مازال العمل جاري في تطوير الموقع وفقنا الله وإياكم لكل خير وسدد خطنا وخطاكم على طريق الحق

 

شبكة الدعوة والتبيلغ » المواضيع » كـتـب ورســــــــــــــائل


ملفوظات الشيخ محمد إلياس

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة موجزة عن الشيخ محمد إلياس رحمه الله

هو الشيخ محمد إلياس بن محمد إسماعيل بن غلام حسين بن كريم بخش من أسرة معروفة في العلم والتقوى والورع في القارة الهندية من القدم من أسرة عربية الأصل ، تعود سلالتها إلى سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
وهذه الأسرة تسكن في مدينة جنجهانة ونصفهم في مدينة كاندهلة ، وكان الشيخ إسماعيل والد الشيخ محمد إلياس قد تزوج في مدينة جنجهانة التي يسكنها وتوفيت زوجته بعد أن ولد منها أبن أسمه محمد، وقدم الشيخ إسماعيل يوما إلى كاندهلة في مناسبة زواج في الأسرة وخطب الشيخ إسماعيل في تلك المناسبة حسب رغبة الأسرة لأنه كان معروفاً في العلم والفضل والتقوى وكان مستجاب الدعوات , فقالت جدة الشيخ إلياس (اعني والدة أمه )لزوجها (أي لوالد أمه ) أن لو زوجنا ابنتنا الكبرى من ابن أسرتنا هذا محمد إسماعيل العالم الخلق ، فزوجوه وزفوا ابنتهم في نفس السفرة ، فبعده اختار الشيخ إسماعيل الإقامة في كاندهلة بين أسرته هذه ، فولد له من هذه الزوجة ابن اسمه الشيخ محمد يحيى في محرم عام 1288هـ وهو والد الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي شيخ الحديث بجامعة مظاهر العلوم بسهارنفور وصاحب المؤلفات الكثيرة التي تزيد على أكثر من مائة مؤلف منها (أوجز المسالك في شرح موطأ الإمام مالك ) و( تبليغي نصاب )( أي فضائل الأعمال )باللغة الأردية المعروف في العالم كله .
ثم بعد خمسة عشر سنة من ميلاد شقيقه الشيخ محمد يحيى في عام 1303هـ ولد له الشيخ محمد إلياس رحمه الله مؤسس هذه الدعوة والتبليغ ، وكان لأحد الصلحاء المدعو / مرزا إلهي بخش قصر ( فلة ) في نظام الدين بنيو دلهي ، وبنى مسجداً بجوار الفلة فطلب من هذه الأسرة التي كانت معروفة في العلم والتقوى أنه يحتاج إلى مدرس صالح ليدرس أولاده الصغار في ذلك المسجد ( المعروف ببنغلة والي مسجد ) أي مسجد أبو الفلة بنظام الدين ، وكانت المنطقة حينئذ خالية من العمران ، فقرر الشيخ إسماعيل أن يقيم هناك فيعلم الطلبة الصبيان القرآن الكريم على روبيتين هنديتين شهرياً فلما رأى الشيخ إسماعيل أنه كيف يفعل في الصلوات لأنه لم يكن هناك أحد يصلي برفقته الصلوات في الجماعة وكان يذهب عند التقاطع الذي بجوار مقبرة همايون لأن أهل ميوات المسلمين كانوا ينزلون عند البوابة ثم يذهبون إلى سوق دلهي لكسب المعاش فمن كان يجده الشيخ إسماعيل هناك يأتي به إلى المسجد بعد أن يسأله أنك إذا ذهبت دلهي للعمل هناك كم سيكون مبلغ الأجر اليومي فيقول : آنتين ( أي قرشين هنديين ) فيقول له : اليوم أعطيك الأجرة فتعال معي فيأخذه إلى المسجد طول اليوم فيعلمه الإيمان وأحكام الشرع ويصلي معه الصلوات جماعة ، فهكذا كان يصرف جميع راتبه بل وأكثر منه على أهل ميوات ، وكان الشيخ إسماعيل يطلب مصاريفه من أسرته لأنه كان لهم دخل متوسط من مزارعهم فاستمر الشيخ بدعوته هكذا إلى العمال الميواتيين ، فلما زاد عدد الميواتيين صلحت أحوالهم الدينية صاروا لم يقبلوا أي مبلغ لتعليم الدين فصار الذين يعودون إلى ميوات يرسلون أناساً ليتعلموا أمور دينهم من الشيخ ، وطلب الشيخ ابنه الأكبر محمد عنده ودرسه العلوم الدينية ثم ابنه الثاني محمد يحيى ودرسه العلوم الدينية وهو مقيم في نفس هذا المسجد بنظام الدين . ولتكميل دورة الحديث ( أعني الصحاح الستة والموطئين والطحاوي ) ليتخرج عالماً ، أرسله والده إلى مدينة كنكوه عند العالم الجليل العالم الرباني المربي المصلح الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي ورافقه أهله وشقيقه محمد إلياس وقد توفي والده الشيخ محمد إسماعيل وتولى مكانه

