مازال العمل جاري في تطوير الموقع وفقنا الله وإياكم لكل خير وسدد خطنا وخطاكم على طريق الحق

 

شبكة الدعوة والتبيلغ » المواضيع » رســـــــائل هنديـــــــــة


تعريف بالدعوة والتبليغ

 

 

 

            تعريف بالدعوة والتبليغ

          بسم الله الرحمن الرحيم

نحمده ونصلي على رسوله الكريم ، وبعد ؛ فيسرني أن أقدم إلى القراء العرب هذه الصفحات عن الدعوة الإصلاحية التي بدأها الشيخ محمد إلياس رحمه الله من الهند منذ نصف قرن وأكبّ عليها حتى تقبّل الله منه جهده وأقبل عليه المسلّمون في مختلف أنحاء العالم ولله المنة والشكر.

وأرى من اللازم  في هذه الفرصة أن أصرّح بأن هذه الدعوة بينما لا تمنع المسلّمين من الاشتغال بأمورهم المباحة التي تُكْسِبُهم المعاش وتؤهلهم لخدمة الإنسانية وبينما لا تمنع المؤلّفين من الكتابة في مواضيعهم المحببّة لم يختر مؤسسها الشيخ محمد إلياس رحمه الله تعالى استخدام الكتب والمؤلفات وطبع النشرات وإلقاء المحاضرات بطرقها الرائجة لدعاية هذا الجهد وتجنب دائما  استعمال وسائل الدعاية الرائجة . بل كان يؤكد أن يقوم الجهد كله على العمل وأن ينشر بالتمرين والتدريب بدون استخدام الوسائل الحاضرة للنشر والإذاعة . كان الشيخ يرى أن المقصود من الدعوة هو تأثر القلب بحيث تظهر آثار هذا التأثر في حياته العملية ، فتجري طبقا للسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم ، ورأى أن هذا المقصود لا يحصل إلا بالتمرن العملي ، فإن الكتب والمحاضرات مع أنها تؤثر في فكر الإنسان بحيث تجعله يُثني على المؤلف ، ولكن قلّما تُحْدِث تأثيرًا وتغييرًا في سلوك الفرد وأعماله .

كان الشيخ محمد إلياس رحمه الله تعالى يرى أن المؤلف يكتب الكتاب جالسا ولكن القارئ يقرؤه مستريحا مضطجعا ولا يعدو الأمر أن يتلذذ بالقراءة ويُثني على المؤلف ثم ينسى كل شيء عندما يدخل حياته اليومية ، بدون أن يطرأ أي تغيير على سلوكه وعمله ، ألا نرى أناسا ألفوا وقرئوا كتبًا كثيرة في المواضيع الدينية والخلقية ولكن لم يظهر في حياتهم العملية أثرٌ ما ممّا ألّفوا أو قرئوا ، وأما إذا تدرب الإنسان تدريبًا عمليًا واهتم بصرف أوقاته طبقًا للسنة النبوية على صاحبها أفضل  الصلاة والتسليم فإن قلبه يتأثر بحيث تتجلّى آثار هذا التأثر في حياته وسلوكه ، وإذا واظب العبد على هذا التدريب العملي صبغت حياته في قالب الشريعة.

قال الشيخ :  المنهاج العمومي للتعليم والتربية الذي نتوخّى ترويجه بهذا الجهد ، هو نفس المنهاج الذي كان متداولاً رائجًا في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام ، إذ لم تكن لديهم كتب ولا نشرات ولا مدارس بمعناها الحاضرة ، بل كان تعليم الدين يجري على هذا المنهاج ، وأما الطرق التي ابتكرت فيما بعد لهذا الغرض فهي التي أنشأتها الضرورة الحادثة ، ولكن الناس نسوا المنهاج الأصلي الذي راج في عصره عليه الصلاة والسلام وأحلّوا محلّه الطرق المبتكرة وأخذوا يرونها أصلاً ، مع أن الحق أن التعليم والتربية على نطاق عام لا يمكن تحقيقه إلا بتلك الطريقة الأصلية .

وقال مرّة : إنّ الأهداف التي علمنا النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم وصحابته الكرام رضي الله عنهم تحقيقها بالمخاطرة وبتضحية الأنفس تريدون أن تدركوا تلك الغايات عن طريق الكتب فقط ! ويؤيد التاريخ هذه الفكرة فإنّ الصحابة الكرام رضي الله عنهم لم تكن لديهم كتب ولا نشرات ، حتى القرآن الكريم كله لم ينزل في بداية العهد ، بل كانوا يتلقون من معلم الكتاب والحكمة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دروسًا عملية يُدرّبون أنفسهم على تنفيذها ، ولم يُؤتوا القرآن الكريم إلا بقدر تدرّبهم فتشرّفوا بالحصول عليه شيئا فشيئاً في مدة 23  سنة .

وما أحسن ما روي عن عبد الله بن عمر حين قال لشباب عصره : " تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن " وبناءً على ذلك كلّه لم يختر الشيخ رحمه الله أبدًا استخدام وسائل الدعاية لترويج هذا الجهد بل قام بنفسه ودعا الآخرين إلى الجهد العملي والتدريب العملي ، وكلّ ما ترى في هذه الآونة من تجاوب لدعوته هو نتيجة لجهده العملي بدون الالتجاء إلى وسائل الدعاية .

وتمسّك بهذا المبدأ نجله المغفور له الشيخ محمد يوسف رحمه الله تعالى الذي مع غزارة علمه لم يَحِدْ عنه قيد شبر ، وكذلك تمسّك به المشرف العالي الشيخ إنعام الحسن قواه الله تعالى ، الذي بالرغم من سعة علمه وتفقهه في الدين لا يشجع على تأليف الكتب عن هذه الدعوة .

ومن أجل هذا لم يطبع أي كتاب لهذه الدعوة بالقائمين بها ، وكلّ ما أُلّف فيها أو عنها فهي آراء للكتاب والمؤلفين أنفسهم ، ولا تعتبر صوتًا لهذه الدعوة بتاتًا ، وهذه الكتب حيناً تنجح وحيناً تفشل في إيضاح الدعوة .

وهذه الصفحات أيضًا تُعبّرُ عمّا فهمت منها وأدركته ، ولا تخلو من الخطأ المحتمل على أنّني رأيت أنها تساعد القراء العرب ولو إلى حدٍّ ضئيلٍ على معرفة هذه الدعوة ، فأحببتُ شخصيًا أن أُقدمها إليهم راجيًا من الله أن يتقبلها

( ربّنا تقبل منّا إنّك أنت السميع العليم )

                    صدر الدين عامر الأنصاري غفر الله تعالى  له






بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ

الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {2} الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ {3} مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ {4} إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ {5} اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ {6} صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ {7}‏ ( الفاتحة )

والصّلاة والسّلام على أشرف الخلق والمرسلين سيّدنا محمد الأمّي الذي أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله تعالى بإذنه وسراجًا منيرًا صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم ... فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {157}        ( الأعراف )

وبعد فإنّنا نعرف معرفة لا تشوبها أيّة ريبةٌ أنّ الأمة الإسلامية منذ أن أُخرجت إلى هذا العالم ما زالت في ازدياد مستمر من ناحية العدد ، فلم تَعُد الآن تنحصر في مدينة أو بلد أو قارة ، بل لا نكاد نجد قطرًا من أقطار العالم أو ناحية من نواحيه إلاّ ونجد فيها أفرادًا قليلين أو كثيرين من هذه الأمة الحنيفية ، وكلهم يعتزون بإيمانهم ويفتخرون بانتمائهم إلى الدين الحنيف فنحن في هذه الأيام ملايين نعيش في البلدان القرة والحارة ، ونطأ الصحارى القاحلة والجبال الشامخة ، ولكنها يا للأسف ، بالرغم من كثرة العدد وسعة الأرض نعاني من ضروب المحن والبلاء فالرقاب ذليلة والرؤوس خافقة والنفوس ضارعة والحمية فاترة وأصبح أبناء الأمة يرضون بخطة الخسف وأخذوا يستنامون إلى المنزلة الدنيئة ، وكبُر الفرق بينهم وبين أسلافهم المكافحين المجاهدين الذين كانوا ذوي إباء وأنفة وعزة وغيره ، والأخلاف على عكسهم في حالة من التناحر والهبوط ممّا يُنذر بخطر جسيم .

ولم تعد الأمة من حيث المجموع تتمتع بمكانتها السامية الحقيقية لا روحًا ولا مادة ، وحُرِمت من المعاني السامية والفضائل الخُلُقية التي امتازت بها في غابرها ، ومال بها الشيطان عن سبيل الله ، وبَعُد بها عن اتباع أوامره فصارت حياتها جحيمًا ، بعد أن كانت نعيمًا ، وصار عيشها عذابًا بعد أن كان هنيئًا رغيدًا .

