامية  بهاوالبور باكستان


                      بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وبعد :

كان أوائل هذه الأمة معروفين بالجهد، للدين حتى تخلل هذا الجهد في شرايينهم ودمائهم، حتى أصبحت التضحية بالمال والنفس والوظيفة والأهل والمنصب شيئاً محبوباً لديهم وسهلاً عليهم، وأصبح انقطاعهم عن الجهد لإقامة الدين ولو للحظة بسيطة، شيئاً لا يمكن تحمله، ولم تكن دعوتهم فقط بالكتابة والخطابة، ولكن بالتضحيات المتواصلة ترعرعت ونشأت هذه الدعوة من جهدها.

والتضحية هي طريق إبراهيم عليه السلام لحصول معية الخالق لأداء الدعوة المحمدية للإسلام إلى المخلوق بجهد متواصل، وبهذا الجهد خضع نظام الكائنات تحت أقدامهم، وكان خالق الكائنات ينصرهم ويؤيدهم، فالدعوة إلى الله عز وجل هي جوهر امتيازي لهذه الأمة يضمن لها عزها ورفعتها، شريطة أن لا تكون بالطرق الموجودة المخالفة بل على منهاج النبوة وأسوة الصحابة الكرام رضي الله عنهم، يعني أن تكون الدعوة بدون مقابل، وعلى صورة النفر الجماعي كما قام بها أصحاب الدعوة في القرن الأول الهجري.

                    إلى أصحاب الفكر

ثبت في التاريخ أنّ أول عمل انتقل إلى الأمة المسلمة من رسولها الكريم صلوات الله عليه علماً وعملاً هو الجهد للدين، والذي هو بالقياس إلى باقي الأعمال يعتبر الأساس فإذا قام المسلمون في أي زمان ومكان على أعمال الدين بكل فروعه ولكن مع الغفلة عن منهاج وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام منهم لذلك يكونوا ضالين، لأن من يرى الدين الذي قام عليه الرسول    أي الدعوة، واستمر على القيام بباقي أعمال الدين فهو ساقط من عين الله حتى إن دعاؤه لا يستجاب لحديث الرسول  إن الله يقول لكم مروا بالمعروف وأنهو عن المنكر قبل أن تدعوا فلا أجيب لكم وتسألوني فلا أعطيكم وتستنصروني فلا أنصركم. أو كما قال.

فالفريضة التي أعطيها النبي عليه الصلاة والسلام وحولها للأمة قبل فريضة الصلاة والصوم والحج والزكاة والتي بتركها لا يقبل دعاء المتقين والصلحاء كم تكون أهميتها؟ وحيث أن الصلاة التي على غير الطريق النبوي باطلة فكذلك إقامة الدين على غير طريق النبي، لذا ينبغي المحافظة على الطراز النبوي في إقامة الدين والدعوة إليه.

فالسعي لاقامة الدين والدعوة النبوي على المنهج الشائع في العالم كالذي يبني عمارة على أساس غير قوي، وهذه هي الخسارة الأساسية التي بسببها تفشل الحركات الدينية بسرعة وتنش فيها الخلافات وتكون بسببها محرومة لمن النصرة الآلهية.

كما يتضح من رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأن القيام بالدعوة الاجتماعية هي سر قوة المسلمين (لا تغتروا بكثرة الفرس وسلاحهم ولا تخشوهم واستعينوا بالله وارجوه وأرسل ممن معك وفداً لغلى الفرس من ذوي الرأي يدعمهم إلى الإسلام فإن قبل فاقبلوا واعرضوا عنه وإلا فاستعينوا بالله وقاتلوهم) . رواية سيف الدين بن عمر الطبري ج4 ص93.



            سبب كتابة هذا الكتاب وتأليفه:

في سفر الجماعات للدعوة والتبليغ في العالم الإسلامي جاءت هناك ضرورة لعرض طريقة أعمال الدعوة من جولات وخروج، ودعوة عمومية وخصوصية وغيرها، وذلك على ضوء الكتاب والسنة لأنه لا بد من شيئين للعمل في هذه البلاد.

1-                الدعوة بالأخلاق والإكرام.

2-                الدعوة إلى الله على سنة ومنهاج الرسول  إلى مطالعة كتب السيرة، ومن هذه المراجع.

-        البداية والنهاية لابن كثير.

-        رحمة العالمين للقاضي سليمان.

وذلك لأنهما يحتويان على بيان تفصيلي لكيفية الدعوة.

فالدين الإسلامي دين عالمي يستطيع المسلم المميز المعروف بإسلامه من إقامته في العالم كما قام به إبراهيم الخليل وسيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام.

فإقامة الدين من أهم الفرائض التي انتقلت نيابة عن الأنبياء ووضعت على عاتق هذه الأمة وفي ذمتها، وكان هذا العمل سعادة عظمى لهذه الأمة حيث أن الله جل جلاله ختم سلسلة النبوة ونقل جوهر الدعوة إلى هذه الأمة فالصحابة الكرام رضوان الله عليهم وهم من السابقين الأولين لهذه لأمة لم يكن لهم مثيل في أداء وتقديم التضحيات للمحافظة على الدعوة لهذه الأمة لم يكن لهم مثيل في أداء وتقديم التضحيات للمحافظة على الدعوة إلى الله حتى تحصلوا معية الله ونصرته وسخر لهم النظام السماوي والأرضي من جهد وأخرجوا الناس من ظلمات الجور والظلم إلى نور الإسلام .

من جهة ثانية لنسمع هذه الأمة والذي عرضه الصحابة في ايوان كسرى.

(إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبل منا قبلنا منه ورجعنا عنه ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله قال كفار فارس وما موعود الله قال الجنة لمن مات والظفر لمن بقي.

إن إقامة الدين انتقلت إلينا بدعوة الأنبياء عليهم السلام والصحابة الكرام رضي الله عنهم لهذا علينا أن نضع حياتهم أمامنا ونقوم بهذا العمل وعلينا القيام بالبحث عن الطريقة التي أشاعوا بها الإسلام ونصروه بها.

على أي أساس قامت؟ وما هي طريقتهم في الارتباط مع الإنسانية؟

وما هي طريقتهم في الحصول على معية الله ونصرته؟ وما هو نظام الجهد الذي قام به إبراهيم عليه السلام بدون المعدات حتى زلزل الله عز وجل عرش النمرود؟ وكذلك جعل الله موسى عليه السلام صاحب العصا والجبة منتصراً على فرعون صاحب القوة والحكومة ومجبوراً على التسليم به وإطاعته. وفي يوم بدر كسرت جماعة الفقراء الجياع غرور أهل الشوكة والقوة! وكيف أن أصحاب رسول الله  مع قلة عددهم وفي مدة بسيطة من الزمن مسحوا من صفحة التاريخ قياصرة الروم وأكاسرة الفرس وأصحاب الحكومات الكبيرة والقوى العظيمة ولم يبقوا لهم أي أثر.

يتبين لنا مما تقدم أنه بأداء فريضة الدعوة على منهاج النبوة تكفل الله عز وجل بفلاح وفوز الدارين، وفي هذه المذاكرات فإن المقصد هو توضيح الدعوة على منهاج النبوة ليس إلا، حيث أن دعوتنا هذه خارجة عن الطرق والأساليب الحديثة في نشر الأفكار والمبادئ.



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين



              المرحلة الابتدائية في إقامة الدين


إنه لشيء ظاهر أنه قبل البعثة النبوية على صاحبها والسلام لم يكن هناك وجود للإسلام ولا لأعمال الإسلام، ولم يكن هناك وجود للصلاة، ولم تكن ترى الحجاج إلا المشركين ولا أصحاب الإيمان والهجرة والمجاهدين ولم تكن هناك الخلافة الربانية والحكومة الإلهية، ولم تكن هناك الجيوش والقوات، ولكن وبعد مدة وجيزة ظهر أصحاب العبادة والخلافة وصحاب الأخلاق والأعمال وهذا الشيء ليس بحاجة إلى برهان ودليل.

أن في وجود وظهور جميع هذه الطبقات لم يكن لقوة حاكم أو لثروة غني وثري، ولكن هذا كله كان ثمراً لجهد الدعوة، هذا هو أول شيء انتقل من الرسول  إلى هذه الأمة وبعدما أعطانا  الأعمال والعبادات وعلمنا قبل كل شيء أعمال الدعوة، فبقيام نظام الدعوة بدأت الفتوحات الإلهية وفتحت أبواب البركات السماوية والأرضية وتزينت الأقوام بالصفات والأعمال، ولكن الدعوة بأي طريقة كانت لا تكون سبباً للفوز والفلاح، بل إن الدعوة التي تكون على طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي التي تكون سبباً لحصول معية الله عز وجل وعندما تكون المعية الإلهية ففي أي صورة وفي أي حالة يكون الفلاح والفوز!

لهذا وقبل كل شيء كان لزوماً على كل المجتهدين تعلم طريقة الدعوة وتبني الصفات التي بسببها يتحصلوا معية الله تعالى. ففي هذا الكتاب عرض للطريقة النبوية لأعمال الدعوة وإقامة الدين وذلك مدعوماً بالسند من حياة الرسول  وحياة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. نسأل الله تعالى أن يتقبل أمة المسلمين لخدمة الإسلام وإقامة الدين فإنه يرزق الأمة منهاج نبينا محمد  وأصحابه في الدعوة إلى الدين بدلاً من الأساليب والطرق الشائعة والمخالفة.



        تقديم التضحيات لنشر الإسلام وإشاعته :

قال تعالى ) يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر ( [المدثر: 1-7].

