مازال العمل جاري في تطوير الموقع وفقنا الله وإياكم لكل خير وسدد خطنا وخطاكم على طريق الحق

 

شبكة الدعوة والتبيلغ » المواضيع » كـتـب ورســــــــــــــائل


الرسالة الثالثة

 

 

 

أى بُنَيَّ:

أرسلتَ تقول: "والدي الحبيب" كم أنا سعيد، كم أنا فخورٌ أن تكون هذه منزلتي عندكَ، إنه والله لشرفٌ كبير أعتز به، سيبقى يدفعني لأستتحقه وأكون أهلاً له.
أقول: هذا فضل الدعوة أولاً فلولاها كمنا في عالم لا يعلم سرهُ إلا الله تعالى، فالدعوة يا أخي هي روحُُ وجودنا وسر شعورنا النبيل الذي يفيض بالأدب والحياء، وإنْ تعجب فعجبٌ ما تكنه الصدور مما استقرَّ في الأعماق من آثارٍ هي أكبر وأعمق وسوف تفيض على العالم بِرَّاً ومرحمةً في يوم من الأيام.

أى بني:

تقول: (والدي قد ربطتني بقوةٍ خفية)
اسمع: حين سعيتُ إلى قلبك بكل عواطفي ومشاعري وحبي، كنت أقصدك، أنت تقول: لقد ربطتني بقوة خفية، وأنا أقول لقد شَدَدْتَني إليكَ وجذبتني بنفس القوة، فاستعدادك للخير كان قوياً انظر إلى قولك: (إن هذه الرابطة جعلت قلبي يفتح دون إرادتي لكلامك وأصبحت كل كلمة تحمل معنى عظيماً) تدري لماذا حدث هذا؟ لأنني وأنا أتكلم معك أكون في حالة من الحضور القلبي والروحي مع ربي لأنني أخاطبك من أجله.

أي أخي:

ليست الدعوة جانباً واحداً، فمن يعجزه العمل في ميدان، فهناك ميادين كثيرة في حاجة إليه. يقول الشيخ رحمه الله: الفلاح الذي يزرع القطن يعرف أن الثمار تحتاج إلى ستة شهور فهل ينتظر ستة شهور بلا عمل؟ لا. انه يزرع حول القطن خياراً، طماطم، ذرة، فجلاً جرجيراً، حتى يأتي وقت حصاد القطن، نحن في حاجة إلى أن نؤدي حق الدعوة الفردية وهو أنفع شيء للدعوة في هذه الظروف. إن دعوتنا عالمية لن تقف عند مشكلةٍ ولا تتعطل عند أية معضلة ولا بد أن نتحرك، باستعمال البدائل والأولويات.

أي أخي:

أخاف أن أمتدحكَ فتضيعَ وتضيعني معك، أخافُ عليكَ من أن تنسى فضل الله عليك.. أنت مُدَّخَرٌ لغايةٍ كبيرة فافطم نفسك عن شهواتها، وأخرجْ حظَّ نفسك من نفسك، تجرد من حب الظهور، وحاذر مِنْ (أنا) وتقرب إلى الله بحسن العبادة وصدق التوكل، تَعَلّم أن تحاسب نفسك كلّ يوم حتى تخلصها لرسالتها التي تترقب مطلعك.

أي أخي:

تعرفتُ على الدعوة الخالدة في السابعة عشرة من عمري، فأنقذني الله من الدمار، قضيتُ هذه السنين في رحاب الدعوة، حُلوها ومُرَّها، أما حلوها فقد كان في صحبة أهل هذه الجماعة وأبنائها، فهذه هي السعادة ولا منازع، وأما مرها فما أشده ولكنه لا يقاسُ بنعمة الأخوة وحلاوة الحب في الله تعالى، لقد كنا نعيش في محنٍ قاتلة، لا يسهّل علينا الحياة في أتُونِها إلا رحيق الحب، وحلاوة اللقاء، وعذوبة الابتسامة، ورقة المعاملة، ومن ههنا أقولُ لكَ: الإخاء الإخاء. ليت قومي يعلمون، فينهضون ويعملون، فالنفوس سخية وفية عامرة بالإيمان.