وظهر الفساد في البرّ والبحرّ مع وجود آلاف من العلماء والزهاد ، وشاعت المنكرات وسادت الكبائر مع وجود ملايين المدارس والمساجد ، ولم يتبق من العبادات إلاّ ما شاء الله ، وما تبقّ منها أصبحت فارغةً جوفاءَ لا روح فيها ، فلا القلوب تخشع لذكر الله ، ولم تعد الصلوات تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وأصبحت الأمة في غاية الاحتياج إلى أن يعتني بها المُعتنون ويسمو بها السامون ، ولكن كيف السبيل إلى توجيهها وتسديدها وتذكيرها ؟

ومع أننا نُقِرُّ ونعترف بأنّ الداء الحقيقي ليس إلا الابتعاد عن الدين القويم والاعوجاج عن الطريق المستقيم ، فإنّ المدارك تعجز عن العثور على طريق ناجح يمكّن الأمة من التمسّك بالدين ،  ويخلّصها من براثن الشيطان ، ويحضّها على الاعتصام بحبل الله المتين .

والدين دستورٌ جامع للحياة ، ليس من السهل ترويجُه مرة واحدة ، ولا سيّما عندما تجلس القوى الطاغية دائمًا بالمرصاد تهرع إلى تقويض كلّ دعامة تضعها لهذا الغرض ، فهذه معضلة تبهر عقول الفلاسفة ، وتُرْبك أفهام العلماء والزعماء ، فإنّهم مع علمهم بالداء الحقيقي لا يتمكّنون من إبادة الجرثومة الحقيقية التي تنهك القوى وتقضي على الروح .

وكلّ من يوفقه الله يتقدم ويشرح الأمر طبقًا لبصيرته ويصف له وصفة ينفع الله به من شاء وما شاء ، ولا ننكر أهمية هذه الوصفات والتدابير إلا أننا لا نملك إلا أن نعترف بظاهرة واضحة : هي أن الجهود المبذولة في هذا السبيل المقدس خلال الأحقاب الماضية كانت محدودة المدى والنفع أكثر من كونها عالمية مستوعبة لجميع الأمة صغيرها وكبيرها على اختلاف طبقاتها .

وظهر في بلادنا أيضًا شخصية جعلت حالة الأمة الإسلامية موضوع تفكيره ، وجاهدت في تعيين المرض الحقيقي ، وجاهدت جهادًا طويلاً حتى هداها الله ، ووصفت له الدواء ، ونحن الهنود جرّبنا هذا الدواء ووجدناه _ والحمد لله _ سبب الشفاء ، وأعرفكم في هذا الكُتيّب بهذا الداعية الكبير ودعوته .

وُلد الشيخ محمد إلياس رحمه الله في عائلة دينية ، وترعرع في بيئة دينية ، والتحق بالمعاهد الدينية ، وتخرّج في العلوم الدينية المتداولة ، فقرأ من علوم التفسير والحديث والفقه ما قُدّر له ، ثمّ التفت إلى العلماء والزهاد والشيوخ ممن يُشهد بتقواهم واشتغل بالوعظ والإرشاد ، وشرح للطلبة غوامض القرآن والحديث ، على أنّه أحسّ بأن الأمة الإسلامية لا تكاد تتأثر بهذه المواعظ والخطب ، ولا تكاد العلوم القرآنية والنبوية تعدو جدران معهدها ومراكزها ، ولم يعد أفراد الأمة الإسلامية يُعمّرون المساجد ، ولم تعد القلوب تتذوق حلاوة ذكر الله ولا تطمئن به ، ولم يبق للقرآن إلا رسمه ، ومن الإسلام إلا اسمه ، فتفكّك رباطها وانحلّ عقدها وأصبح أفراد من الأمة نفسها يتخذون من آيات الله هزوًا ، وانقسمت الأمة إلى طوائف شتى ولا يكاد أحد يبالي بالعلوم الدينية فإن قُدّر لأحد أن يَرْغَبَ في  تعلّم الدين فلا يَجِدْ من يُعلّمه ، وإذا أحسّ عالم بالمرحمة نحو المُنهمكين في ملذات الدنيا وحرص على تعليمهم لا يجد من يسمعه .

وكانت النتيجة أن انعزل العلماء عن الأمّة العامة كلّ الانعزال ، وشاعت الفتن حتى تسرّبتْ إلى المراكز الدينية ، ولم يبق من المسلّمين مجالٌ للبِرّ والمرحمة ،  واتخذ كل منهم سبيله لا يَرحم ولا يُرحم ، ومال إلى الانهيارِ البنيانُ الذي كان يَشدّ بعضه بعضًا ، فَفكّر تفكيرًا عميقًا وأعمل كفاءته لتحقيق العوامل التي أفقدت الأمّة روحها الحقيقية عسى أن يوفقه الله تعالى إلى تأدية خدمة ما ، فهداه إلى أن الجرثومة الأصليّة هي غفلتها عن متاعها الرئيسي وإهمالها الحجر الأساسيّ لبنائها ، ألا وهو : الإيمان بالله تعالى وبما جاء به رسوله الكريم ، فلم يعد الأفراد يدركون قيمة هذا الكنز الثمين ، وأصبحت القلوب على وجه العموم تميل إلى المزخرفات والأباطيل ، دون أيّ انتباه إلى ما يصير إليه الأمر ، فوجدتِ التيّارات الفتّاكة سبيل التسرّب إليها ، واغتنمت المبادئ الهدّامة فرصة التغلّب عليها .

وإنّ الحقيقة الثابتة أنّ قومًا إذا فقدوا الإيمان بالله تعالى وحُرِموا العقيدة الصحيحة في الله تعالى انفرط أمرهم وتفكّكت روابطهم ، فإذا بهم يقولون ما شاءوا وليس لهم رقيب يُخشى إذا أذنبوا، ولا ضمير لهم يحاسبهم إذا اعوجّوا ، ولا يحكّمون كتاب الله وسنة رسوله فيما بينهم وفي نفوسهم ونياتهم وعقائدهم ، فانعدمت الثقة ، وحلّ التدابر محلّ التراحم ، والفردية مكان الاجتماع

وأمّا الفئة القليلة التي تتمتع بهذا الشعور _ أي العلماء _ فانعزلوا عن الأمة ، ممّا أدى إلى إهمال الأخوة الإسلامية وتشتّت الكلمة .

ومن هنا رأى _ غفر الله له _ أن السبيل الوحيد إلى إحياء الدين هو تذكير الأمة بمكانة كنزها الأصلي تذكيرًا يَحُضّها على التمسّك بجميع الدين ، وذلك مع الجمع بين شتى الطوائف ، مع مراعاة الأخوة الصادقة ، ولمّا اطمأن _ غفر الله له _ إلى الفكرة ، حدّد للعمل مرسومًا وقام بإذن الله يدعو الأمة إلى تنفيذه ، وحالفه النجاح بفضل الله تعالى .




      (( أسس الدّعوة ))

أسّس الشيخ رحمه الله تعالى دعوته على ستة مبادئ :

1)  الكلمة الطبية : " لا إله إلا الله  محمّد رسول الله " أي الإيمان الكامل بالله تعالى ، وبما جاء به رسوله الكريم صلّى الله عليه وسلّم .

2)  إقامة الصلوات .

3)  العلم والذكر .

4)  إكرام كلّ مسلّم .

5)  الإخلاص .

6)  النفر في سبيل الله تعالى . 

يضاف إلى هذا الستةِ مبدأٌ سابع كعامل مساعد على نيل المقصود ؛ وهو الاهتمام بترك ما لا يعنيه .

وهذه المبادئ الستة ليست كلها _ كما ترون _ أركانا أساسية للدين بل المبدآن الأولان ؛ أي الكلمة الطيبة والصلاة من الأركان الأساسية للدين ، والمبادئ الباقية إمّا من الشروط اللازمة كالإخلاص ، وإمّا من أهمّ الواجبات الأدبية والفضائل الخُلقية .

والمقصود أنّ الاهتمام بالركنيين المذكورين بمساعدة المبادئ الخمسة الأخرى أسهل وأنفع طريق إلى إدراك الدين والتمسك بجميع أركانه وفضائله .

وتشهد التجارب أنّ الأفراد المشتغلين في الدعوة طبقًا لهذا البرنامج يجدون في قلوبهم شوقًا لتعلّم الدين وإقامة صرحه الكامل .

وكيف لا ؟ والبناء يقوم على العقيدة ، فبمجرد أن يدرك المرء حقيقة الإيمان بالله ورسوله يندفع إلى تنفيذها في حياته كلها ، فينتهز أول فرصة لتعلم الدين و تطبيقه في حياته اليومية ، ويشعر بالخوف والخشية على تقصيره ، ويحاول الاتصاف بجميع الصفات الواردة للمؤمن ، ويمكننا أن نقول بالإجمال عن هذه المبادئ :

أنّ الكلمة الطيبة لتمكين اليقين في القلب وتذكير المسلّم أنّه ليس مخلوقًا حُرًّا في شؤونه يتصرف فيها كما يشاء دون رقابة أو محاسبة ، ولكنه فرد من الأفراد السعداء الذين لبّوا داعي الله تعالى فآمنوا بالله ورسوله وتعهّدوا بطاعة الربّ في كلّ ما صغر وكبر ، وأخذوا على أنفسهم تحكيم القانون السماوي في جميع شؤونهم ، فلا يُسمح لهم أن يسيروا في الأرض سير من لا يهتدي ويخبط فيها خبط عشواء ، وتذكّره الكلمة أنّ عليه أن يسلك مسلكًا معيّنًا ، وينتهج صراط الذين أنعم الله تعالى عليهم لا صراط الضّالّين ، ويعمل عمل المسترشدين لا عمل الضّالّين ، ويعبد ربه عبادة حقيقية .