يخاطب الله جل جلاله في هذه السورة نبيه عليه الصلاة والسلام، يا صاحب الدثار قم بالدعوة وبين عظمة وكبرياء ربك حتى لا يبقى في نظرك في مقابلته شيء، واختر مع ذلك الطهارة واهجر غير الله (أي اترك كل شيء يكون مانعاً لك عن التعلق بالله ولا ترغب أبداً أجراً وإحساناً على الدعوة، لأنك ستعطي وتثاب بكثرة وبالأجر الأوفى، وكذلك تحمل كل ما يصيبك لرضاء الله. هذه الآيات تشتمل على أصول الدعوة حيث أن أصحاب الفرش لا يستطيعون القيام بهذا العمل، فأولاً ترك الفرش الناعمة الدافئة وعندها يكون القيام بالدعوة، وابتداء الدعوة يكون بتكبير الرب جل جلاله يعني إذا لم يكن كبرياء الله عز وجل في القلب نمو هذا العالم وكل ما فيه من أشياء خارج القلب بمقابلة عظمة الله فأي دعوة يستطيع الداعي أن يؤدي فالداعي يستمر بتقديم التضحيات حتى يثبت أنه يمكن تضحية كل العالم وما فيه ولكن لا يمكن أن يضحي بمعية الله ونصرته ولو لفترة بسيطة، لأن حصول معية الله بالنسبة للداعي هي أعظم معية يتحصلها، وكذلك على الداعي تصفية جسمه وروحه من جميع الأوساخ والأمراض الجسمية والروحية والتمرين على تزكية نفسه بالمجاهدة.

فهذه الدعوة بمثابة جوهرة ثمينة جداً، والله جل جلاله لا يعطي هذه الجوهرة لأي إنسان بدون الابتلاء والاختيار، لأنه لحصوله رضاء الله سبحانه والتأييدات الربانية لا بد من العبور على أودية الابتلاء واجتيازها والتسلح والتجمل بالصبر فلا بد لإقامة الدين من التحمل والصبر الذي تحمله النبي  وأصحابه، والحالات التي مرت بهم حيث أنها هي طريق النجاح لصحاب الدعوة فالجوع والعطش والتضحية بالنوم والراحة والبلد والعزة والجاه مع الإيثار والصبر كل ذلك وغيره خير شاهد على تضحياته من أجل الدين صلوات الله وسلامه عليه.



تحمل الرسول  للأذى :

لقد وجهت لرسول الله  الأقوال الفاحشة وذلك باتهامه بالزنى وفوق ذلك كان يواجه الشتائم والاستهزاء والسخرية بالصبر والتحمل وكان القرآن ينزل عليه يحضه على الصبر كذلك قال تعالى ) واصبر على ما يقولون ( ) وقالوا ءإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ( ) وإذا رأوك أن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولاً ( ، وفي الحديث عن أنس رضي الله عليه، لقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد وأخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ولبلال إلا ما يوارى إبط بلال (البداية ج3، ص47).

فلأجل الدعوة والتبليغ ترك رسول الله  النوم والراحة واستبدل الأمن والسكون بالاضطراب والقلق، وتحمل الفقر والفاقة ونحن نذكر هذه القصص حتى يصبح عندنا عادة تحمل الشدائد والصعاب لنشر الدين.

روي عن عروة رضي الله عنه قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابت من رسول الله  (إلى أن ذكره)، قال فبيناهم في ذلك إذ طلع رسول الله  فأقبل بمشي حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفاً بالبيت فغمزوه ببعض القول فعرفت ذلك في وجهه فمضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفتها في وجهه فمضى فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها فقال: "أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح" (البداية ج3، ص6).

ومرة تكلم كفار مكة مع النبي صلوات الله وسلامه عليه فقالوا: إن كنت حقاً تزعم أنك رسول الله فسير عنا هذه الجبال، وابعث لنا من مات من آبائنا، وخذ لنفسك ملكاً يكون معك أو اتخذ لك جنات حتى نعرف قيمتك ويكون لك الشوكة والغلبة أو أسقط السماء علينا كما زعمت أو يكون لك سلّم فترقى في السماء. وكل ذلك بقصد إيذاءه وهو في ذلك يقول لهم إنني لم أرسل بهذا وليس لي أن أفعل ما تقولون حتى تؤمنوا لأن هدايتكم ليست بيدي، ولكن وظيفتي هي تبليغ أحكام الله جل جلاله فكان جواب الكفار أنه لا يمكن أن نسمح لك ولا نأذن لك بهذه الوظيفة ونشر دينك بيننا ولو أدى ذلك لدفع حياتنا، ولكن مع كل هذه التحديات والتهديدات فقد استمر صلوات الله وسلامه عليه بالدعوة والتبليغ وكان يقول لهم" فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تعرضوا أصبر حتى يحكم الله بيني وبينكم.

فلا بأس من تحمل الأذى بمختلف أنواعه من أجل أن يستمر الجهد لتوجيه الناس من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق ولو أدى ذلك إلى تضحية النفس في سبيل الدعوة وتبليغ الرسالة. فالإستقامة والثبات بمواجهة هذه المشقات هي طريقة  التي يجدر بكل مسلم أن يسلكها في أي زمان ومكان.

لكننا فغي هذا الوقت لا نتحمل سماع كلمة واحدة لأجل الدين وتبليغه، ولا نستطيع الصبر على الأذى فكيف يمكننا التضحية بالروح والنفس لتبليغ الدين وإعلاء كلمة الله عز وجل.



تحمل المشقات والضرب في سبيل الدعوة لإحياء الدين :

لقد كانت علامات الأذى والضرب تبدو واضحة على جسم الرسول  مخبرة عما تحمله في سبيل هذا الدين حيث يصعب لإحاطة بها، ولكن على سبيل المثال لا الحصر نذكر بعض القصص لنعلم كم تحمل حبيب الله وخير خلقه من أجل هذا العمل المبارك وكيف نحن جلسنا عن هذا العمل ولم نبالي بتركه، (عن عروة بن الزبير قال: سألت ابن العاص فقلت أخبرني باشد ما صنعه المشركون برسول الله  قال: بينما النبي عليه الصلاة والسلام يصلي في حجر الكعبة إذ اقبل عليه عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقاً شديداً فأقبل ابو بكر رضي الله عنه فدفعه عن النبي  وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟! وقد جاءكم بالبينات من ربكم). بيتان د3، ص43.

وفي بعض الأحيان كانوا يضعون الشوك في طريقه في ظلمة الليل حتى يدموا قدميه، وعلى باب بيته يضعون الأوساخ كي ينالوا من صحته وكان يقول لهم بئس الجوار هذا يا معشر قريش. (رحمة العالمين، ص42).

ومرة كان عليه الصلاة والسلام يصلي في الكعبة وبعض رجالات قريش جلوس في الحجر فقال أبو جهل: ذبح اليوم زور عند بني فلان فأيكم يأتينا بفرثها منكفئة عليه، فانطلق أشقاهم عقبة بن أبي معيط فأتى به فألقاه على كتفه وهو سجد، فلما فعلوا ذلك تضاحكوا وأخذوا يميلون على بعضهم، فيقول ابن مسعود رضي الله عنه: حدث ذلك وأنا قائم لا أستطيع أن أتكلم وليس عندي منعة تمنعني، حتى أقبلت السيدة فاطمة رضي الله عنها فألقت ذلك عن عائشة واستقبلت قريشاً تسبهم. رحمة العالمين، ص43.

فإذا تفكرنا بعمق لهذا العمل المبارك كم من الأذى والمشقات أصابت جسمه الشريف صلوات الله وسلامه عليه وتحملها من أجل الدعوة لهذا الدين الحنيف حيث أعطى هذه الأمة درساً عملياً في الدعوة والتبليغ حتى يبقى نموذجاً حياً، للأجيال القادمة، لكن هذه الأمة لم تقدر هذا العمل، ولم تحسب له حساب، فوقعت في الذلة ولم يقدرها أحد.

فهيا بنا نقوم بهذا العمل على نهج الرسول  حتى نتحصل على عزة الدنيا ونعيم الآخرة.



طريقة العمل



وحتى يترقى فينا الإسلام وفي العالم، علينا أن نتحمل الشدائد والمصائب، ونصبر على آذى الجسم، ولو اقتضى ذلك أن نقدم أرواحنا فتقدمها غير مبالين من أجل إحياء الدين وإشاعته في أنحاء المعمورة. فاعتياد التضحية براحة الجسم، وتعريف المسلم بأن تحمل المصائب والمشقات والظلم والمصاعب بجميع أنواعها لا يُذكر بالنسبة لما أعد الله للمؤمنين من الأجر في الآخرة. وعلينا كذلك ترك التنعم والترف والنوم وتعويد الجسم على الصبر وتحمل الأذى والشدائد لأجل الدين، وكذلك تعلم الإيثار والتضحيات بأنفسنا وإقامة الآخرين، واستنفارهم على هذا العمل، وإذا كان هناك من يريد تبليغ الدين وإشاعته وهو جالس على الفراش فهذه ليست طريقة النبي عليه الصلاة والسلام وإن ذلك ابعد ما يكون عن النجاح وبلوغ المرام.



عمل الصحابة رضي الله عنهم :

الدعوة الخصوصية: علاوة على ما تعلمه الصحابة رضي الله عنهم من الاستقامة والصبر والتحمل من الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، فقد تعلموا أيضاً كيف يكون عمل الدعوة وظيفة لا يجوز التهاون فيها، وأنها باقية في اتباع النبي عليه الصلاة والسلام حتى لا تفهم الأجيال القادمة أن الدعوة مقصورة على الأنبياء وحدهم وأنه إذا انتقل النبي إلى الرفيق الأعلى فهذا العمل ليس ضروري لنا، لكن الرسول  من البداية جعل الأمة شريكة له في عمله وجعلهم دعاة إلى أقوام العالم، فهم كذلك قد أخذوا في تبليغ هذا الدين حصة وافية، واستمروا بالقيام بهذا العمل بالصبر والاستقامة على الرغم من الشدائد والمشقات التي اعترضتهم، فقد كتب صاحب كتاب البداية:

1-      قال محمد بن إسحق: فلما اسلم أبو بكر وأظهر إسلامه دعا إلى الله عز وجل، وكان ابو بكر مألوفاً لقومه محباً سهلاً، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر، وكان رجلاً تاجراً ذا خلق معروف وكان رجال قومه يأتونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه الزبير بن العوام وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله، (إلى أن قال) فلما اسلم أبو بكر وطلحة أهدهما نوفل بن خويلد العدوية وكان يُدعى اسد قريش فشدهما في حبل واحد ولم يمنعهما بنو تيم فذلك سمي أبو بكر وطلحة القرينين وقال النبي  : "اللهم أكفنا شر ابن العدوية" (رواه البيهقي، بداية ج3، ص339).