ابنه الأكبر الشيخ محمد وأستمر الميواتيون حتى استأنسوا ذلك المسجد ثم بعدها شب الشيخ محمد إلياس وبعد وفاة الشيخ الكنكوهي عين الشيخ محمد يحيي مدرساً في جامعة مظاهر العلوم بأمر الشيخ خليل أحمد السهارنفوري (وهو العالم الجليل المربي الذي كان من أجل خلفاء الشيخ رشيد احمد الكنكوهي ) وأسكن معه أهله وأبنه الشيخ محمد زكريا وشقيقه الشيخ محمد الياس أسس بسهارنفور مكتبة باسم (يحيوي كتب خانه )وأدام الإقامة بسهارنفور .فلذا الشيخ محمد يحيى بعد وفاة شيخه الكنكوهي بايع الشيخ خليل أحمد السهارنفوري الذي شرح السنن لأبي داود باسم (بذل المجهود في حل أبي داود ) وكذلك الشيخ إلياس بايع الشيخ خليل أحمد والشيخ محمد زكريا أيضاً بايعه ،وقد نال هؤلاء الثلاثة الإجازة منه وأصبحوا من أجل خلفائه ، وتعلم الشيخ محمد إلياس بجامعة مظاهر العلوم حتى تخرج عالماً ، ورافق شيخه في سفرة الى الحجاز للحج للمرة الثانية ورأى في المنام أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له :سنأخذ منك عملاً دينياً في الهند ، ثم بأمر شيخه الشيخ خليل أحمد عاد الى الهند ومكث الشيخ خليل أحمد بالمدنية حتى وافاه الأجل ودفن بالبقيع الغرقد ،وعاد الشيخ محمد إلياس خائفاً مهموماً من الرؤيا فما يدري ما المراد بالعمل الذي سيؤخذ منه ،فتوفى أخوه الأكبر الشيخ محمد بنظام الدين فتولى الشيخ محمد إلياس مكانه بذلك المسجد وقد كان أهل ميوات مستأنسون بوالده وأخيه فأصروا أن يبقى إلياس في ذلك المسجد ، فاخذ الشيخ مركزاً له وبدأ دعوته بمنطقة ميوات مع أنها هي من أحط المناطق الهندية خُلقاً وأبعدها من الدين وأعظمها جهالة وضلالة ودعا الناس فيها إلى الانقطاع عن أشغالهم والخروج من أوطانهم لمدة محدودة وقد تكون أربعين يوماً أو أكثر ، وعرف أنهم لا يتعلمون الدين ولا يتغيرون في الأخلاق إلا إذا أخرجوا من هذا المحيط الفاسد الذي يعيشون فيه ، وقد قبل دعوته مئات وألوف هذه المنطقة وخرجوا شهوراً وقطعوا مسافات بعيدة ما بين شرق الهند وغربها وشمالها وجنوبها ركباناً ومشاة فتغيرت أخلاقهم وتحسنت أحوالهم واشتعلت عواطفهم الدينية ثم أمر أمرُ الدعوة خلال مدة زهاء خمسة عشر سنة حتى توفى الشيخ رحمه الله رحمة واسعة ثم كان ابنه الوحيد الشيخ محمد يوسف وزميله الشيخ محمد إنعام قد أخذا الحديث من الشيخ محمد زكريا في جامعة مظاهر العلوم بسهارنفور وزوجهما الشيخ محمد زكريا ابنتيه في يوم واحد وكانا عالمين راغبين في العلم ، وألف الشيخ محمد يوسف كتابه الجليل (( حياة الصحابة )) وهو معروف بين الناس ، وكذلك ألف شرح شرح معاني الآثار للطحاوي المسمى بـ (( أماني الأحبار )) فأمرهما الشيخ محمد زكريا أن يبايعا الشيخ محمد إلياس فبايعاه ثم نالا الخلافة منه ، فبعد وفات والد الشيخ محمد يوسف جُعل أميراً على هذه الجماعة ، وبعد جهد عشرين سنة بلغ أمر الدعوة إلى مشارق الأرض ومغاربها ولم يكن في العالم بلد إلا ورجال الدعوة والتبليغ وصلوه ، ثم بعد وفاة الشيخ محمد يوسف وُلِّي الأمر إلى صاحبه ورفيق حياته الشيخ إنعام الحسن بن الشيخ إكرام الحسن بن الشيخ رضى الحسن وهذا أي جد الشيخ أنعام الحسن قد تزوج من شقيقه الشيخ محمد إلياس وولد منها الشيخ إكرام الحسن .
وهو من نفس هذه العائلة العربية الأصل الصديقة فقام الشيخ إنعام الحسن بأداء واجبه في خدمة الدعوة والتبليغ ثلاثين سنة كواملة حتى لم تخلو مدينة ولا قرية في العالم إلا وأهل الدعوة والتبليغ وصلوها فيدعون الناس إلى نور الإسلام ويبلغون أوامر الله ويخرجونهم من الظلمات إلى النور - بتوفيق منه سبحانه - ليسلكوا طريقاً سهلاً إلى الجنة .
وصلى الله على سيدنا ومحمد وآله وصحبه وسلم .