وأنّ العمل الأول وهو الصلاة ليست رياضة بدنية ، ولكنها طاعة جامعة تُطهّر نفوسنا وتزكّي أرواحنا وتنهانا عن الفحشاء والمنكر ، وتهيئ في قلوبنا رغبة وكفاءة لصوغ الحياة الكاملة في المصاغ الديني ، فنؤدي هذه العبادة بعزم ويقين ، بخشوع وخضوع ، موقنين بصحة كلّ ما ورد فيها من المنافع الدنيوية والأخُروية ، وعازمين على نيل كل تلك المنافع ، ولا نعتبرها محض حركات وسكنات مثل ما يقوم به عبدة الأوثان والأفلاك .

وبعد أنّ أقرّ العبد بالعبودية ، وتذوقها بالصلاة ، اشتاق طبعًا لمعرفة الدين وتقوية إيمانه بذكر الله تعالى ،  فيتعلّم الدين مع اهتمامه بذكر الله تعالى ، وكلّما انهمك العبد في العلم والذكر ازدادت علاقته بالشريعة وتقوّى في إيمانه ويقينه ، ويتدرّج في اشتغاله شيئًا فشيئًا حتى يألف اتّباع الحكم الشرعي في كلّ عمل و شغل ، ولا يأتي بشغل إلاّ إذا تأكّد مِنْ جوازه ، بل من الثواب عليه ، فيكون مكسبه ومصرفه ( مواضع نفقته للمال المكتسب ) ومنامه ويقظته طبقًا للشريعة .

وإذا آمن العبد بربّه واعترف بعظمته وكبريائه ، وأقام الصلاة على وجهها المطلوب ، وأحاط حياته بذكر الله تعالى وعزم على معرفة ما لا يعرفه ، وعلى تعليم ما يعلمه من علوم الدين ، فهو بجانب تذوّقه حلاوة الإيمان يُدرك مغزى كونه خليفة الله في الأرض ( لفظ خليفة الله تعالى من الألفاظ التي اختلف فيها العلماء ، كما اختلفوا في تفسير قوله تعالى ( إنّي جاعل في الأرض خليفة ) ) ويُدرك الأمانة التي يحملها في هذا العالم ... الأمانة التي تفادى من حملها السماء والأرض .

وأقول بعبارة أوضح : أنّ العبد بمجرّد التعرف على العقيدة الإيمانية الصحيحة يتعرف على منزلة كلّ مسلّم ، ويتجلّى له بأنّه ليس هو الوحيد الذي يتمتع بهذه المكانة الروحية ، بل يشاركه في حمل هذه الرسالة والاستمتاع بهذه الأمانة كلّ مسلّم ممّا يُوجب عليه أن يحترمه مهما ساءت حالته الدينية ، ومهما انحط مستواه الديني ، وعليه أن يؤدّي ما يجب عليه من حقوق لكل مسلّم .

وكلّ عمل يذهب سدى دون جدوى ما لم نكن فيه مخلصين مبتغين فيه وجه الله تعالى ، فإنّ العبد إذا قام بعمل ما ، مهما حَسُنَ ، ولم يبتغ رضا الله تعالى فلن يصل إلى السعادة لا في هذا العالم ولا في العالم الآتي ، فإنّ الرياء شرك أصغر ، ولن يفلح المشرك أبدًا ، فلا بدّ أن لا يقصد بأعماله إلا وجه الله تعالى ، ويواصل محاسبة نفسه في قيامه وقعوده وأكله وشربه ونومه ويقظته ، وعن جميع حركاته وسكناته ، ويستحضر في كلّ وقت أنّ عليه مهيمنًا يعلم ما توسوس به نفسه ، وهو أقرب إليه من حبل الوريد .

وإذا استخلص قلبه من المطامع الدنيوية هان عليه ما هان على الأنبياء والمرسلين ، واستطاع أنّ يؤدّي كلّ واجبه ، سواءً كان نحو ربّه أو نحو عباده على الوجه المطلوب الذي تترتب عليه  الثمار النافعة ، فإنّ الله تعالى لا ينظر إلى أجسامنا وصورنا ، ولكنّه ينظر إلى قلوبنا .

وتتعلق المبادئ الخمسة المذكورة بحياة الفرد الذاتية ، ويُدرك كلّ من أوتي البصيرة أنّها تحيط بحياته اليومية ، وأنّها ترتقي بالفرد إلى الحياة المثالية ، على أنّ كلّ جزء من المجتمع منقسم إلى أقسام شتّى ، فهنا قارات وبلدان ومدن ، وفي كلّ منها بيئات مختلفة ، فإذا أمعنّا النّظر وجدنا أنّ كلّ فرد _ على كونه جزءًا من المجتمع _ منعزلٌ بذاته عن أخيه ، وتتأثّر حياتنا بالظروف التي تختص ببيئته ، فالتاجر _ مثلا _ يفكّر في تجارته وشؤونها ، والفلاّح يفكّر في أرضه وحرثها و حصادها ، والصانع يفكّر في صناعته ومشاكلها ، وهكذا نجد كلّ فرد لا يكاد يعدو بفكره حدود بيئته  وهو بالطبع متأثر بظروفه التي لا تسمح له أن يندمج في المجتمع الديني اندماجا حقيقيًا .

ومن هنا يتحتّم على كلّ مسلّم أن يتخلّص من أعباء بيئته لبعض الوقت حتى يجد عقله فرصة لإدراك الغاية العظمى ، فيذوق حلاوة الإيمان ، ويتعرف على الروح الإسلامية الحقيقة .

والمبدأ السابع أيّ ترك ما لا يعنيه يصون الحياة عن الأباطيل والمزخرفات ، ولنأخذ في  الصفحات التالية هذه المبادئ الستة ، وننظر بالإجمال ما لها من أهمية وتأثير في  حياتنا .



1.  الكلمة الطيبة

قال الله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً " {136} (النساء )

هذه الكلمة الطيّبة أول وأهمّ الأركان الخمسة لديننا الحنيف وهي الدعامة الرئيسية التي يقوم عليها صرح الدين .

قال صلّى الله عليه وسلّم : " بُني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله  وأنّ محمّدًا عبده ورسوله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحجّ ، وصوم رمضان " متفق عليه .

ينصّ الحديث المبارك على أنّ الكلمة الطيبة أساس الدين ، ولا يعتبر أحدٌ مؤمنًا ومسلّما  إلا بعد وضع هذا الأساس وهذه الكلمة أساس لكل الفوز والفلاح ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :      " قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " .

وهذه الكلمة تُعدّ الشرط اللازم لقبول جميع  الأعمال الصالحة ، فإذا لم يقرّ أحد بها بصدق ويقين لا يعتبر له عمل مهما صلُح وحسُن ، ولا يستحقّ بعمل مهما كبر وعظم النعم الإلهية فإن واصل أحَدٌ طول حياته الصلاة والصوم والحج وأنفق أمواله على المساكين والفقراء بدون أن يشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدًا رسوله أضاع حياته سدى دون جدوى ولم يستحق جزاء في الآخرة .

عن عتبان بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " لن يوافي عبد يوم القيامة يقول لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله إلا حُرّم على النار " أخرجه أحمد والبخاري ومسلّم .

وعن أبي هريرة قال:  قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:  " لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد قبلك لما رأيت من حرصك على الحديث ، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه "  رواه البخاري .

عن عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : " من شهد أنّ لا إله إلا الله وأنّ محمّدًا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حرّم الله عليه النّار " رواه مسلم .

وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه  قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة ، قيل وما إخلاصها ؟  قال : أن تحجزه عن محارم الله " رواه الطبراني .

وعن أبي هريرة قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصًا قطّ إلا فتحت له أبواب السماء حتى يفضي إلى العرش ما اجتنب الكبائر " رواه الترمذي .

وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " جدّدوا إيمانكم ، قيل يا رسول الله كيف نجدّد إيماننا ؟ قال : أكثروا من قول لا إله إلا الله " رواه أحمد .

وعن معاذ بن جبل قال : قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " مفاتيح الجنة شهادة أن ا إله إلا الله " رواه أحمد .

وعن معاذ بن جبل قال : قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم :"  الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان "  رواه الستة وغيرهم .