الفائدة :

هكذا كان فكر المسلمين في أول مراحل الدعوة فبعد الدخول في الإسلام عرفوا أن تبليغ الدين أهم هندهم من التجارات والمشاغل المختلفة، فهم عندما قالوا لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، قاموا منذ البداية ووضعوا نصب أعينهم إنقاذ الملايين من البشر إلى طريق النجاة وربطوا تعلق هذه النفوس بمالك الملك، ولكن من المحزن في هذا الزمان أن من قالوا هذه الكلمة آلاف المرات. ومن هم مشغولين في الصلوات والعبادات لا يقومون ولو حتى بجهد بسيط لنشر دين الله لهذا علينا الاقتداء بمسلمي العهد الأول في تضحيتهم للدين كي نجعل في حياتنا الحركة والتنقل للدين كما كانوا وعلى منهاجهم.

2- هذا وقد كتب صاحب البداية والنهاية في بيان حماس وهمة أبي ذر في الدعوة إلى الله … فسمع من قوله فأسلم مكانه. فقال له النبي  "ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك من أمري". فقال: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين ظهر أنهم فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم قاموا فضربوه حتى أضجعوه فأتى العباس فأكب عليه فقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأنه طريق تجارتكم إلى الشام فأنقذه منهم ثم عاد من الغد بمثلها فضربوه وثاروا إليه فأكب عليه العباس. (البداية ج3، ص34).



الفائــدة :
من هذه الواقعات تبين لنا مدى استعدادهم للتحمل من أجل الدين منذ البداية، حيث لم يتحصل بعد على علم الدين ولا الصلاة ولم يكن عنده الفكر للمال والملك ولم يكن توجهه للحصول على المنصب أو أي شيء، بل تعلم الكلمة الطيبة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وخرج داعياً، فمن أجل الدعوة وضع النفس والجسم في المجاهدة وبعدها رجع إلى بيته ليس للجلوس بل استمر في دعوة قومه وبدأوا يدخلون في الدين تباعاً حتى دخل كل قومه في الإسلام بعد دعوته لهم وبذل الجهد، وبالقرب منه كانت تسكن قبيلة اسلم وفيهم أيضاً أثرت دعوته وهم كذلك اسلموا، فعندما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة كانت القبيلتان قد أسلمتا، ومن هنا نفهم أن دعوة الإسلام ليست محتاجة لأهل الملك والمال كي تنتشر لكنها تريد منا لوجودها وانتشارها أن نقتدي بهؤلاء الرجال الذين قدموا التضحيات والجهد مخلصين لا يبتغون العاجلة. وهم كذلك بالرغم من البيئة المخالفة والعادات والأحوال المخالفة استمروا في تقديم الجهد والتضحيات يبتغون إرضاء الله تعالى، فأعطوا الأمة الإسلامية درساً إلى يوم القيامة ووجدوا أن دعوة الإسلام لا تقوم بقوة الحكومة وبكثرة الأموال والجيوش والعدة بل بواسطة المجاهدة والتضحية والتمسك بالطريق التي تعلموها من الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه.



الدعوة العمومية

إنّ السابقين في هذه الأمة جعلوا الدعوة إلى الله مقصد حياتهم، بمن أول يوم رفوا فيه الإسلام وآمنوا به حتى أن موتهم وحياتهم كانت لأجل الدعوة، فقد كان الصديق رضي الله عنه تاجراً ولكنه بعد الإيمان أصبح مشغولاً بدعوة الناس إلى الله ليلاً ونهاراً، وفي هذه الأثناء كان يلتقي بأنواع الناس ويتحمل منهم شتى أنواع المشقات والعناء والأذى، ومع كل هذا فهو لم يجلس عن هذا العمل ولا ليوم واحد فهو يتكلم إلى الناس واحداً واحداً ويدعوهم إلى الإسلام، حتى إذا انقضت فترة من الزمن على الدعوة الإنفرادية ودخل في الدين قرابة ثمانية وثلاثون رجلاً الحَّ أبو بكر رضي الله عنه على الرسول  في الظهور بالدعوة، والجهر بها في المسجد الحرام وفي المجامع العامة ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام دعاه إلى الانتظار والتريث لقلة عدد المسلمين بحيث ا يمكنهم تحمل المشقات والعذاب في سبيل الجهر بالدعوة.

ومع زيادة الإلحاح والطلب المتوالي ظهر ميدان الدعوة العمومية وقام الصديق لأكبر داعياً إلى الله تعالى. يذكر لنا صاحب البداية والنهاية قصة ابي بكر وما لاقاه من الكفار من الأذى حين طلب من النبي  إعلان الإسلام والدعوة إليه أمام قريش وهي قصة معلومة، وبعد ذلك فقد كان أبو بكر صاحب حظ عظيم حيث أنه في ذلك اليوم في الصباح ضرب بالنعل وفي المساء حبيب الله وصفيه يقبله على الوجه الذي ضرب عليه فقال أبو بكر: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار فدعا لها رسول الله  ودعاها إلى الله فأسلمت). وفي ذلك اليوم أسلم حمزة عم الرسول  ورضي الله عنه، ودعا النبي  نتيجة لهذه التضحيات بالإسلام لأحد العمرين عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام فكانت الدعوة يوم الأربعاء وأسلم عمر بن الخطاب يوم الخميس وذلك ببركة تضحيات أخته وزوجها.



الفائدة :

أ) هذه القصة تبين في إحدى جوانبها نموذجاً من تضحيات ودعوة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفي الطرف الآخر درس عملي للدعاة من الأجيال القادمة، ففي المجمع العمومي في حال أداء الدعوة لا ينبغي على القائمين بعمل الدعوة الاجتماع في مكان بل عليهم أن يتفرقوا في المجمع حتى إذا اقتضت الضرورة للكلام بعد الخطاب العام والتشكيل يكون في ذلك اليسر والسهولة.

ب) بعد تقديم التضحيات للدعوة، على الداعي أن لا يتحول فكره بل عليه أن يبقى مستمراً بفكر الهداية حتى لا يأتي الاختلاف والتفرق في الدعوة نتيجة لما أصابه من أذى ومشقات فهذا هو الفكر الحقيقي والصديق الأكبر حتى وهو في هذه الحال كان فكره إسلام أمة وهدايتها.

ج) الدعاء قبل أداء الدعوة سنة نبوية لأن الهداية بيد الله تعالى، لهذا قبل مخاطبة الإنسان ينبغي أولاً الدعاء أمام رب هذا الإنسان بالعجز والتذلل وطلب الهداية.

د) بعد التضحيات تظهر نتيجة الدعوة والدعاء فبتضحية الصديق الأكبر رضي الله عنه كان الأثران: أدخل الله في الإسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما.



وسخروا أنفسهم وتفانوا لخدمة الإسلام وإقامة الدين، والمقصود اليوم كذلك هو العمل مع ملاحظة هذه الأمور المتقدمة، فقد يأتي أهل القوة والسلطان، ولكن ينبغي أولاً مجيء أهل التضحية والدعوة والدعاء، ومثل هذا القسم من الناس وهؤلاء لا يأتون إلا بالجهد المتواصل والمستمر. فمما لا شك فيه أن أصحاب الحكومات والقوة خضعوا في خلافة عمر رضي الله عنه لكن عمر بنفسه أولاً خضع أمام أهل الدعوة والتضحيات ولهذا نفهم أن الأصل في تكوين القوة والطاقة هو جهد الدعوة والتبليغ، الذي بسببه ينشأ الإستعداد للتضحية والدعوة والدعاء، وعندما يحب الله تعالى هذه التضحيات ويرضاها ويتقبلها فإما أن يهدي الله أهل الطاقة والقوة ويأت بقلوبهم إلى الدين وإما أن يهلكهم أو ينفيهم.

هـ) كل فرد من الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين وبلا استثناء كان يقوم بالدعوة والتبليغ ويؤدي هذه الفريضة بالفكر والجدارة المتناهيتين وفي أثناء تأدية هذه الفريضة لم يكن يعيقهم أو يقف أمامهم المال والأولاد والوطن والتجارة والزراعة والقوم والقبيلة بل إن التضحية بكل عائق كان من صفاتهم حتى لا يأتي الفتور والضعف في دعوتهم وهذه قصة ضماد الأدي رضي الله عنه اسلم ورجع داعياً إلى قومه فبايعه رسول الله  فقال له وعلى قومه فقال وعلى قومي. فقد كان ضماد لأزدي سمع من سفهاء مكة أن محمداً مجنون وكان ضماد هذا يرقي من الرياح فجاء إلى مكة ليعالج النبي  ولما سمع بالدعوة ودعاه النبي عليه الصلاة والسلام فاصبح بنفسه داعياً للإسلام فلنتفكر كيف أن إنساناً قبل قليل كان مخالفاً للإسلام وبعد أن وضح أمامه الحق لم يكتف فقط بقبوله ولم يقل أنا الآن دخلت في هذا الدين وغلى الآن لم أتعلم منه شيئاً وهذا عمل عظيم فكيف أتمكن من معرفته والدعوة إليه لكنه أخذ على عاتقه وبهمة عالية وإرادة جبارة أهمية الدعوة لهذا الدين، وتعلم من رسول الله  قليلاً ورجع إلى قبيلته داعياً.

نتعلم من هذه القصص كيف أن النبي  علم أصحابه ورباهم بعمل الدعوة وأقامهم عليه، فبقيامهم بالجهد وتقديم التضحيات لأجل الدعوة اصبحوا نواب الأنبياء وكان عمل الدعوة هو راس مالهم الأصلي وسبب ارتقائهم لدرجات الكمال فكانوا أفضل الخلائق بعد الأنبياء فمن أول يوم كانوا يدخلون في الدين يبدأون العمل بالدعوة ويستمرون فيه إلى آخر يوم في حياتهم حتى إن فكرهم وهمتهم في أنفاسهم الأخيرة كان مصروفاً في هذا الشيء، كيف ينتشر الدين ويدخل كل الناس في طريق الهداية. وفي الحقيقة إن عمل الدعوة هذا جامع لكل خير فبواسطة الدعوة وصل صوت الإسلام إلى الإنسانية وغلى العالم، وبتقديم التضحيات تتحصل معية الله تعالى ونصرته، وتتزكى النفس وترغب إلى خالقها وبعد ذلك يصبح تطبيق أوامر الله سهلاً، وليس ذلك فقط، بل ويصبح تضحية النفس لكل أمر من أوامر الله ولكل حكم من أحكام الله مقصداً للحياة. فالقيام بالتبليغ والدعوة بالطرق الرائجة والشائعة ليس صعب أو عسير، ولكن الصعوبة في التأسي والاقتداء بالأنبياء عليهم السلام، وطريق أصحاب رسول الله  في القيام بالدعوة، والدعوة إن لم تكن على طريق ومنهاج النبي  فهي تبقى جسماً بلا روح، ولهذا السبب فالدعوة بالطرق الشائعة في هذه الأيام لا تؤثر حتى على الدعاة أنفسهم فكيف يصل أثرها إلى الآخرين. فلنذكر جيداً إذا لم تأت التضحيات إلى عالم الوجود فالدعوة إلى الله تكون بغير المعية والنصرة الإلهية، وعندها لا يكون لها الأهمية في السماء ولا الأثر في الأرض.