أي أخي:

أوصيكَ بالأدبِ والتجرد والإيثار فإنها نادرة في هذا العصر، إنها تقاليد راسخة موروثة في دعوتنا، ورثناها ورضعناها من الجيل الأول، جيل أصحاب رسول الله T، عند غيرنا تحدث (الغيرة) وتحدث (الأنانية) ولكن عندنا (ويؤثرون على أنفسهم) ويفرحون لفرحِ من يحبون ويبذلون في سبيل ذلك من عواطفهم ومشاعرهم ما يفوقُ الوصفَ والحساب (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا). تلك يا أخي أمةٌ جديدة وأمة فريدة.
التقيت بإخوة أتعبوني كثيراً حتى أني لم أجدْ سوى الدموع تشفع لي عندهم، لفرط حبي لهم قلتُ لهم كلماتٍ لم تكن تخطر ببالي من قبل. ألهمتها أمام هذه المشاعر المتدفقة، لم أستطع التماسك، لقد كانت لحظات من النور نادرة المثال.. ليت تلك الصورة وهذه المشاهد يمكن تصويرها أو إيضاحها، من الصعب جدا أن يحدث ذلك، اللهم إلا إذا انقلبت الدنيا إلى الآخرة.

أخي: إنَّ الخير يأتي بالخير "ومثل كلمةٍ طيبةٍ كشجرة طيبة".
لقد تفتحت الأزاهير وأينعت الثمار وأصبح لنا لغة جديدة أمتع وأروع وأحلى وأعذب، لقد أدرك الإخوة هذه النعمة الخطيرة في التفاهم والتلاحك والحب فأنتجتْ يقظةً في القلب وحياةً في الوجدان والمشاعر.
لقد أدرك الإخوة قيمة إنسانيتهم وحقيقة وجودهم وسر خلق الله لهم، فارتفعت في ميزان تفكيرهم قيمة الحياة، وقيمة الوقت، وقيمة هذه الدعوة، فاكتشفوا أنفسهم وسط هذا الزحام وهذا الركام، فكانت الإنتفاضة الروحية "كنتم خير أمة أخرجت للناس" وهذا هو البعث الجديد لحياة إسلامية راقية على وعي وفهم وثقة بنصر الله تعالى.
كنتَ يا أخي بالنسبة لي مفاجأةً سارةً عبر وحشة هذه الجاهلية التي نعيش فيها، فالذين يملكون الأحاسيس العالية ندرةٌ نادرة في عالمنا، لأنهم دائماً يتأثرون بما حولهم من قبحٍ وجمالٍ وشر وخير، يتألمون للشر ويفرحون للخير، لا يعيشون لأنفسهم لأنهم أصحاب رسالة تشغلهم وتؤرق مضاجعهم، وتلك في الإنسانية أسمى ما تميز به الإنسان.. إن الحقيقة التي جمع الله تعالى بها قلوبنا فوق تصور الناس الذين يعيشون أحياء كأموات لهم قلوبٌُ لا يفقهون بها فحياة القلوب سعادة: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) فالقلب الحي هو ذلك المستودع الكبير لأسرار الله تعالى في هذا الكون وهو مهبط النور والهداية (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور).
وحين تستيقظ القلوب تتغير هذه الأوضاع جميعاً بفضل الله ونعمته، ولهذا كانت مهمتنا أن نقترب من تلك النفوس التائهة بكل ما نحمل لها من عواطف الحب والخير، نقترب منها بإشفاق وعطف لأنهم لا يعلمون ما نعلم ولم يتذوقوا ما نتذوق، ومن هنا قال رسولنا T "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون" كما قال إمامنا رضي الله عنه "كونوا كالشجرِ يرميه الناسُ بالحجر فيلقي إليهم بالثمر" نحن نسعى بكل ما نملك من صدق الحب للناس أن تتفتحَ قلوبهم وتستيقظ مشاعرهم وتفهم بعد ذلك عقولهم.
إنني شديد الإيمان والإعتقاد من واقع التجربة الطويلة أن العيب ليس في كل الناس، ولكن أكثر ما يكون من تقصير الداعية المسلم نحو إخوانه من المسلمين. أعتقد أن كل شاب مسلم في حاجة ملحة إلى قلب وحنان ورحمة ومرحمة. ذلك لأنه يفتقد ذلك من المجتمع الذي يعيش فيه، لهذا فهو يكره الناس لأنهم قد تخلوا عن قلبه، ويوم يأنسُ ويجد هذا النورَ سوف يكون أول من يسارع إلى القافلة.
يعلم الله تعالى أني ما دخل اليأس في نفسي تجاه أي إنسان، نعم قد يصعب انقياد بعض الناس للحق ولكن مع الصبر والحلم ودعاء القلوب سوف يكون له شأن.