فهذه الكلمة المباركة من أهمّ الأشياء وهي مليئة بالمنافع الجمّة ، ليس لأنها ترنيمةٌ سحريةٌ غير معقولة مثل الترانيم التي يكررها القائلون دون فهم وإدراك ، ويزعمون أنّ النطق المجرّد بهذه الألفاظ يسبّب لهم الفوز والنجاح , ويسخّر لهم الكون , بل تُنِيلُنا ( أي ننال بسببها ) هذه الكلمة المباركة هذه المنافع ، لأنها إقرار منّا بالعبودية وإقرار بربوبية الخالق وألوهيته ، وإعلان من العبد بأنه يرضى بالله إلها وربّا وبمحمّدٍ نبيًّا وبالإسلام دينا , وبأنه يؤمن بذلك بالإخلاص , وإذا عرفنا أنّ الكلمة إقرار وجب علينا أنّ نعرف ما هي المبادئ التي أقررناها بهذه الكلمات ، وما هي الأمور التي وجبت علينا بمقتضى هذا الإقرار , فإنّ النطق المجرد كالببغاء بدون فهم وإدراك لا يُسمّى إقرارًا , وفى السطور التالية نشرح لكم بالإجمال معنى الكلمة ومفهومها ومقتضياتها.

معنى الكلمة

الكلمة الطيبة مركبة من جملتين : لا إله إلا الله  محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم .

الجملة الأولى تعني إنكار كلّ شيء ما سوى الله ، إقرارًا بألوهية الله وحده , واعترافًا منّا بأنّنا نؤمن ونوقن بأن لا معبود إلا الله , وهو الخالق وهو الحي وهو القيوم وهو الذي يحيي ويميت, وهو الذي يُعزّ ويُذلّ , ويعطي ويمنع , وهو عالم الغيب , يعلم ما ظهر وما بطن وهو الحق , وكلّ ما خلاه باطل , وهو الإله ولا إله غيره ، وهو الخالق ولا خالق غيره , وهو المحيي ولا محيي غيره , وهو المُمِيت ولا مُمِيت غيره .

هذه الظواهر كلها طوع أمره , وكلّ ما أمرنا به حقّ , وهو المطاع ولا مطاع غيره , دينه حقّ ، وكلّ ما جاءت به رسله حقّ , بشائره صادقة , لا يستطيع غيره أن يأتي بشيء .

والجملة الثانية محمّدٌ رسول الله إقرار وتصديق بأنّ الله تعالى اختار محمّدًا صلّى الله عليه وسلّم لحمل الرسالة الإلهية , فجعله نبيًّا ورسولاً كما جعل الرسل والأنبياء السابقين , وأنّ الله تعالى أنزل كتابه الحكيم عليه لهداية الناس أجمعين , ويعنى الإقرار برسالته إعلانُنَا عن يقينٍ بأنّ نبوّته ورسالته حقّ وأنّه خاتم النبيّين والمرسلين , فلن يُبعث الآن نبيّ ورسول آخر , وأنّه كان عبدًا من عباد الله بشرًا أو مخلوقا , لم يكن إلها أو معبودا , وأنّا لا نعبده ولا نعتبره إلها , ولكنّنا نكرمه ونحترمه كنبيّ مبعوث , ونعتبره أحسن أسوة لنا ولجميع العالمين , كان إنسانًا كاملاً واجب الاتباع والاقتداء .

حمل الرسالة الإلهية وأداها بأمانة بلّغ كلّ ما أُنزل إليه للتبليغ , وكلّ ما بُلِّّغَ إلينا بُلُّغِ مِنْ عِندِ الله تعالى وبأمره ، ولم ينطق قطّ بالهوى فأوامره إلهية , والقانون الذي عَلّمنَا قانون سماوي لا يقبل التغيير والتبديل .

ولا طريقة للنجاح والفوز إلا طريقتُه , ولا سيرة تستحق الاتباع إلا سيرته , وكلّ ما أخبرنا به عن الرسل والكتب والملائكة واليوم الآخر , والقدر خيره وشره والقيامة والجنة والنار وغيرها من سائر المغيبات نؤمن بها ونصدّقها دون ريبة سواء تدركها عقولنا أم لا.

وكلّ من اتبع أوامره رشد واهتدى , وكلّ من أعرض عنها ضلّ وغوى .

مقتضيات والتزامات

يتجلّى ممّا ذكرنا بوضوح أنّ الكلمة الطيبة عهد وميثاق يتحتّم بمقتضاه على العبد أن لا يعبد إلا الله تعالى وأن يطيع أمره في كلّ ما صغُر وكبُر , ويُخْضِع حياته في جميع شؤونها لحكم الله تعالى فلا يأتي بشيء في حياته الفردية أو الاجتماعية إلا طبقا للحكم الإلهي , لا يؤثر حُكم غيره على حكمه سواء كان لأميره أو لوالده أو لولده ولا يُفضّل على حكمه رغبات نفسه بل يبذل كلّ نفس ونفيس في سبيل الله تعالى , فإن قصّر فكأنّه يُكذّب نفسه ويخلف عهده , ولا نخطو خطوة إلاّ كما يأمرنا الله تعالى ورسوله ، ولذلك يجب على العبد أن يعرف ما هي الأوامر الإلهية المتعلقة بالعبادة والمعاشرة وكيف أمرنا الله تعالى بتدبير شؤون الحياة .

وكلّما اهتممنا بهذه الكلمة الطيبة تقوّى إيمانُنا ، واستحكمت رابطتنا مع الله تعالى ، وتفتّحت لنا أبواب السعادة في الدنيا والآخرة ، وحالفنا الفلاح والعلوّ الموعودان في كتاب الله العزيز حيث قال : " وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ "{139} ( آل عمران ) . وقال أيضا : " قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ " {1} ( المؤمنون ) الآيات . أي الذين يؤمنون بالله تعالى ويُخْضِعون حياتهم لمطالب الإيمان .

ولكنّ النطق المجرّد بدون اليقين لا يفي بالمرام , بل المقصود هو تمكين اليقين في القلب حتى يوقن بأنّ هذه الظواهر والوسائل لا تُجدي بذاتها نفعًا وإنّما هي طوع أمر خالقها ، الذي يَقدر على أن يملأ هذه الظواهر والوسائل تأثيرًا ويجعلها تُفضي إلى ما نقصد منها , كما يقدر على أن يمحوها وعلى جعلها كأن لم يكن منها شيءٌ مذكورٌ , وعلى أن يُنِيلُنَا المقصود عن طريق الظواهر الأخرى أو حتّى بدونها .

فالنجاح لا يتبع هذه الظواهر والوسائل بتاتًا ، ولكنّ النجاح الحقيقي والفوز الأصلي ينحصر في طريق الحياة التي أرشدنا إليها نبيّنا الكريم محمد صلّى الله عليه وسلّم .

وإنّنا لن نشهد مظهر القدرة الإلهية الكاملة إلا بقدر اتّباعنا نبيه صلّى الله عليه وسلّم ، وبقدر يقيننا بصحة طريقه وصدق سيرته , فإذا أخضعنا حياتنا للشريعة يعانقنا الفوز في كلّ ما صغُر وكبُر مهما خالفتنا الأحوال الظاهرة , وفقنا الله تعالى لاتّباعها .

2.  الصلاة

قال الله تعالى : " الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ "{3} ( البقرة ) 

وقال الله تعالى : " وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ "{43} ( البقرة ) .

وبعد أن اعترفنا بالعبودية وعاهدنا الله تعالى أن نطيعه ، وجب علينا أن نُصدِّقَ ما اعترفنا به , وأن نقوم بالخطوات العملية في سبيل الله تعالى وإحياء دينه , فلنبادر إلى تأدية أوّل فريضة عملية وهى الصلاة ، وهي أوّل عبادة فرضت في الإسلام , وبمقتضى تكرّرها خمس مرات يوميًا فإنّها تَحْمِلُ أهمية أكبر , وأمر القرآن الكريم بإقامتها مرّات ، ووردت أحاديث كثيرة منها :

عن أبي ذرّ رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خرج في الشتاء والورق يتهافت , فقال : " يا أبا ذرّ , قلت : لبيك يا رسول الله ، قال : إنّ العبد المسلم ليصلّي الصلاة يريد بها وجه الله فتهافت عنه ذنوبه كما تهافت هذا الورق عن هذه الشجرة " رواه أحمد .

عن أبي عثمان رضي الله عنه قال : " كنت مع سلمان تحت شجرة فأخذ غصنًا منها يابسًا فهزه حتّى تحاتّ ورقه ثمّ قال يا أبا عثمان ! ألا تسألني لم أفعل هذا ؟ , قلت : ولم تفعله ؟ , قال : هكذا فعل بي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وأنا معه تحت الشجرة , وأخذ منها غصنًا يابسًا فهزّه حتّى تحاتّ ورقه , فقال : يا سلمان ! ألا تسألني لم أفعل هذا ؟ قلت : ولم تفعله ؟ قال : " إنّ المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثمّ صلّى الصلوات الخمس تحاتّت خطاياه كما تحات هذا الورق , وقال : " أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل , إنّ الحسنات يُذْهِبن السيئات , ذلك ذكرى للذاكرين " أخرجه أحمد والنسائي .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : " أرأيتم لو أنّ نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كلّ يوم خمس مرّات هل يبقى من درنه شيء ؟ قالوا : لا يبقى من درنه شيء ، قال : فكذلك مثل الصلوات يمحوا الله بهن الخطايا " .