لقد كان الشغف والشوق للدعوة والحماس لإعلاء الدين عند مسلمي القرن الأول من الأمور العجيبة، فقبل وقت يسير كان يكون الواحد منهم قد جند نفسه للقضاء على الإسلام وخرج يقول أريد أن أقتل محمداً وتنتهي دعوته، ولكن نجده بعد لحظات قد قبل الإسلام وأصبح داعياً للإسلام ورجع إلى قومه يدعو للإسلام ويعمل على نشره في كل مجلس حتى أعطى عمره وحياته لمقصد الدين وأعطى فكره وقوته وحتى روحه.

تلك هي شخصية الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ففي (البداية) قام عمر فقال: يا رسول الله علام نخفي ديننا، ونحن على الحق ويظهرون دينهم وهم على الباطل. قال: يا عمر إنا قليل قد رأيت ما لقينا. فاقل عمر: والذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان ثم خرج فطاف بالبيت ثم مر بقريش وهي تنتظره فقال: أبو جهل بن هشام: يزعم فلان أنك صبوت. فقال: عمر اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فوثب المشركون إليه ووثب على عتبه فبركي عليه وجعل يضربه وأدخل إصبعه في عينيه فجعل يصيح فتنحى الناس فقام عمر وجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ بشريف من دنا منه حتى أعجز الناس واتبع المجالس التي كان يجالس أهلها فيظهر الإيمان ثم انصرف إلى النبي وهو ظاهر عليهم. (البداية ج3، ص31).

فهذه همة وحماس رجل مسلم جديد الإيمان وكيف كان اهتمامه وإقدامه على نشر الدعوة والدين، نسأل الله تعالى أن يرزقنا هذه الحماسة وهذا الشوق.

فالصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين، اجتاز كل منهم هذه العقبة في البداية وهذا جوهر صاحب الدعوة وطريقه. فاجتياز هذه العقبة بواسطة التضحيات تحصل القوة الإيمانية، والإيمان الذي يتحصل بغير التضحيات يكون ضعيفاً جداً ويخالطه الخوف والرعب من غير الله ولا يمكن لهذا الإيمان أن يعلم صاحبه الاعتماد والتوكل على ذات الله وحده في أداء الدعوة فمرة تراه يتوجه إلى الملك ومرة إلى المال وتارة إلى القوم والعشيرة وأخرى إلى الحكومات والوزارات فيبقى دائماً متذبذب، وكلما راى شيئاً توجه إليه. وصاحب الدعوة يرجو ويأمل المدد والعون من غير الله كيف يتمكن من أن يوجه الناس إلى ذات الله تعالى؟ لهذا فالصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين تعلموا من الرسول  الدعوة إلى أثناء تعليمهم هذا كانوا يتحملون المصائب والشدائد التي تلاقيهم.

يقول صاحب البداية: قال ابن اسحق ثم أنهم عدوا على من أسلم واتبع الرسول  من أصحابه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش برمضاء مكة إذا اشتد الحر كي يفتنوهم عن دينهم فمنهم من يفتتن من شدة البلاء الذي يصيبهم ومنهم من يصلب ويثبت ويعصمه الله منهم. (البداية ج3، ص57).

وبناء على ما تحمله الصحابة من هذه المصائب جاء بعضهم إلى النبي  وطلب منه الدعاء بالخلاص فقال لهم عليه الصلاة والسلام: (اصبروا) أي أن هذا الوقت هو وقت التضحيات فاستمروا بتقديم التضحيات والجهد ونهاهم عن التعجل فعندما تكمل التضحيات يبدل الله سبحانه وتعالى نظام العالم كله.

يقول صاحب البداية عن البخاري : جاء الخباب وسأل النبي  وهو متوسد ببردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة يقول الخباب: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: قد كان من كان قبلكم يمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه عن دينه وليمكن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء ومكة إلى حضرموت ما يخاف إلا الله عز وجل وفي رواية ولكنكم تستعجلون. (البداية ج3، ص59).

الفائـدة:

لقد وضح الرسول  هذه الحقيقة وهي أن الله تعالى وقانونه الذي لا يغير، أنه بدون تقديم التضحيات والجهد فإن باب الفتوحات والبركات لا يفتح، فإذا كان المقصد هو إحياء الدين فعلينا أن نقدم التضحيات تلو التضحيات، فإذا تقبل الله هذه التضحيات فهو يبدل الحال بقدرته العظيمة، ولكن من طبع هذا الإنسان العجلة فهو يحب أن ينتهي بالسرعة وهو يريد كذلك استعمال هذه السرعة في قيام الدين والدعوة إلى ذات الله عز وجل مع أن الدعوة إلى الله غلا تقوم إلا بالتضحيات المستمرة فالسبب الرئيسي في هذا الزمان لعدم نجاح الدعوة عند الحركات الدينية هو السرعة والعجلة فإنهم يجتهدون لمدة بسيطة وعندما لا يرون النتيجة في الاستجابة للدعوة فبدلاً من الازدياد في تقديم التضحيات لحصول معية الله تعالى، فإنهم يتوجهون لحصول معية الملك والمال والقوم والأكثرية، وتكون فكرتهم أنهم بعد حصول هذا يقوم الدين بالسرعة المطلوبة.

مع أن قيام الدين لا يكون ابداً إلا بالنصرة والمعية الإلهية، وطريق حصول هذه النصرة تقديم التضحيات المتواصلة وعديمة المثال – حتى يتقبلها الله عز وجل ويفصل جل جلاله بعدها أن هذه الجماعة هي حزبي وإنني معهم في مقابلة قوة وطاقة في العالم، ومن يأتي الآن لمقابلتهم ومخالفتهم فإني أهلكه بقدرتي العظيمة قال تعالى: ) ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ( [الحج: 40].

فالآن علينا أن نفكر في مسلمي الأمس كيف هم بعد قبول الإسلام مباشرة شدوا مآزرهم واشتغلوا في الجهد لخدمة وإشاعة هذا الدين وهكذا كانت النتيجة لهذه الجهود أن الإسلام في بدايته وفي عهده الأول ترقى وانتشر.

في هذه الأيام الذين يطالبون ويقولون بإقامة الدين يجتهدون يحاولون الحصول على الأشياء والوسائل المادية، ونشأ عندهم هذا التصور الخاطئ كما أن الكفر يحتاج للأسباب المادية، كذلك فالإسلام محتاج للأسباب المادية، مع العلم أن تاريخ الأنبياء عليهم السلام والقصص والواقعات التي حدثت في عهد الرسالات تعلمنا وتخبرنا أن الأسباب والوسائل دائماً كانت في يد المخالفين وأعداء الدين، وكان أهل الدعوة يبدأون بالجهد وكل اعتمادهم فقط على معية الله والنصرة الآلهية وكانت هذه المعية والنصرة هي نقطة الارتكاز في ارتقاء الدعوة، ومن ثم لتسيير هذا النظام، نظام الدعوة كان الأنبياء عليهم السلام يحرضون أتباعهم وأنصارهم على القيام وتقديم التضحيات فإذا قاموا وقدموا التضحيات وليس لهم مقصد من وراء ذلك إلا إقامة الدين فعندها تصبح نصرة الله قريبة منهم وعين الله ترعاهم حتى إذا بلغت هذه التضحيات درجة الكمال جاء الإعلان من الله العزيز ) ألا أن نصر الله قريب ( [البقرة: 214]. وكأن الله يعلن معلوماً بعد الآن أن وقت المصائب والمشقات قد انتهى وأن النصرة والمدد سيصلكم قريباً والآن أينما توجهتم لقصد إشاعة هذا الدين ونشره فنحن معكم.

لا شك أن في هذا الزمن يوجد الهم والحزن لإقامة الدين، ولكن نتناسى ونغفل عن التضحيات التي كان الأنبياء عليهم السلام يقيمون أتباعهم وأنصارهم على تقديمها لحصول معية الله، فنسعى إلى إقامة الدين بغير معية الله عز وجل ونريد إقامة الدين بالخطب والكتب والمقالات والملك والمال والأكثرية والقومية، وهذه الطرق كلها خلاف سنة الله وخلاف طريق الأنبياء، نعم يأتي هناك وقت تكون الوسائل تحت أقدام أصحاب الدعوة، ولكن نجاح دعوتهم لهم يعتمد ولو لمرة واحدة على الوسائل فالمرحلة الابتدائية فقط يكون فيها الاعتماد الكلي على النصرة الإلهية ويكون النجاح والغلبة بدون الوسائل والتي بسببها تنكشف حقيقة الإسلام أمام أعدائه ومخالفيه؛ ففي الحالات التي يكون فيها هزيلاً وضعيفاً لا بد من تعلم كيفية إقامة هذا الدين في حياة هؤلاء الرجال ولأن المجال هنا لا يسمح لكل فرد بالعمل كما يريد وكما يأتي في مخيلته وهواه. وخلاصة ما تقدم:

أنه لتقوية الإيمان وتطبيق أوامر الله لا بد من أداء الدعوة والقيام بعمل الدعوة إلى الله بالشكل الجماعي، وجعل نشر الدين وإشاعته هو المقصد، ولإقامة هذا المقصد التمرين والتدريب على التضحية بكل حائل ومائع وملاقاة الناس وزيارتهم فرداً والتكلم معهم بالحكمة واللين والرجاء ترك اللذات النفسانية والراحة الجسمانية لحصول لذة افيمان والتحول في العالم بيتا بيتا وبلدة بلدة ودولة دولة وبدون أي مقصد ظاهري أو باطني إلا الدعوة إلى الله ونشر الدين وإشاعته، والسفر والتنقل لهذا الجهد العظيم والصبر على كل خسارة جسمية ومالية من أجل القيام بهذا العمل فهو الطريق الرئيسي والسبيل القوم لصحاب الدعوة.