بسم الله الرحمن الرحيم




( 1 ) قال الشيخ رحمه الله : كانت أحوال أمم الأنبياء عامة بأنه كلما بعد عنها زمن النبوة فتصبح أمورها الدينية خالية من الروح والحقيقة بحيث تصبح كعادات تقليدية محضة ، فكانت تأديتها كعادة تقليدية .
فالإصلاح هذه الضلالة كانت تبعث الأنبياء الذين كانوا يبطلون هذه العادات التقليدية ويرشدون الأمة إلى الحقيقة الواقعية وروح الشريعة الحقيقة .
فأخيراً لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت حالة الأقوام التي كانت لها علاقة بالأديان السماوية في زمانه صلى الله عليه وسلم نفس تلك الحالة المذكورة بأن الأمور الدينية التي بقيت لديها مما أتو به أنبياؤهم كأنها عادات تقليدية خالية من الروح ، فكانت تظن أنها هي الشريعة وأصل الدين .
فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المألوفات التقليدية فقام بتعليم أصل حقائق الدين وأحكامه ، وأن الأمة المحمدية أيضاً ابتليت في هذا المرض حتى في عباداتها أصبحت تقليدية إلى حد أن تعليم الدين أيضاً الذي كان من المفروض أن يكون سبباً لإصلاح جميع مثل هذه المفاسد فأصبح في بعض المدن عادة تقليدية ، ولكن لأن سلسلة النبوة قد انتهت الآن فمسئولية مثل هذه الأمور حملت على علماء الأمة الذين هم نائبوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنما الواجب عليهم أن يركزوا إلى إصلاح ذلك الضلال وفساد الحال .
وطريقته هو تصحيح النية : لأن الأعمال لا تصير عادات وتقاليد إلا عند عدم الِّلاهيّة والإخلاص وفقدان شأن العبودية ، فبتصحيح النية يعود تجاه الأعمال إلى الله البتة ، فتتولد فيها الحقيقة بدل العادات الروتينية ، فيكون صدور جميع الأعمال بالحماسة على العبودية وعبادة المعبود (1)
فالمقصود أن أهم واجب علماء هذه الأمة الحاملين للدين في هذا الزمن أن يبذلوا جهدهم في تركيز اتجاه الناس إلى تصحيح نياتهم
ويحاولوا أن يتولد فيهم الإخلاص والِّلاّهيّة والحقيقة في الأعمال .
(2) قال الشيخ رحمه الله : قد أذيع في القرآن والحديث باهتمام خاص أن الدين يُسرٌ ( أعني يسيرٌ وسهلٌ ) فيقتضى هذا أن كلما كان الأمر أهماً من الآخر كان أيسراً حسب أهميته .
فلأن تصحيح النية والإخلاص لله من أهم الواجبات في الدين ، بل من روح جميع أمور الدين فلذا هذا سهل جداً ولأن هذا الإخلاص لله هو حاصل ومقصود السلوك والطريق كله ، فعلم من هذا بأن السلوك أيضاً أمر سهل ، ولكن ليعلم أن جميع الأمور بأصولها وبطرقها الوضعية تكون سهلة ، فمهما كانت الأمور يسيرة فإذا صيرت بغير طريقتها فحينئذ تتعسر .
فمن خطأ الناس الآن أنهم يرون التقليد على الأصول هو الصعب فيتهربون منه مع أن مهما كان الأمر يسيراً لم يبلغ مرامه إلا بالتمشي على تقليدات أصوله ، فالطائرة والباخرة والقطار والسيارة لا تسير إلا بالأصول حتى الطبيخ والخبز لم يجهز إلا بالأصول .
أقــول : إذا تقيدنا بالأصول بتصحيح النية والإخلاص وترسيخ الإيمان في القلب لنكون مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم (( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به (1) فيتحقق لنا أن الدين يسرٌ .