عن حذيفة رضي الله عنه قال : " كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة " أخرجه أحمد .

عن أبي قتادة بن ربعيّ قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " قال الله تبارك وتعالى : إنّي افترضتُ على أمتك خمس صلوات , وعهدت عندي عهدا أنّه من حافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة في عهدي ، ومن لم يحافظ عليهن فلا عهد له عندي " كذا في الدرّ المنثور برواية  أبي داود .

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة " رواه أحمد .

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه الله قال : أوصاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعشر كلمات ، قال : " لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت , ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك , ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمّدًا فإنّ من ترك صلاة متعمّدًا برئت منه ذمة الله ، ولا تشربنّ خمرًا فإنه رأس كلّ فاحشة , وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس " الـخ .

والصلاة عبادة جامعة تشتمل على جميع مظاهر العبودية , والاعتراف بربوبية الخالق ، فهي ذكرٌ وقراءة وركوع وسجود وقيام ، وعندما نُلبّي داعي الله تعالى ونُسرع إلى المسجد ونقوم بين يدي خالقنا مُناجين ونُقْبِل عليه مواجهين , يشتغل قلبنا مع كل سُلامةٍ من سُلامى أبداننا في التعبد , ونُعظّم خالقنا بحركاتنا وسكناتنا ولساننا وقلوبنا , ونستحضر عظمة الله تعالى جازمين بأنّنا بحضرة مولانا العظيم نُناجيه ونتضرّع إليه ونخضع لإرادته ونمتثل لمشيئته .

فعلينا أن نؤدي صلواتنا في غاية التذللّ والخضوع خالصين لوجه الله تعالى مع ما يمكننا من المراقبة والإحسان ونسعى جهدنا أن لا تكون صلاتنا بصورتها الظاهرية فقط , بل تكون بتمام الخضوع في جميع أقوالها وأعمالها مع المحافظة عليها ، وتكون بصفة حقيقة ما يترتّب عليها    من الثمار النافعة الموعودة ( أي تؤدى مع اليقين بحصول هذه الثمار النافعة التي وُعدنا بها ثوابًا عليها ) كَنَهْيِهَا عن الفحشاء والمنكر , والفلاح وجميع ما بشرّ به النبيّ الكريم جازمين بصدقه , موقنين بأنّها طريقة إلهية للفوز والفلاح ، وإنّ النجاح الحقيقي دينيًا كان أو دنيويًا ينزل من المصدر الحقيقي الأزلي أي القدرة الإلهية .

وأنّ الصلاة أقرب طريق للوصول إلى صاحب القدرة الكاملة , وأنّ العبد كلّما زاد خشوعًا وخضوعًا في الصلاة وكلّما اتبع في صلاته صلاة النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه رضوان الله عليهم اتجهت إليه الرحمة الإلهية فتستجاب أدعيته , وكلّما صلحت صلاته سارع إليه بفضل الله تعالى النجاح ببركة التعبد مِن حيث لا يحتسب .

ومن الطبيعي أن العبد إذا استطاع تأدية الصلاة , على وجهها المطلوب يتخلّص من براثن الشياطين وسلك الصراط المستقيم الموصل إلى الخير الدائم , ولازمته المراقبة بأنّ عليه رقيبًا يأمره بالاعتدال في حياته فترتدع نفسه عن الشهوات , وتأمن الغفلة وتتوق إلى معرفة الأوامر الإلهية حتى لا تبدر منة بادرةٌ تسيء في علاقته مع ربّه , ومع خَلْقِ ربّه فيسعى ليلاً ونهارًا ويطلب في سره وعلانيته ما يجلب الخير له ولإخوته فيتمهّد له السبيل إلى إعلاء كلمة الله تعالى وتوحيد كلمة المسلمين وتوثيق عُرى المودّة بينهم .

فالمبدأ الثاني أن يبذل كلّ مسلم جُـلَّ عِنايته إلى إقامة الصلوات ويتعلم طريقتها الصحيحة وأدعيتها وفرائضها وواجباتها وسننها , ويؤدّيها بالإحسان .

3.  العلم والذكر

قال الله تبارك وتعالى : " قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ " {9} ( الزمر )

وقال الله تبارك وتعالى : " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء " {28} ( فاطر )

وقال الله تبارك وتعالى : " الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ " {28}‏ ( الرعد )

إنّ العلم والذكر كما لا يخفى يقوم عليهما الكمالُ الإنساني ولا يمكن لأحد أن يصل المثالية المنشودة إلا بالعلم والذكر ، فإذا خلا فردٌ من الأفراد من العلم والذكر لم يتخلّص من رجس الدنيا  ولم يتنور قلبُه .

وقد وردت فضائل كثيرة للذكر في الأحاديث النبوية على صاحبها ألف ألف تحية...

عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " مثل الذي يذكر ربّه والذي لا يذكر مثل الحيّ والميّت "  متفق عليه .

عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم :    " لا يقعد قوم  يذكرون الله إلا حفّتهم  الملائكة ، وغشيتهم الرحمة ، ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم الله في من عِنْدَهُ " رواه مسلم .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى عليه وسلّم : " إنّ الله تعالى يقول : أنا مع عبدي إذا ذكرني وتحرّكت بي شفتاه . "

عن ابن عباس رضي الله عنه قال :  قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " الشيطان جاثم على قلب ابن ادم فإذا ذكر الله خنس وإذا غفل وسوس " رواه البخاري تعليقًا .

عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال : جاء أعرابي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال : أي الناس خير ؟ فقال : " طوبى لمن طال عمره وحسن عمله , قال : يا رسول الله أي الأعمال أفضل ؟ قال : أن تفارق  الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله " رواه أحمد والترمذي .

عن مالك رضي الله عنه قال : بلغني أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يقول : " ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل خلف الفارّيين , وذاكر الله في الغافلين كغصن أخضر في شجر يابس , وفى رواية : مثل الشجرة الخضراء في وسط الشجر ، وذاكر الله في الغافلين يريه الله مقعده من الجنة وهو حيّ , وذاكر الله في الغافلين يغفر له بعدد كلّ فصيح وأعجم والفصيح بنو آدم والأعجم البهائم " رواه رزين .

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه كان يقول : "  لكلّ شيء صقالة وصقالة القلوب ذكر الله ، وما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله ، قالوا : ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : ولا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع "  رواه البيهقي في الدعوات الكبير .

وأول طريق لتذوّق الذكر هو المواظبة على الأدعية المأثورة أو الأذكار المسنونة وتلاوة القرآن الكريم , فيسعى أن لا يترك عملا من أعماله اليومية إلا ويقرأ قبل القيام به وبعده ما ورد في الأحاديث النبوية من الأدعية , فيصبح داعيًا وينام داعيًا ويستيقظ داعيًا ويأكل داعيًا ويشرب داعيًا ويدخل المسجد داعيًا ويخرج منه داعيًا ويتوضأ قارئًا الأدعية المأثورة كلّها ، وهكذا عند بداية كلّ عمل وعند نهايته ، وحين قراءة كلّ دعاء يستحضر عظمة الخالق وخضوعَ الكون له , وتجديد عهده الذي عهد به بالإيمان والصلاة ويوفر من أوقاته ما يتيسر له لتلاوة القرآن الكريم , ويتمعن في معانيه إذا كان له حظ باللغة ، يتلوه مراعيًا آدابه وموقنًا بأنّه يؤثّر في قلبه ويطهره ويزكّي روحه من الخبث ويفتح له أبواب الفلاح والنجاح .

أما العلم فلعله لا يوجد الآن على وجه الأرض أحد يُنكر ما للعلم من الأهمية والمكانة ، فهو الخاصية التي تميّز الإنسان عن سائر البهائم ، فالإنسان شريف لا بقوة شخصيته فإنّ الأسد والعجل أقوى منه , ولا بكبر جسمه فإنّ الفيل أعظم وأكبر منه جثة , ولا بشجاعته فإنّ الأسد أشجع منه , ولا بأكله فإنّ الثور أوسع بطنًا منه بل الإنسان شريفٌ بعلمه فقط , وهذا هو العلم الذي يجعله أفضل من الأسد والفيل والثور وغيرها , فإذا حُرِمَ المرء من العلم حُرم من الفضل , والعلم هو السلاح الذي يرفع البشر من حضيض الذلّ إلى سموّ العزّ ويخلّصه من براثن الشياطين ويوصله إلى الله سبحانه وتعالى .

وقد ورد في الكتاب والسنة فضائل كثيرة للعلم ...

فقد قال الله تبارك وتعالى : " شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ " {18} ( آل عمران ) انظر كيف بدأ سبحانه وتعالى بنفسه وثنّى بالملائكة وثلّث بأهل العلم , وناهيكم بهذا شرفًا ونبلاً .