تم الجزء الأول بحمد الله




الدعوة بطريق الجولات في عهد الرسالة



روح الدعوة إلى الله تعالى الدعوة إلى الله تعالى هي جهد وعمل عظيم يختار الله تعالى له أفراد مخصوصين (وهم الأنبياء) يؤلفون رابطتهم وعلاقتهم مع خالقهم ومالكهم من جهة ويجتهدون من جهة أخرى بكل ما أوتوا من قوة لدعوة الناس إلى ذات الله تعالى، وبعد ختم الأنبياء بعثة الرسول  انتقل وتحول هذا الجهد إلى أمة المسلمين، لهذا علم الرسول  هذا الجهد لكل فرد من هذه الأمة كما علم وربى القائمين على هذا الجهد كيفية الارتباط مباشرة بالقدرة الإلهية، ومن ثم كان المثال والقدوة في تقديم الجهد والتضحيات اللازمة لدعوة الناس.

ونتيجة لذلك اصبح الصحابة الكرام رضي الله عنهم مشغولين بالدعوة إلى درجة أن خروج الروح من الجسم أهون عليهم من ترك جهد الأنبياء وأصبح من السهل عليهم رؤية الأولاد والزوج وهم يتحملون الجوع والفاقة من أجل نشر الدين فكان انهماكهم في خدمة الدين وإحيائه إلى حد أنهم لم يلقوا أي اهتمام أو التفات إلى التجارة والزراعة والمنصب والحكومة. فالإيمان الراسخ والصبر والإستقامة التامة شيء لا بد منه لإقامة الدين لذلك فقد جعل الرسول  كل توجهه واهتمامه لإفشاء هذا الدين وإحياء هذه الصفات حتى سهل عليهم ترك المحبوبات والمرغوبات والمألوفات والرفاهية والراحة والملك والعشيرة والوطن والتجارة والزراعة والمنصب وليس فقط تركها، بل جاء في قلوبهم الرغبة والشوق والعاطفة لتقديم ا،فسهم ورقابهم لدين الله تعالى، عندها فقط انتخبت هذه الأمة لنيابة الأنبياء عليهم السلام وعندها أصبحت هذه الأمة مستحقة لنصرة الله تعالى ومعيته وفتحت عليها بركات السماء والأرض وعندها قيل لهم اخرجوا إلى العالم لدعوة القوام إلى الإسلام فخرجوا في كل حال وقدموا المال والنفس لذلك عن طيب خاطر فهذه هي طريقة النجاح والفلاح.

لذلك جعل النفس في سبيل الله تعالى فقامة الدين بمنزلة الروح وقيل لهذه الأمة بصراحة إذا لم يكن النفر والخروج الجماعي لإحياء الدين فيسلط عليهم العذاب الاجتماعي وبعدها إذا لمي فتح عيونهم ولم تتوجه أنظارهم واستمروا في سباتهم بعد هذا تسحب منهم الأهلية ويحرموا من هذه الوظيفة.

بهذه الصيغة في القرآن الكريم جعل النفر في سبيل الله والخروج بالشكل الجماعي عملاً لازماً لا مفر منه. قال الله تعالى ) انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً ( [التوبة]. فإذا نظرنا في تعبير القرآن الكريم يتضح لنا أنّ الخير لهذه الأمة هو في النفر والخروج لأن بقاء الأمة المسلمة هو بالدعوة العالمية والتي لا يمكن أن تبقى بغير النفر والخروج فالأصل غفي عمل التبليغ هي مادة التضحية وكذلك تعلم نظام الدعوة والتمرن عليه بواسطة الخروج والنفر في سبيل الله تعالى، لهذا فالقوم الذين فقدت منهم مادة التضحية وأصبح الخروج والتحول لدين الله تعالى غير معروفاً عندهم ليسوا أهلاً لإقامة الدين وإحيائه فلإيجاد الكفاءة والاستعداد لذلك ينبغي أولاً وقبل كل شيء الجهد في هذه الأمة وإلا فستبقى دائماً جهودنا بلا ثمر ولا أثر. وفي الأصل أن عمل التبليغ هو الإحياء والخروج في سبيل الله تعالى في الأمة.



النفر والخروج في عهد الرسالة



في هذا الجزء نذكر على سبيل المثال بعض القصص والواقعات لنفر وخروج وسفر الرسول وصحابته الكرام في سبيل الدعوة.



السفر للطائف للدعوة :

مات أبو طالب وازداد البلاء على رسول الله  فعمد إلى ثقيف يرجو أن ينصروه ويؤوه فوجد ثلاثة نفر منهم سادة ثقيف وهم أخوة: عبد ياليل بن عمرو وخبيب بن عمرو ومسعود بن عمرو فعرض عليهم نفسه وشكا إليهم البلاء وما انتهل قومه منه فقال أحدهم: أنا أسوق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط، وقال الآخر: والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا كلمة واحدة ابداً لئن كنت رسولاً لأنت أعظم شرفاً وحقاً من أكلمك، وقال الآخر: أعجز الله أن يرسل غيرك في رواية (فقام رسول الله  من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، قال لهم: إن فعلتم ما فعلتم على فكره رسول الله  أن يبلغ قومه خبره فيزدادوا عليه جرأة وله إيذاءاً.

وبعد الجولة الخصوصية ابتدأ في الجولة العمومية في القوم واجتمعوا يستهزؤون برسول الله وقعدوا له صفين على طريقه وأخذوا بأيديهم الحجارة فجعل لا يرفع رجله ولا يضعها إلا رضخوها بالحجارة وهم في ذلك يستهزؤون ويسخرون فلما خلص منهم وقدماه نسيلان بالدماء عمد إلى حائط من كرومهم فأتى ظل حبلة من الكرم فجلس في ظلها مكروباً موجعاً تسيل قدماه ولنسمع حديث رسول الله عليه السلام عن هذه الجولة (فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فإذا في الكرم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة فلما أبصرهما كره أن يأتيهما لما علم من عدواتهما لله ورسوله وبه الذي به فأرسلا إليه غلامهما عداساً بعنب وهو نصراني من أهل نبنوي فلما أتاه وضع العنب بين يديه فقال رسول الله  : "بسم الله" فعجب عداس فقال له رسول الله  : من أي أرض أنت يا عداس! قال: أنا من أهل نبنوي فقال النبي: من أهل مدينة الرجل الصالح يونس بن متي؟ فأخبره رسول الله  من شأن يونس ما عرف وكان رسول الله لا يحقر أحداً يبلغه رسالات الله تعالى.

فقال: يا رسول الله. أخبرني خبر يونس بن متي فلما أخبره رسول الله  من شأن يونس بن متي ما أوحى إليه من شأنه خر ساجداً لرسول الله  ثم جعل يقبل قدميه وهما تسيلان الدماء فلما أبصر عتبه وأخوه شيبة ما فعل غلامهما سكتا فلما أتاهما قالا له: ما شأنك سجدت لمحمد وقبلت قدميه ولم نرك فعلت هذا لأحد منا؟ قال: هذا رجل صالح حدثني عن أشياء عرفتها من شأن رسول الله بعثه الله تعالى إلينا يدعى يونس بن متي فأخبرني أنه رسول الله فضحكا وقالا: لا فتنك عن نصرانيتك إنه رجل يخدع وفي رواية أخرى ولما أطمأن قال: اللهم إليك اشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا ارحم الرحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك. (حياة الصحابة، ج1، ص368).



الفائدة :

بعد هذا الدعاء تحرك النظام السماوي فوراً فجاء جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال وقالا: إن أردت أن نطبق عليهم الأخشبين فعلنا! ولا يحتمل ذلك إلا مدة الأمر والإشارة منك فأجاب رسول الله  إجابة الشفيق الرحيم: إنما أريد هدايتهم وإن لم يكن ذلك مقدراً لهم فأسأل الله أن يخرج من اصلابهم من يوحد الله. وكان يدعو لهم قائلاً: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، هذه هي طريقة أصحاب الدعوة وهذا كمال الصبر والاستقامة التي بسببها يهدي الله تعالى الأقوام ويقبل بقلوبهم إلى الإيمان والإسلام فالنفر في سبيل الله والجهد لدينه تعالى لم يكن لمدة محدودة ومرحلة وقتية وإنما كان نموذجاً عملياً للدعوة والتبليغ إلى يوم القيامة ونستطيع أن نلخص هذه الأصول للداعي كالآتي:

1)    على الداعي أن يكون ذو همة عالية وعزيمة قوية فيجتهد للاصلاح في بلده وفي خارج بلده كذلك في وقت واحد وعليه أن لا ينظر أنه طالما لم تصلح بلدتي أو دولتي فلا أذهب إلى غيرها. لأن لو كان الأمر كذلك لما خرج رسول الله  خارج مكة المكرمة.

2)              بعد السفر للخارج بواسطة الجولات الخصوصية والزيارات ندعو صحاب الجاه والزعامة ونجتهد لتوجيههم.

3)              إذا لم تتوجه هذه الطبقة التي لها الزعامة والأثر فبواسطة الجولة العمومية نقوم بدعوة عامة الناس والتكلم معهم.

4)    بعد القيام بالسفر لخارج البلد أو الدولة فليس هناك من الضروري أن يستجيب الناس فوراً للداعي وينصروه بل من الممكن والمحتمل جداً أن تأتي المعارضة والمخالفة من كل الطبقات ولكن من بعد ذلك على الداعي أن لا يخالف أحداً أو يناثر أو يجادل بل عليه أن يختار الصبر والتحمل وحسن الخلق وأن يستمر ي الدعوة في خلال لفترة الدعوة، إذا كان الخلاف والنزاع مع أنظمة الطاغوت ووجدنا الفرصة للغلبة ورد الضربة فعندها كذلك علينا أن نلجأ للصبر، بدلاً من أن تتسلط علينا فكرة الإنتقام منهم وإهلاكهم يجب أن تكون فكرة هدايتهم وحب الخير لهم غالبة علينا فهذا الصبر والتحمل تفتح لهم أبواب الهداية، فليس من صفات أصحاب الدعوة الإنتقام ممن يخالفهم وبعاضهم ولكن إذا خالفوا ندعو لهم ونعفو عنهم.