أي أخي:

إنني لا أنظر إلى الوراء بل أعمل في كل لحظة عملاً جديداً للدعوة. أفكر أحترقُ من العذاب لما يعيش فيه المسلمون من غفلة. أحبُّ الإخوان وأعتبر حبهم هذا إكسير حياة وسعادة تعطيني الزاد والوقود، أقرأ أتدبر، أتعرفُ على أخ جديد، أكتب ما وسعني الجهد رسائل للإخوة، أرد على رسائلهم أخاطبهم بالهاتف، أربط هذا الأخ بمثيله من الشباب، أذكر هذا لهذا بالخير حتى يحبه، أسعدُ جداً حين أرى أخاً يحبّ أخاه والإثنين يحبون الثالثَ والثلاثة يحبون الرابع، أكرهُ أن يخاصمَ الأخ أخاه أو ينساه، أتمنى أن ينهض كل أخ بواجب الدعوة فيعيش في سعادة.

أي أخي:

دعني أقول لك إنه لا حياة لنا بِلا عقيدة، ولا عقيدة إلا الإسلام، ولا وجود لنا على وجه الأرض إلا بوجود كيان، ولا كيان لنا إلا بدولة الإسلام، ولا قيام للدولة الإسلامية إلا بقاعدة قوية صُلْبَةٍ تعرف غايتها في هذا الوجود وتحقق أهدافها بوعي وصدق وفهم وصبر. فإن الأمة التي تصمم على الحياة لا يمكن أن تموت، وما دمنا نسير على هدى الله وكتابه وسنة رسوله فلن نضل الطريق أبداً، فالإخلاص وجهتنا والصواب طريقنا "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين".

أخي في الله:

هناك في هذه الدنيا مصادر للسعادة الفانية الزائفة، ولكنها لا ولن تصلَ إلى أعماق قلوبنا ومنابعَ أحاسيسنا، حيث أن سعادتنا تحقيق آمال من فوقها آمال، آمال أمة مسحوقة وشعوب تُذاقُ مُرَّ العذاب، سعادتنا ترمي إلى غاية بعيدة لا تتحقق إلا بتلك القيم الرفيعة والهمم الكبيرة والنفوس العظيمة، سعادتنا بالحب الذي يجمع تلك القلوب على أسمى غاية وأنبل رسالة في هذا الوجود، فحبنا نابعٌ من روح العقيدة التي نسموا بها وترقى بأخلاقنا ومشاعرنا، لهذا كان الحب بيننا روحاًً لا تشوبه ماديةُ هذه الحياة.

أخي:

لن يُطفئ الشوقَ إلا لقاءٌ واحد "إخواناً على سرر متقابلين" هذا هو الأمل المأمول الذي ننشده بكل الأشواق، كم أتمنى أن يجمعنا الله مع كل من أحب من الإخوة في صفٍ واحد كالبنيان المرصوص، فنلقى الله تعالى شهداء، ننعم بهذا الحب الذي ضاقَ بنا التعبيرُ عن جوهره "إخواناً على سررٍ متقابلين" يا له من تعبير يشفي القلوب ويُحَلِّق في رحابِ الخلود.

شبكة الدعوة والتبليغ

http://www.binatiih.com

 
 
المشاركة السابقة : المشاركة التالية
الكاتب: حواش
 مراسلة موقع رسالة خاصة
[بتاريخ : الأحد 07-04-1429 هـ 04:40 مساء ]

تقبل الله منكم خالص العمال

لا يسمح لك بمشاهدة الصور


-------------------------------------
محمود محمد

الكاتب: مدمن احباب
 مراسلة موقع رسالة خاصة
جزاك الله خير [بتاريخ : الجمعة 20-12-1431 هـ 08:26 مساء ]

بارك الله فيك

لا يسمح لك بمشاهدة الصور


-------------------------------------
نحن نظن ان الله تابع للنظام دنيته
وقدرته مقيود فى نظام سنته



 
 

أعلى الصفحة

برنامج البوابة العربية 2.2