وينبّه  الله عزّ وجلّ بقوله  : وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ {80}( القصص ) على أنّ عِظم قدر الآخرة لا يعلم إلا بالعلم , والعلم أعظم نعمة منّ الله تعالى بها على البشر , وذكر الله تعالى هذه النعمة في موضع الامتنان في قوله :      " خَلَقَ الْإِنسَانَ {3} عَلَّمَهُ الْبَيَانَ {4} " ( الرحمن )

وحثّ النبيّ عليه الصلاة والسلام كلّ مؤمن ومؤمنة على طلب العلم ، وصرّح بما للعلم من فضائل كثيرة فقد ورد :

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : " ألا إنّ الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه ، وعالم ما ومتعلم " رواه الترمذي وابن ماجه .

عن معاوية رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ، وإنما أنا قاسم والله يعطي " متفق عليه .

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " لا حسد إلا في اثنتين , رجل آتاه الله مالا فسلّطه على هلكته في الحق , ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها " متفق عليه .

عن أبي هريرة رضي الله عنه ( في حديث طويل ) : " ومن سلك طريقا يلتمس فيه علمًا سهّل الله به طريقًا إلى الجنّة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه " رواه مسلم .

عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله "  رواه مسلم .

قال أبو الدرداء رضي الله عنه فإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : " من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله طريقًا من طرق الجنة ، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم ، وإنّ العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض ، والحيتان في جوف الماء، وإنّ فضل العالم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، وإنّ العلماء ورثة الأنبياء ، وإنّ الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا , وإنّما ورَّثوا العلم , فمن أخذه أخذ بحظ وافر " رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه والدرامي .

عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : ذُكر لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم , فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " فضل العالم على  العابد كفضلي على أدناكم " ثمّ قال صلّى الله عليه وسلّم : " إنّ الله وملائكته وأهل السموات والأرض وحتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلّون على مُعَلِّمِ الناس الخير " رواه الترمذي .

عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " طلب العلم فريضة على كل مسلم " مشكاة المصابيح  كتاب العلم .

عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال : قال صلّى الله عليه وسلّم : " من طلب العلم ليجاري به العلماء ، أو ليماري به السفهاء ، أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله النار " رواه الترمذي.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :  قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم : " من تعلّم علمًا ممّا يُبْتَغى به وجه الله لا يتعلّمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة يعني ريحها " رواه أحمد .

عن الحسن رضي الله عنه مرسلاً قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام فبينه وبين النبيّين درجة واحدة بالجنة " رواه الدارمي .

عن واثلة بن الأسقع قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " من طلب العلم وأدركه كان له كفلان من الأجر ، فإن لم يدركه كان له كفلا من الأجر " رواه الدارمي .

عن ابن عباس رضي الله عنه قال : " تدارس العلم ساعة من الليل خير من إحيائها " رواه الدارمي .

عن سفيان أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لكعبٍ : " مَنْ أرباب العِلم ؟ قال : الذين يعملون بما يعلمون " رواه الدارمي .

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : " إنّ من أشرّ النّاس عند الله منزلة يوم القيامة عالم لا يُنتفع بعلمه " رواه الدارمي .

والواجب على كلّ مسلم ومسلمة أن يُحصّلوا على مقدارٍ من العلم يؤهّله لتأدية واجباته وفرائضه طبقًا للشريعة المطهّرة ، ولا يدع نفسه تَقتنع بأنّ العلوم لا تكتسب إلا في المعاهد والجامعات ، بل يَسْتذكِر الدّين في بدء عهده حينما كانت الصحابة رضي الله عنهم يتهافتون على طلب الدين فلم تكن لديهم جامعات ومعاهد ، وإنّما كان النبيّ عليه أفضل الصلاة والتسليم يعلّمهم الكتاب والحكمة وهم يؤدون أعمالهم اليومية ، وهم كانوا بدورهم يعلّمون الآخرين ممّا تعلّموا .

فاتّباعًا لهم يأخذ على نفسه أن يتعلّم من الدّين ما تيسر له يوميًا ، فيحضر إلى مجلس العلماء والصلحاء ، ويقطف منهم زهرات الدّين ، ويقرأ من الكتب الدينية ولا سيما القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ، ويحاول أن يطّلع على الأحكام الشرعية فيما يتعلق بمهنته وعمله ، فمثلاً : يتعلّم التاجر أحكام التجارة والأجير أحكام الأجرة ، فالمبدأ الثالث لهذه الدعوى الإيمانية هو الاهتمام بذكر الله تعالى وكسب العلم الديني ، وعند مواظبة العبد على هذه الأمور الثلاثة لا بدّ أن يجد نفسه تتوجّه إلى الصراط المستقيم ، ويُشعر قلبه بحلاوة الإيمان ، وتكون النتيجة طبعًا أن يُحبّب إليه الإيمان وُيزيّن في قلبه ، ويُكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان ، فيستاء من العيش المعوجّ ، ويشتاق إلى إقامة الدّين بتمامه .

وهنا تأتي مرحلة معاملته مع الناس ، وبعبارة أخرى : عندما يصحّ سلوكه مع الله تعالى يَشتاقُ إلى تحسين سلوكه مع عباد الله تعالى ، كما يشتاق إلى مشاركتهم في الحلاوة التي تذوّقها هو بنفسه .

4.  إكرام المسلم

قال الله تعالى : " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ  " {10} ( الحجرات )

وقال الله تعالى : " َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ " {11}‏ ( الحجرات )

عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقّر كبيرنا ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر " رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب .

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " متفق عليه .

عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمّى " متفق عليه .

عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " ما أكرم شابٌ شيخًا من أجل سِنّه إلا قيّض الله له عند سِنّه من يُكرمه " رواه الترمذي .

عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: " إنّ مِن إجلال الله إكرام الشيبة المسلم ، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه ، وإكرام السلطان المقسط "  رواه أبو داود .

عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده , والمؤمن من أمنهُ الناس على دمائهم وأموالهم " رواه الترمذي والنسائي .

عن عائشة رضي الله عنها أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال : " أنزلوا الناس منازلهم " رواه أبو داود .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " إنّ الله يقول يوم القيامة : أين المتحابون بجلالي أُظلّهم في ظلّي يوم لا ظلّ إلا ظلّي " رواه مسلم .

عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " من أحبّ لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان " رواه أبو داود .

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنّه سأل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن أفضل الإيمان ؟ قال : " أن تُحب لله وتُبغض لله وتُعمل لسانك في ذكر الله ، قال وماذا يا رسول الله ؟ قال : وأن تُحبّ للنّاس ما تُحبّ لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك " رواه أحمد .

عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " ما من مُسْلِمَيْن يلتقيان فيتصافحان إلا غفر الله لهما قبل أن يفترقا " رواه أحمد الترمذي .

عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: " المسلم الذي يُخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم " رواه الترمذي وابن ماجه .

عن عمر رضي الله عنه قال وهو على المنبر : " يا أيّها النّاس تواضعوا ، فإنّي سمعت  رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : " من تواضع لله رفعه الله ، فهو في نفسه صغير وفي أعين الناس عظيم ، ومن تكبّر وضعه الله ، فهو في أعين الناس صغير وفي نفسه كبير ، حتى لهو أهون عليهم من كلب أو خنزير " رواه البيهقي .

عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " للمسلم على المسلم ست بالمعروف , يُسلّم عليه إذا لَقِيَهُ ، ويجيبه إذا دعاه ، ويشمّته إذا عطس ، ويعوده إذا مرض ، ويتبع جنازته إذا مات ، ويُحبّ له ما يحبّ لنفسه " رواه الترمذي والدرامي .

عن عياض بن حمار المجاشعي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : " إنّ الله أوحى إليّ أن تواضعوا ، حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد " رواه مسلم .

عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " ملعونٌ من ضارّ مؤمنًا أو مَكر به " رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب .

عن سعد بن زيد رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال : " إنّ من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حقّ " رواه أبو داود والبيهقي في شعب الإيمان .

ومغزى هذا المبدأ هو التعرّف على مكانة المسلم والنصح له وتأدية ما له علينا من حقوق دون الطمع في أن يؤدّي هو حقوقنا ، فعلى كل مسلم أن يحترم أخاه ويحبّه وينصح له مهما ساءت حالته الدينية ، ومهما انحط مستواه الدنيوي فيعامله برفق ولين ويخفض جناحه للكبير والصغير ولا يتكبّر ولا يتعاظم على أحد , بل يستجلب محبّة عباد الله تعالى بمكارم أخلاقة وحسن معاملته ولطف صنعه ، ويُبادر من يعرف ومن لا يعرف بالتحية ، وإذا حيّاه أحد بتحية ردّها بأحسن منها ، ويلقى كلّ واحد بالبشاشة والبشر والطيب وحُسن الخلق والأدب ويتوددّ إليهم ، ولا يَعِدُ أحدًا إلا ويَفِي به ،  وينصت إلى أخيه ما لم يتحدث باللغو ، ويُقبل عليه ويوسّع له المجلس ، ويُوقّر كلّ كبير ويرحم كلّ صغير ، ويتحلّى بالأخلاق الفاضلة كلّها ، ويواصل المعرفة على ما أمر به الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم من الأخلاق الفاضلة ، ويتبع سيرته وسيرة أصحابة ، ويطّلع على حُسن تعاملهم ، ويتعامل كما كانوا يتعاملون ، ويُجاهد لإكرام أخيه المسلم معتقدًا بأنّ الرّحمة الإلهية المنشودة لا تنزل على المجتمع إلا بممارسة أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام .                             