في هذا الزمن يكون النفر والخروج في سبيل الله للدعوة والتبليغ وإحياء طريق الأنبياء عليهم السلام في الدعوة (بالجولات العمومية والخصوصية، بالدعوة العمومية والخصوصية، الجولة في الحي وفي الأحياء الأخرى مع التضحيات والعبادات وكذلك الدعاء، فهذه كانت الجوهرة الثمينة في حياة الأنبياء عليهم السلام والتي بغيرها لا يمكن أن تقوم دعوة الأنبياء عليهم السلام في العالم. ومن الضروري كذلك إقامة نظام الدعوة وإقامة الفكر لتكوينها حيث أنه من المؤسف جداً بدلاً من إتباع طريق الأنبياء عليهم السلام في الدعوة للإسلام أخذنا بإتباع الطرق التي اختارها غير المسلمين وأصبحنا نريد إقامة الحق بالطرق الباطلة مع العلم بأنه من المستحيلات تعمير صروح الحق على أسس بطلة.



نظرة على جولاته  للدعوة



لما رجع رسول الله  من الطائف أخذ في التجول على القبائل المختلفة أو يخرج خارج مكة وكان إذا لقيه مسافر أو غريب دعاه إلى الإسلام ووحدانية الله تعالى ففي تلك الأيام ذهب  إلى قبيلة كنده وكان اسم زعيمها مليح ثم وصل إلى بني عبد الله وأخبرهم ا، اسم أبيهم كان عبد الله فكونوا اسماً على مسمى (أي كونوا عباداً لله حقاً).

وذهب  إلى بني حنيفة فأنكروا عليه أسوا نكران .

وذهب إلى قبيلة عامر بن صعصعة حيث أن رجلاً منها يقال له بجبيرة بن فراس فلما دعاه رسول الله  قال: أرأيت إن نحن تابعناك ثم أظهرك الله على من يخالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فأجاب رسول الله    الأمر لله يضعه حيث يشاء لأن الذي يقوم هنا عليه أن يقدم المال والنفس لرضاء الله تعالى فقط وليس لأي مقصد آخر فلما سمع الجواب قال: أفتهدف نحورنا للعرب دونك فإذا …



التجول على منازل العرب :

ويستمر رسول الله  في تجواله على منازل العرب سنتين متواليتين وكان يرافقه أبو بكر الصديق وعلي رضي الله عنهما أو زيد بن حارثة فكان  يدعوهم إلى الإيمان بالله تعالى ويعرض نفسه على قبائل العرب حتى ينصروه ويمنعوه لتبليغ رسالة ربه. ولم يكن  من طريقته في الدعوة جمع الناس والخطابة فيهم وإنما كانت طريقته كما يتضح من رواية ابن كثير التالية:

والمقصود أن رسول الله  كان يدعو إلى الله تعالى ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً يصرفه عن ذلك صارف ولا يرده عن ذلك راد ولايصده صاد فهو يتبع الناس في أنيدتهم ومجامعهم وفي المواسم ومواقف الحج ويدعو من لقيه من حر وعبد وضعيف وقوي وغني وفقير، جميع الخلق في ذلك عنده سواء. (البداية ج3، ص40).



الفائدة:

يتضح من هذا طريقة داعي الإسلام فقد كان  يتكلم مع كل من يلاقيه وذلك لإشاعة الإسلام وتكوين البيئة في كل حي وكل بيت فهو يعرض على الناس كلمة التوحيد ورسالته ومن قبل منه الإسلام فهو يعرف من أول يوم يدخل فيه الإسلام أن وظيفته كذلك دعوة الناس إلى الله وحده ولم يكن أحدهم يفهم أن مجرد دخوله في الإسلام كاف له فطريقة النبي  في الدعوة إلى الله تعالى واضحة جداً ولكن القيام بالدعوة على هذا المنوال بالتجوال على البيوت والأحياء صعب جداً على النفس وأما إلقاء الخطب وطباعة النشرات والقيام بالدعوة بهذه الطرق المختلفة ليس فقط سهلاً بل بسبب انتشار هذه الطرق في العالم أصبحت هذه الطرق مرغوبة الآن لدى النفس ولكن عند الله تعالى ليس هناك أية قيمة لما هو شائع ومنتشر بل إن اتباع الرسول  هو الشيء المطلوب والمحبوب عند الله تعالى، ففي زماننا الحاضر تلقى الخطب في الحفلات والاجتماعات الكبيرة أما الذهاب إلى الناس وقرع أبوابهم عليهم والتجول في أحياهم لدعوتهم إلى الله تعالى فمحتقر لدى الناس الآن؟ وحتى كثير من الناس المتدينين يستهزؤون بهذه الطريقة مع العلم بأن التجوال بهذه الطريقة هي العمل الأساسي في دعوته  ولكن إذا تصدق قلوبنا وتقنع فهناك ألف حجة.



جولات الرسول  للدعوة :

لقد قدمنا في السابق عن كيفية جولات الرسول بصورة مجملة والآن نورد بعض القصص لفهم طريقة التكلم في هذه الجولات بشكل تفصيلي فهذه الجولات استمرت من 10-12 سنة ولم يكن لها أي فائدة ظاهرة ولكن هذه الجولات مع استمرارها في إيجاد الثر في قلوب الناس كانت مع ذلك تحرك النظام السماوي وتوجهه إلى طرفها إلى أن جاء الوقت وقضى الله سبحانه وتعالى وفصل بالهداية لأهل العالم واصبح نور الإيمان يسري ويتغلغل في القلوب، فهذه الجولات بمثابة الأساس لإقامة الدين فقد بدأت في مكة المكرمة وأصبحت تتوسع حتى شملت جميع أنحاء الجزيرة، لكن عندما جاءت في أيدي الأمة الإسلامية تقاليد البلاد والأموال بسبب هذه الجولات اصبحوا يفهمون أن الحكومة والأموال اصلاً لإقامة الدين بالأوائل والسلف من هذه الأمة كانوا على علم من أن المال والحكم وإن كان تحت الدين وتابعاً له لكن هذا كله لا يعادل إذا ما قورن بجولة واحدة من جولات الدعوة على النهج المحمدي لذلك كانوا يقدمون ويؤثرون الخروج في سبيل الله تعالى لإقامة الدين والتضحية بالنفس لذلك على أن يكونوا ولاة وعمالاً على الولايات والإمارات المختلفة ففي زماننا هذا أهتم الناس واجتهدوا لحصول المال والحكم وهناك كانوا يبكون على مجيء الأموال والغنائم وذلك لأنهم كانوا على بينة من هذا السر العظيم.

والرسول الكريم اختار أن يكون عبداً رسولاً ولم يحبذ ورفض أن يكون ملكاً رسولاً حينما خير بينهما. فلذلك هم كانوا يعرفون أن الملك والمال ليس له أي دخل من الناحية الأساسية لإقامة الدين وإنما يتعلق بمنهاج الدعوة المحمدي الذي كان بعيداً عن وسائل الملك والمال. وهذا الملك والمال بعد قيام الإسلام أعطاه الله تعالى ونقله إلى أيدي العبيد والإماء الذين هم أهل الإيمان ولكن أواخر هذه الأمة فهموا أن الملك والمال هو أساس لإقامة الدين وهذا هو الخطأ الرئيسي الذي بسببه فشلت جميع حركات الإصلاح والدعوة.

ولم لا؟ وهو أنه عندما تكون الدعوة الإسلامية ليس معها التأييد الإلهي وليس فيها الاتباع لسيدنا محمد وعندما لا تكون المشابهة والتأسي فمع فشلها في الدنيا هناك الخطر كذلك على الفشل أمام رب العزة في الآخرة ولكننا إذا قمنا بمشابهة طريق الرسول فتحصل النصر الأكيد في الدنيا والآخرة كذلك.





عرضه عليه الصلاة والسلام الدعوة في منى :

عن ربيعة بن عباد بن أبيه قال: إني لغلام شاب مع أبي بمنى إذ برسول الله يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: يا بني فلان إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وأن تخلفوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به. (البداية، ج3).





الفائدة :

كان الرسول في جولاته يؤكد على شيئين:

1-                التوحيد الكامل وترك كل ما سوى الله تعالى.

2-                الإيمان بالرسول وبالتصديق بما جاء به وتضحية المال والنفس لإقامة الدين ونصرته لإقامة هذا الدين .



فلم يكن عندهم أن الإنسان يؤمن ومن ثم يخرج ويشتغل في العبادة، لذلك الصحابة الكرام – رضوان الله عليهم – عذبوا بالجمر وكانوا يجرون بالحبال بأزقة مكة ووضعوا على الرمل الحار وتحملوا جميع أنواع المظالم واستمروا في الدعوة إلى الله تعالى، ولم يقل أحد منهم أنه لم يكن عندنا الحكومة ولم يكن المال في أيدينا، أو إذا لم يستجيب الناس فكيف تمشي الدعوة وكيف يقوم الإسلام. بل هم استمروا في أداء التضحيات حتى تقبلت هذه الدعوة وقضى الله تعالى بالهداية للإنسانية.

والآن كذلك نفرغ أوقاتنا ونقوم للتدريب والتمرين على هذه الجولات مع التضحية، والفرق هو أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتجولون على الكفار يدعونهم للإسلام وهذه الجولات للآن هي لتحريض الأمة للقيام على الدعوة للإسلام وهذه الأمة التي خرجت منها الكفاءة والأهلية لأداء الدعوة هذه الأمة علينا أن نرجوها ونحرضها لكي تقوم وتتحصل ذلك المقام الرفيع مقام الدعوة إلى الله تعالى وتأخذ في ذلك منهاج الصحابة الكرام رضي الله عنهم أسوة وقدوة لهم في جهدهم .