 

5.  الإخلاص والمحاسبة

قال الله تعالى : " أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ " {3} ( الزمر )

وقال الله تعالى : " وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ  "{5} (البينة )

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " رواه مسلم .

وعنه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " قال الله تعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه " , وفي رواية : " وأنا منه بريء , وهو للذي عمله " رواه مسلم .

وعن جندب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " من سمّع سمّع الله به ومن يُرائي يُرائِي الله به " متفق عليه . أي يَجزي الله تعالى المرائي بأن يقول له : اطلب جزاء عملك ممّن عملت لأجله .

عن أبي سعيد بن أبي فضالة رضي الله عنه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : " إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه ، نادى مناد : من كان أشرك في عملٍ عمله لله أحدًا فَلْيَطْلب ثوابه من عند غير الله , فإنّ الله أغنى الشركاء عن الشرك " رواه أحمد .

عن شداد بن أوس قال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : " من صلّى يرائي فقد أشرك " رواه أحمد .

عن محمود بن لبيد رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال : " إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ، قالوا : يا رسول الله وما الشرك الأصغر ؟ قال الرياء " رواه أحمد . وزاد البيهقي في شعب الإيمان " يقول الله لهم يوم يجازى العباد بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عنده جزاءً وخيرًا " مشكاة المصابيح .

الإخلاص هو الحجر الأساسي لقبول العمل , فإن كل عمل صالح وحسن لا قيمة له في نظر الله تعالى من غير إخلاص ، وإذا أنعمنا النظر وأعملنا الفكر علمنا أنّ الإخلاص يضادّه الشرك وإن اختلفت درجاته , فإذا خلا عمل من الإخلاص فلا أقلّ من أن يكون رياءً ، والرّياء هو الشرك الخفيّ , فلا بد للعبد أن لا يقصد بأعماله إلا وجه الله تعالى ، وأن يذكر دائمًا أنّ كلّ حظٍّ من حظوظ الدنيا التي تستريح إليها النفس ويميل إليها القلب إذا تطرق إلى العمل تكدّر به صفوه ، وزال به إخلاصه , وأنّ الخالص من العمل هو الذي لا باعث عليه إلاّ طلب التقرّب من الله تعالى .

ومن هنا يتحتّم أن يكون الجهد كله ولا سيّما في سبيل إحياء الدين لله تعالى لا يشوبه غرض دنيوي , ويكون القلب فارغًا عن طلب منزلة أو جاه أو سمعة , ويكون موقنًا بأنّ الجهد الخالص هو شعار الأنبياء وأتباعهم الصالحين , وأنّ أبواب السعادة تفتح على مصراعيها بفضل هذا الجهد الخالص وإن لاحت الأسباب الظاهرة في بعض العيون مخالفة . ( أي وإن ظهر لبعض العيون أنّ هذا الجهد فيه امتحان ومشّقة وطول طريق )

فمغزى هذا المبدأ أن يواصل العبد محاسبة نفسه في قيامه وقعوده ، وأكله وشربه ، ونومه ويقظته ، وفي جميع حركاته وسكناته ، ويستحضر في كلّ وقت أنّ عليه مهيمنًا يعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد , فمن لم يحاسب نفسه دامت حسراته .

وإذا استخلص قلبه من المطامع الدنيوية هان عليه ما هان على الأنبياء والمرسلين , واستطاع أن يؤدّي كلّ واجبه , سواء كان نحو ربّه أو نحو عباده على الوجه المطلوب الذي تترتّب عليه الثمار النافعة . 

6.  النفر في سبيل الله

قال الله تبارك وتعالى : " فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ  " {122}‏ ( التوبة ) .

وقال الله تبارك وتعالى : " إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ " {39}        ( التوبة ) .

وقال الله تبارك وتعالى : " وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " {104} ( آل عمران ) .

وقال الله تبارك وتعالى : " انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ " {41} (التوبة ) .

وقال الله تبارك وتعالى : " وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ {33}( فصلت ) .

وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم : " من سلك طريقا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنّة " رواه مسلم عن أبي هريرة .

وقال أيضا : " من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع " رواه الترمذي وقال حدث حسن .

ومغزى هذا المبدأ هو التخلّي عن مشاغلنا اليوميّة للتمرّن في إجراء الحياة على السنّة النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم , ودعوة الآخرين إلى التمرّن والجهد , فإنّه كما قلت في الصفحات الأولى أنّنا لا نستطيع _ دون صعوبة ما _ أنّ نوفّر علينا شهورًا في العام أو أيامًا في الشهر كما نُوفّر للنزهة والاستجمام ، ونقضي هذه الفترة لتزكية نفوسنا ودعوة إخواننا إلى التزكية ابتغاءً لوجه الله تعالى , ونسعى في هذه الفترة أن نتّبع في كلّ ثانية الأسوة الحسنة , ونكون تائبين عابدين حامدين راكعين ساجدين آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر حافظين لحدود الله وجاهدين  ( الجاهد هو الذي يتعب ويضحّي ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم : " إنّه لجاهد مجاهد " ) لإحياء دين الله تعالى فلا نخطو خطوة ولا نعمل عملاً ولا نقول قولاً إلا طبقًا لِمَا أمرنا الله تعالى به ورسوله , وهذا الخروج في سبيل الله تعالى نوع من الجهاد ، فإنّ الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى ليس مختصًّا بالقتال فحسب , ولكنّ الجهاد في سبيل الله تعالى هو الدعوة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم والتمسك بها والمثابرة على ذلك .

وتدلّ التجربة والمشاهدة على أنّ هذا الخروج بالدعوة إذا كان لأربعين يومًا في كلّ عام فهو خير معاون على نيل المقصود , وأدناه أن نجتمع يومًا من كلّ أسبوع في مسجد من مساجد الله تعالى ونتمرّن على المبادئ الستة ...

الوقاية

وهنا أمر سابع يُقصد به كالمساعد القوي على نيل المقصود , ألا وهو : الاهتمام بترك ما لا يعنيه .

عن علي بن الحسين رضي الله عنه قال : قال رسول صلّى الله عليه وسلّم : " مِن حُسنِ إسلامِ المرء تركه ما لا يعنيه " رواه مالك وأحمد وابن ماجه والترمذي والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة .

عن أنس رضي الله عنه قال : توفّي رجل من الصحابة فقال : أبشر بالجنّة , فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " أوَ لا تدري فلعلّه تكلّم في ما لا يعنيه أو بخل بما لا ينقصه " رواه الترمذي .

عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " من يضمن لي ما بين لحْيَيْه ( اللسان ) وما بين رجليه ( الفرج ) أضمن له الجنّة " رواه البخاري .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " إنّ العبد ليتكلّم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات , وإنّ العبد ليتكلّم بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في جهنّم " رواه البخاري .

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " من صمت نجا " رواه أحمد .

عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : أتيت أبا ذرّ رضي الله عنه فوجدته في المسجد محتبيًا بكساء أسود وحده , فقلت يا أبا ذر : ما هذه الوحدة ؟ فقال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : " الوحدة خير من الجليس السوء ، والجليس الصالح خير من الوحدة ، وإملاء الخير خير من السكوت , والسكوت خير من إملاء الشرّ " مشكاة المصابيح عن البيهقي , وفي مشكاة المصابيح روايات أخرى بنفس المعنى .

فمن واجب المؤمن أن يُوقن ويُدرك بأنّ هذه الحياة _ مهما طالت _ قصيرة فانية ، وأنّ كلّ لحظة مضت منها لن تعود , فلا يترك لمحة من هذه الفرصة المؤقتة لتذهب سدى بدون جدوى ، فليحافظ المؤمن على أعماله وأوقاته ، ويحرص على أوقات حياته الثمينة , فيؤدّي الفرائض ثم السنن ثم المستحبات فالنوافل , ويتفادى دائمًا من كلّ عمل لا يعود عليه بالنفع , فإنّه لو تركها ولم يشغلها في أمر مُجْدٍ ذهبت هذه الثانية إلى غير رجعة .

ومن بين مصائب الأمّة إهمالها قيمة هذه الحياة , فلا تقيم لها وزنًا وتضيّعها بدون فائدة ، فإنّنا لو حسبنا مشاغلنا اليوميّة نجد أنّ ما صرفنا من عمرنا سدى بدون جدوى أكثر ممّا انتفعنا بها ، وهذا هو الخسران العظيم .