جولاته عليه الصلاة والسلام للدعوة في سوق ذي المجاز :

استمر الرسول عليه الصلاة والسلام السنين وهو يتجول في احياء مكة المكرمة والأسواق ولم يكن مقصد هذه الجولات فقط الإقرار بهذه الكلمة أو إخبار الناس بالتوحيد ولكن حتى يرسخ في الذهان والعقول أن هذه الكلمة كلمة التوحيد، هي التي يمكن فيها فلاح وفوز الدارين وكلما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو قوماً من الأقوام لهذه الكلمة يعطيهم على ذلك الضمانة بالفلاح والفوز، حيث كان يقول عليه السلام "يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" يعني ايها الناس بدلا من إقامة الروابط مع المخلوق لقضاء حاجاتكم اجعلوا فقط رابطة واحدة مع ذات الله تعالى.

فعندما ينقطع إلتفاتكم توجهكم عن المخلوق وتصبحوا عبيداً للخالق عز وجل فإنه يتكفل بكل حاجاتكم الاجتماعية والإنفرادية "من كان لله كان الله له" (البداية).

فهذه الجولات العمومية "أثمرت بعد سنين وأصبحت سببا للنفر في سبيل الله إلى أنحاء العالم كما يروي صاحب البداية "عن رجل من كنانة قال: رأيت رسول الله  بسوق ذي المجاز وهو يقول: يا ايها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وإذا خلفه رجل يسفى عليه التراب فإذا هو أبو جهل وهو يقول يا ايها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا اللات والعزى. (البداية، ج3، ص139).



الفائدة :

لم يكن من نظام دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا من ترتبيهم أن يخطبوا الخطب الطويلة لتقليب قلوب الناس ولم يكونوا يعرضون على الناس الإسلام الفلسفي، بل كانوا لإدخال الإيمان في قلوب الإنسانية يقدموا التضحيات ويذهبوا إلى الناس واحداً واحداً وفي كل مجمع للناس يتقدموا ويتبينوا عظمة الله تعالى فكانت دعوتهم قائمة على أساس التضحية، ولم يحدث أنهم عرضوا الإسلام بالخيال الشاعري التصوري لحصول الخراج والضرائب من الناس، ولم يكن مقصودهم أن الناس ينفعلوا بكلامهم حتى يهتفوا لهم ويصيحوا خلفهم، إنما كان مقصدهم التوحيد هو تحويل هذه القلوب وتوجيهها إلى ذات الله تعالى لأن الإنسان متعد لسماع أي شيء ولكن ليس بمستعد للتضحية بحياة الشهوات والقيام بما يرضي الله تعالى. لذلك كان عمل الأنبياء عليهم السلام شاقاً وصعباً لأنهم لم يكونوا فقط يخطبون في الناس ومن ثم يضحكون ويلعبون وإنما كانوا يجتهدون على كل إنسان حتى يصبح نموذجاً في الإيمان والأعمال لذلك كان كلام الأنبياء هذا للناس لا يطق ولذلك كانوا يبتعدون عنهم ويقدموا بكل ما يمكنهم ضدهم وفي مخالفتهم.

أما في خطبنا الموجودة الآن فهناك يكون الحظ الأوفر في لذة النفس بهذا الخطيب والواعظ بنفسه لم يكن لله ولم يتعلق به فكيف له بأن يربط غيره بالله، لقد فهم الناس في هذا الزمان أن الدعوة والخطابة شيء واحد لم يفرقوا بينهما علماً بأن الأنبياء عليهم السلام هم الذين جاءوا بنظام الدعوة في العالم وعلموه للناس، وأما الخطابة فاساتذتها هم خطباء الجاهلية، فمقصود التبليغ إيصال كلام الله تعالى مع بذل الجهد وتحمل كل الصعاب لذلك وإن اقتضى الأمر إلى تحمل الضرب والأذى أو سفي التراب بالوجه أو القذف بالحجارة لأن الدعوة في الحقيقة ينبغي أن تؤخذ من حياة الأنبياء عليهم السلام.



عرضه عليه السلام الدعوة على بني شيبان :

واخرج أبو نعيم في ص96 عن ابن رضي الله عنهما عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما أمر الله عز وجل نبيه أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر رضي الله عنه إلى منى حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب فتقدم أبو بكر فسلم وكان أبو بكر مقدماً في كل حين وكان رجلاً نسابه فقال: ممن القوم؟ قالوا من ربيعة قال: وأي ربيعة أنتم؟

فذكر الحديث بطوله وفيه: قال ثم انتهيت إلى مجلس عليه السكينة والوقار إذ لهم اقدار وهيبات، فتقدم أبو بكر فسلم – قال علي وكان مقدماً في كل حين – فقال لهم أبو بكر: ممن القوم؟ قالوا: نحن بنو شيبان بن ثعلبة، فالتفت إلى رسول الله  فقال: بأبي أنت وأمي ليس بعد هؤلاء من عز في قومهم وكان في القوم مفروق بن عمرو وهاني بن قبيصة والمثنى بن حارثة والنعمان بن شريك فذكر الحديث بطوله حتى قال: قال رسول الله "أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله وأن تؤوني وتنصروني وتمنعوني حتى أودي عن الله تعالى ما أمرني به" (حتى قالوا) ولعل هذا الأمر الذي تدعو إليه تكرهه الملوك فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول فإن أردت أن ننصرك مما يلي العرب فعلنا. فقال رسول الله   والله ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه. ثم قال رسول الله: ارأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيراً حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم ويفرشكم بناتهم أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال له النعمان بن شريك: اللهم وأن ذلك لك يا أخا قريش. فتلا رسول الله إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. ثم نهض رسول الله قابضاً على يد أبي بكر رضي الله عنه. (البداية ج3، ص145).



الفائدة :

لقد قبل زعماء هذه القبيلة بكلامه ورضوا بما قال ولكنهم بسبب عدم ملاءمة الأحوال في زمانهم ذلك اعتذروا عن الدخول في الإسلام وقالوا: "وأما ما كان مما يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول" وكأنهم خافوا من مناوشة الفرس وحربهم فأثنى رسول الله على صدقهم ثم أخبرهم أنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه. أي أخضع جميع الأحوال لهذا الدين ولما بشرهم رسول الله بأموالهم وبلادهم وبناتهم قالوا كالمعجبين "اللهم وأن ذلك لك يا أخا قريش" أي هل تستطيع قتالهم بغير الأموال والقوات فأجابهم صلوات الله وسلامه عليه: إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أي أنني صاحب الدعوة الإلهية وليس من الضروري لصاحب الدعوة الإلهية أن تكون معه القوة المادية لأتنه إنما هو رسول الله تعالى، والنصرة الإلهية معه لا تستطيع أن تقهرها أي طاقة في العالم فتعجبوا من كلامه وسكتوا ولم ينكروا ذلك كما يفعل المسلمون في هذا الزمن، وقام وأخذ يتجول في القبائل الأخرى. وقد ورد هذا من طرق أخرى وفيه أنهم لما تحاربوا هم وفارس والتقوا معهم بقراقر – مكان قريب من الفرات – جعلوا شعارهم اسم محمد فنصروا على فارس، وقد دخلوا بعد ذلك في الإسلام. وذكر أيضاً اين كثير في البداية: "فلم يلبث رسول الله إلا يسيراً حتى خرج إلى أصحابه فقال لهم: احمدوا الله كثيراً فقد ظفرت اليوم أبناء ربيعة بأهل فارس قتلوا ملوكهم واستباحوا عسكرهم وبي نصروا"ز (البداية ج3، ص145).

  وبعد عشر سنين كاملة من الأذى فتحت السب والطرق لنشر الإسلام.

أخرج أبو نعيم أيضاً في الدلائل ص105 عن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه والزهري رضي الله عنه قال: لما اشتد المشركون على رسول الله قال لعمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: يا عم إن الله عز وجل ناصر دينه بقوم يهون عليهم رغم قريش عزا في ذات الله. فامض بي إلى عكاظ فأرني منازل أحياء العرب حتى أدعوهم إلى الله عز وجل وأن يمنعوني ويؤوني حتى أبلغ عن الله عز وجل ما أرسلني به قال. فقال العباس: يا ابن أخي أمض إلى عكاظ فأنا ماض معك حتى أدلك على منازل الأحياء فبدأ رسول الله   بثقيف ثم استقرى القبائل في ستة، فلما كان العام المقبل وذلك حين أمر الله تعالى أن يعلن الدعاء لقي الستة أو السبعة نفر الأوسيين والخزرجيين.

وأخرج الطبراني أيضاً مرسلاً عن عروة رضي الله عنه حتى قال: وأتاهم رسول الله وأخبرهم خبر الذي اصطفاه الله من نبوته وكرامته وقرأي عليهم القرآن، فلما سمعوا قوله انصتوا واطمأنت نفوسهم إلى دعوته وعرفوا ما كانوا يسمعون من أ÷ل الكتاب من ذكرهم إياه بصفته وما يدعوهم إليه فصدقوه وآمنوا به وكانوا من أسباب الخير ورجعوا إلى أوطانهم دعاة إلى الإسلام وأخبروهم بأن النبي الذي انتظره العالم طويلاً قد ظهر ولقد سمعنا كلامه بآذاننا ورأيناه بأعيننا فجعل رابطتنا بالله الحي الذي لا يموت وعرفنا حقيقة الدنيا والآخرة، حتى قل دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها الناس لا محالة. (رحمة العالمين ج، ص70).

فلننظر إلى انهماكه   في تبليغ الدعوة وكيف تحمل من أجلها كل الصعاب والشدائد فكانت هذه هي الأصول الأولية بالنسبة لدعوة النبي لما قبلها الستة نفر رجعوا إلى المدينة مبلغين واصبحوا من دعاة الإسلام. حتى لم يبق دار من دور المدينة إلا اسلم فيها ناس لا محالة. فهذه كانت عاطفة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، عاطفة الدعوة بطريق الجولات، مقتدين بالنبي الكريم في تجواله ودعواته، وهكذا قامت الدعوة بواسطة المسلمين كذلك.