وكانت الصحابة رضي الله عنهم قد أدركوا هذه الحقيقة فلم يدعوا نبذةً من حياتهم تذهب سدى ، فجاءوا بأعمال باهرة في أعمارهم القصيرة ممّا تتحيّر له العقول ، وهكذا المؤلّفون الكبار الذين تركوا مجلدات ضخامًا ، مع أنّه لم تكن عندهم تسهيلات السفر أو الكتابة و القراءة  مثلما تيسّر لنا في هذه الأيام . ولكنّهم جاءوا بأعمال قلّما يُوفّق إلى الإتيان بها في أيامنا الحاضرة لجان كبيرة ، بالرغم من هذه الوسائل الهائلة والتسهيلات الوافرة .

ولعلّ السبب الحقيقي لم يكن إلا أنّ الأسلاف قدّروا حياتهم ، وعكفوا على الأعمال المفيدة ، ولم يضيّعوا حياتهم في أمور غير مُجدِية ، فبارك الله تعالى في أوقاتهم . فعلى المسلم أن يصون حياته عمّا لا يَعْنِيه ، وفقنا الله تعالى لذلك _ لاسيّما حين الخروج في سبيل الله تعالى _ كي ننتفع  انتفاعًا تامًا.

طريق الدعوة

طريق العمل أن يجتمع بعض الأفراد على اسم الله تعالى في مسجد من مساجد الله تعالى ، وينتخبوا منهم أميرًا يكون مسؤولاً عن راحة المأمورين الذين يطيعون أوامره ، ما لم يأمرهم بالعصيان ، ثم يقومون بجولة _ على الأقلّ _ مرتين في الأسبوع قبل إحدى الصلوات ، يتّصلون في هذه الجولة بالمسلّمين ويدعونهم ليجتمعوا وليستمعوا إليهم ، وحين اجتماع الناس في المسجد يذكّرونهم بغاية الدين وأهميته وضروريّته ، ويدعونهم مع كلّ الاحترام إلى القيام بالدعوة ، وإذا استعد من الحضور أفراد تشكّل منهم جماعة للخروج في سبيل الدعوة .

وتُوجّه هذه الجماعة إلى الأمكنة التي يُوجد فيها أفراد متمرّنون على الدعوة ، ليقوموا بالعمل تحت إشرافهم ، وإذا تعلّم أفرادٌ وتمرّنوا على طريق الدعوة يُوجّهون إلى أماكن قريبة أو نائية حسب استطاعتهم ، لِيَدعوا المسلمين ويوجّهوهم إلى نفس الطريقة .

ويخرج كلّ فرد على حسابه الخاص ، عازمًا أن يجعل من نفسه كامل الأدب مع الله تعالى ورسوله وفي نفسه ومع جميع الخلق متنافسًا في الصدق والصفا ، وفي المحافظة على السنّة النبويّة، مُهتمًّا بذكر الله تعالى وقراءة القرآن الكريم .

وفى فترة الخروج يُطلب من الأفراد أن يحافظوا على أوقاتهم بدقّة وشدّة ، فلا يبذلوا لمحةً في ما لا يعنيهم ، وليهتمّوا بأربعة أمور :

أولاً : الدعوة الخاصة : وطريقتها أن يُرسل بعض الأفراد في جولة خاصة , ليتّصلوا بأعيان الحارة أو البلدة ، ويشرحوا لهم الدعوة بأدب واحترام ، ويطلبوا إليهم المساندة والحضور إلى المجلس .

ثانيًا : الدعوة العامة : وطريقتها أن يُوجّه البعض في جولة عامة ، يتّصلون فيها بعامة الشعب المسلم في الأسواق والحارات ، ويدعوهم بأدب ولطف إلى الحضور والاستماع ، والأفضل أن يكون الاجتماع بالعموم في المسجد , وإذا اجتمع الناس توجّه إليهم برفق وإلحاح أن يفرّغوا من مشاغلهم وقتًا لهذا الجهد ، وإذا استعدّ البعض منهم تُشكّل منهم جماعة ، وتُرسل طبقًا لما ذكر آنفا .

ثالثًا : التعليم : وطريقته أن يجلس الأفراد بأدب واحترام يوميًا لمذاكرة الأحاديث والآيات المشوّقة إلى إقامة العبادات والتخلّق بالأخلاق الفاضلة ، فيقرأ واحد منهم أحاديث الفضائل ، ويستمع الحضور إليه بأدب واحترام لائِقَيْن بكلام الرسول عليه الصلاة والسلام ، ويصرف بعض الوقت في تلاوة القرآن الكريم ، وفي مذاكرة الأدعية المأثورة وسور القرآن الكريم ، كي يتعلّم من لا يعلمها ، وبجانب ذلك يحاول كلّ فرد أن يؤدّي صلوات الفريضة والنافلة بخشوع وخضوع أكثر وأكثر .

رابعًا : أن يُظْهِر كلّ فرد مِن نفسه نموذجًا كاملاً من الخلق الحسن ، ومثالاً تامًا للإيثار نحو زملاءه فيبقى دائمًا مستعدًا لخدمة الآخرين بدون الطمع في المبادلة ( انتظار خدمة إخوانه له مقابل خدمته إياهم ) ، فيقومون بالأعمال الضروريّة مثل شراء الحوائج وإعداد الطعام وغسل الأواني بالتناوب .

الغاية المنشودة

والغاية المنشودة من وراء هذا الجهد كله كما قال الشيخ محمد يوسف رحمه الله هي إحياء السنّة النبويّة ، على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم ، في جميع ميادين النشاط الإنساني ، وذلك بإحياء اليقين وتجديده ، وإقامة العبادات على وجهها المطلوب ، وتعويد النفس على التخلق بالأخلاق النبويّة ، وممارسة تلك الأخلاق في معاملة الناس ، مع إقامة حلقات الذكر والتعليم لترويج الأمور المذكورة .

فعندما تعود الجماعة من رحلتها ويعود الأفراد إلى بيوتهم ، فليحاول كلّ واحد منهم بذاته أن يؤدّي هذه الأعمال في مقرّه فيقوم مع زملائه بالجولة _ على الأقلّ مرتين في الأسبوع _ مرّة في حارته ومرّة في حارة أخرى ، ويجتمع الأفراد المشتغلون كلّهم في ليلة من الأسبوع لِيُبيّتوا معًا .







قصد المُؤَلِّف من هذا المُؤَلَّف

لم أُرِدْ في هذا الكُتيّب أن أُحلّل هذه الدعوة تحليلاً فلسفيًا ، كما لم أرد التأليف في حياة مؤسّسها , ولكنه بمنزلة بطاقة الدعوة إلى المأدبة التي أقامها سيّد المرسلين صلّى الله عليه وسلّم منذ أربعة عشر قرنًا , وجدّد الدعوة إليها من بين من جَدَّد , أستاذي الفقيد غفر الله تعالى له الشيخ محمد إلياس رحمه الله تعالى مستنبطا من التعليمات الإلهية , ومضت نحو تسعة عشر عامًا إلى أن توفّي الشيخ رحمه الله تعالى , وقام بالعمل بعده نجله الوحيد الداعية الكبير الشيخ محمد يوسف رحمه الله تعالى , فاحتمل أعباء الدعوة ووفّقه الله تعالى إلى تأدية هذا الواجب حقّ أدائه , فكان بجانب أشغاله الأدبيّة منهمكًا ليل نهار في الدعوة ، وأعانه الله تعالى فلم ينحصر صوته في مدينة أو بلد وإنما يلبّي الملبّون نداءه ، ويخرجون لا من بلد إلى بلد فحسب , بل من قارة إلى قارات , ولكن لا بقاء إلا لوجه الله تعالى , فتوفّي إلى رحمة الله عام 1965 م , فكان أمر الله تعالى قدرًا مقدورًا , ويقوم بالدعوة في الأيام الحاضرة الشيخ الفاضل محمد إنعام الحسن ابن الحاج إكرام الحسن رحمه الله تعالى مدّ الله تعالى في حياته وقد أجاد القيام بواجبه .

وفقّنا الله تعالى إلى إقامة الدّين ، وجعلنا من المسلمين والمسلمات ، والمؤمنين والمؤمنات ،  والقانتين والقانتات ، والصادقين والصادقات ، والصابرين والصابرات ، والخاشعين والخاشعات ، والمتصدّقين والمتصدقات ، والصائمين والصائمات ، والحافظين فروجهم والحافظات  ، والذاكرين الله تعالى والذاكرات ، الذين أعدّ الله تعالى لهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا .

6  6  1973 م

            صدر الدين عامر الأنصاري غفر الله تعالى له

                                        نيودلهي -  الهند

شبكة الدعوة والتبليغ

http://www.binatiih.com

 
 
المشاركة السابقة : المشاركة التالية


 
 

أعلى الصفحة

برنامج البوابة العربية 2.2