إن جهد دعاة الإسلام من أهل المدينة ومجيء ستة أنفر آخرين معهم لبيعته كان له نتيجتين: الأولى أن أرض المدينة أصبح فيها الاستعداد والصلاحية لتقبل الإسلام. والثانية: أن هؤلاء الستة نفر جاءوا بستة آخرين معهم في السنة الثانية عشر للبعثة إلى مكة المكرمة لبيعته فلما بايعهم ورأى إقبالهم واستعدادهم أرسل معهم مصعباً رضي الله عنه لدعوتهم وتعليمهم الإسلام وقد كان مصعب رضي الله عنه فتى مكة شبابا وجمالاً وسبيباً (أي شعر ناصيته) وكان أبواه يحبانه وكانت أمه مليئة (غنية) كثيرة المال تكسوه أحسن ما يكون من اللباس وارقه وكان أعطر أهل مكة يلبس الحضرمي من النعال فكان رسول الله يذكره ويقول: ما رأيت بمكة أحسن لمة ولا أرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير. (حياة الصحابة ج1، ص383).

لكنه لما تحصل نور الإيمان وخالطه قلبه بشاشته ترك كل هذا النعيم وذهب إلى المدينة منادياً وداعياً لدين الحق وأخذ يدعو للإسلام وكان عليه ذاك كساء يجمع بين طرفيه بالشوك كراهية أن ترى عورته.

  إننا في هذه الأيام نحتاج في الدعوة والتبليغ إلى شيئين أساسيين وهما:

1)              الجهد في الأحياء لإقامة البيئة الصالحة أثناء إقامتنا في البيوت.

2)    الجهد لإخراج الناس من بيئتهم إلى بيئة الدعوة والأعمال واثناء الخروج علينا أن نجتهد لإقامة الناس على التضحية للدين في المناطق التي نذهب إليها، وإخراج القدماء من هذه الأحياء حتى يزيدوا في تضحياتهم فبخروج أهل الفكر والجهد يفتح الله سبحانه وتعالى أبواب الهداية والرحمة لأهل العالم.



الجولات العمومية في أحياء المدينة والشورى لها:

عندما وصل مصعب وأسعد بن زرارة إلى المدينة المنورة أخذوا بتعليم من أسلم منهم الإسلام ودعوة من لم يسلم بعد الإسلام أخرج ابن اسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيره: أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر على بئر يقال له مرق. فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيد بن الحضير يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل وكلاهما مشرك على دين قومه. فلما سمعا به قال سعد لأسيد: لا ابا لك. انطلق إلى هذين الرجلين اللذين أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما أن يأتيا دارنا فإنه لولا اسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما. (البداية، ج3، ص152).

مما تقدم يتضح لنا كيف كان أصحاب النبي يدعون الناس ويقومون بتبليغ دين الله تعالى:

1)              فأولاً هم اجتمعوا عند بئر مرق ومن ثم أخذوا يتشاورون فيما بينهم في الطريقة التي سيدعون الناس بها.

2)    يتضح من كلام سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير أن المسلمين أرادوا الذهاب للأحياء والبيوت المختلفة لدعوة أهلها، حيث قال سعد: فازجرهما وانههما أن يأتيا دارنا.

والدار تشمل بيوت القبيلة كلها. فعن الصحابة الكرام رضي الله عنهم أخذت الجولات في الأحياء والحارات والشورى وأعمال الدعوة في هذا الزمان. وإنما الفرق الذي بيننا وبينهم أنهم كانوا يدعون الناس إلى الإسلام وإلى ترك الشرك وعبادة الأصنام ونحن في هذا الزمان ندعو الناس لتعلم الإسلام والعمل به والقيام عليه. ولكن عدم إشتراك الناس بالعمل بهذا المنهاج والأسلوب هو الظن منهم بأن الدعوة بهذه الكيفية لم تثبت بدليل. إلى أولئك وإلى كل طالب للحق وقائم به نقدم لهم جميعاً هذه القصة ، قصة جولات مصعب رضي الله عنه وما تقدم قبلها من القصص في جولات النبي والصحابة الكرام في مختلف الحالات والمواقع.

هذا وقد لمسنا التجربة بأن الجهد بطريق النبي سهل وبسيط يستطيع أن يقوم به كل مسلم، كما فعل كل واحد من أصحاب النبي فقد كانوا جميعاً دعاة لدين الله تعالى اينما كانوا وحيثما اتجهوا.

والله نسأل أن يهدينا وأن يشرح صدورنا للحق وللعمل به. والسلام على من اتبع الهدى.

شبكة الدعوة والتبليغ

http://www.binatiih.com

 
 
المشاركة السابقة
الكاتب: ابو مصعب التونسي
 مراسلة موقع رسالة خاصة
[بتاريخ : الإثنين 08-10-1427 هـ 11:09 مساء ]

أنا أقول أنّ دعوتُنا ليس عليها غُبار .. فمن أراد أن يتأكّد من ذالك فليخرج في سبيلِ الله لأن من خصائص هذا الجهد هو أنّك لن تفهمه إلاّ إذا تحرّكت فيه ... و لكم في من كان معارضاً و بعد أن خرج أصبح مؤيداً دليلٌ قوي علي صِحّة كلامي

لا يسمح لك بمشاهدة الصور


-------------------------------------
مَا ابيضَّ وجهٌ باكتِسَابِ كَرِيمَةٍ .. حتَّى يُسَوِّدَهُ شُحُوبُ المَطْلَبِ

الكاتب: المدني
 مراسلة موقع رسالة خاصة
[بتاريخ : الأربعاء 10-03-1428 هـ 03:32 صباحا ]

الله يثبتنا على الدعوة  وعلى سنة خير خلق الله محمد 

لا يسمح لك بمشاهدة الصور


-------------------------------------
اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت

اللهم إفتح علي من خزائن جودك ما لا ينقطع*** ومن الأنوار ماتضئ به بصري فلا يخنع

الكاتب: طه بن إبراهيم
 مراسلة موقع رسالة خاصة
[بتاريخ : الإثنين 27-12-1430 هـ 09:15 مساء ]

هذه دعوة النبوه
ومن أراد أن يتعرف على حقيقة هذه الدعوة فليلازمهم
ونسأل الله لنا الثبات على هذا الحق حتى الممات
ونشكر العلماء الأفاضل على الصدع بكلمة الحق


لا يسمح لك بمشاهدة الصور


-------------------------------------
[I][B]اللهم أعزنا بالدين وانصر بنا الدين وانشر بنا الدين[/B][/I]

الكاتب: طه بن إبراهيم
 مراسلة موقع رسالة خاصة
[بتاريخ : الإثنين 28-04-1431 هـ 12:30 صباحا ]

هل هذا الكتاب مطبوع

لا يسمح لك بمشاهدة الصور


-------------------------------------
[I][B]اللهم أعزنا بالدين وانصر بنا الدين وانشر بنا الدين[/B][/I]

الكاتب: الجامي التبليغي
 مراسلة موقع رسالة خاصة
[بتاريخ : الأحد 04-10-1431 هـ 07:38 صباحا ]

ماهو الجهد في الدين؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ارجو الاجابة

لا يسمح لك بمشاهدة الصور


-------------------------------------
سسسسسسسسسس

الكاتب: yemen88
 مراسلة موقع رسالة خاصة
[بتاريخ : الأحد 24-03-1432 هـ 01:42 مساء ]

وهذا رد مني لاحد الاخوان الذي طلب مني كتاب لاحد مشايخ التبليغ في التوحيد
=====
- التوحيد عند جماعة التبليغ ممارس عندهم من الصباح الى المساء ومن كان كذلك لا يحتاج لكتاب في بيان التوحيد.
2- اتعلم يا اخي الكريم ان سيدنا بلال الحبشي لم يؤلف كتاب في التوحيد للاجيال بعده ، ولكن علم الاجيال درس في التوحيد لا ينسى وهو ( أحد ...أحد ... وهو يسحب في رمضاء مكة )
فكان درس عملي في التوحيد لا نظري وهذا ما تهدف له جماعة التبليغ تعليم الناس الوحيد العملي لا النظري .
3- اتريد كتاب فلسفي في التوحيد ومعك وبين يديك القرآن الكريم ، وفيه توحيد سيدنا ابراهيم ونوح وموسى وعيسى و25 نبي ورسول .
4- تريد كتاب في التوحيد من عالم تبليغي وعندك توحيد مسير خاتم الانبياء في ذلك مدة 23 عام ،، توحيده في مكة 13 سنة وتوحيده في المدينة 10 سنين والصحابة الكرام وقصصهم العملية في توحيدهم توحيد ( مصعب بن عمير مع امة _ وعكرمة بن ابي جهل رضي الله عنه - وخباب وعمر وحمزة والنجاشي الذي صلة عليه النبي للتوحيد الذي تعلمه من حمزة رضي الله عنه ولم يهدي له كتاب في التوحيد حتى يسلم بذلك الكتاب
والذي قال فيهم رسولنا محمد صلى الله عليه واله وسلم ( ما انا عليه واصحابي ) لكي ننجو من فلسفة المتفلسفين ونظريان المتأخرين.
5- جماعة التبليغ تعلم اعضاؤها التوحيد الحقيقي من نفس المنهج الاول ما انا عليه واصحابي ، بالجولات والتحركات وترك الاولاد والاهل لدين الله والدعوة اليه وتحمل المشاق فيه وتجرع العناء في اظهار شعائر الله في البر والبحر والجو .
5- وانت تريد رساله فيه أو كتاب يقرأ في مكتب مكيف أو في سيارة فارهه ومن قرأ الكتاب وحفظ نصوصه كالببغاء قيل عنه موحد ومن لم يحفظ فصول الك الرسالة قيل عنه لا يفهم في التوحيد؟؟؟؟؟.
اللهم فهمنا وفهم امة محمد صلى الله عليه وسلم منبع الدعوة الاصلي والتوحيد العملي الذي انتفعت له الامة الى يومنا هذا
ولك التحية

لا يسمح لك بمشاهدة الصور


-------------------------------------
جماعة التبليغ -*تجتهد على الطالحين ليكونوا صالحين *
*وعلى الصالحين ليكونوا مصلحين*
*وعلى المصلحين في ديارهم ليكونوا مصلحين في عموم دول العالم*
(وكل ذلك بهدف رضاء الله ودخول الجنة والنجاة من النار )

الكاتب: علي بن مصطفي
 مراسلة موقع رسالة خاصة
[بتاريخ : الأحد 23-04-1435 هـ 10:59 صباحا ]

الله اكبر فتح الله عليك فعلا التوحيد الا يفهم إلي عملي وبجهد متواصل

لا يسمح لك بمشاهدة الصور


-------------------------------------



 
 

أعلى الصفحة

برنامج البوابة العربية 2.2