(3) قال الشيخ رحمه الله : إن الطريقة غايتها خاصة ( وهي ) أن تصبح أحكام الله تعالى وأوامره هواه ورغبته الطبيعية وتصبح النواهي كريهة له في نفسه ( يعني يحس باللذة والفرحة عند امتثال الأوامر الإلهية ويتأذى ويكره من أن يقرب النواهي ) فهذه غاية الطريقة .
أما الأعمال ( الأخرى أعني الأذكار والأشغال والأعمال بطرق خاصة ) فهي وسيلة لتلك الغاية .
ولكن الآن كثير من الناس يظنون أن هذه الوسائل هي أصل الطريق مع أن البعض منها بدعة .
فعلى كل حال لأن هذه الأشياء وسائل محضة وليست مقصودة بذاتها ، فلذا يمكن ينظر إليها فيلزم أن تتغير وتتبدل حسب المصلحة ، وأما الأعمال المنصوص عليها في الشرع فيجب العمل عليها في جميع الأزمنة سواء .
(4) قال الشيخ رحمه الله : إن منزلة الفرائض أعلى بكثير من درجة النوافل بل نعتقد أن المقصود من النوافل هو تكملة الفرائض أو تلافي النقائض التي تحصل في تأدية الفرائض فالمقصود أن الفرائض أصلٌ توابعها وفروعها (1)
ولكن أحوال بعض الناس أنهم لا يهتمون في الفرائض وينشغلون باهتمام كبير في النوافل .
فكما أنكم تعلمون أن الدعوة إلى الخير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقصودي أن جميع شعب التبليغ من أهم الفرائض ، ولكن كم عدد الذين يؤدون هذه الفريضة ....... ؟ ، وأما المشتغلين والمنهمكين في ( الأعمال أو العبادات ) والأذكار النفلية ليسوا بقليل.
(5) قال الشيخ رحمه الله : إن بعض أهل الدين وأصحاب العلم قد وقعوا في خطأ كبير في باب الاستغناء بأنهم يظنون أن مقتضى الاستغناء أن لا يتلاقى مع الأغنياء وأهل الثروة مطلقاً وأن يتحاشا من اختلاطهم كلياً .
مع أن المقصود من الاستغناء هو أن لا نذهب إليهم لحاجة المال فقط وأن لا نخالطهم لطلب الجاه والمال ، أما لقصد إصلاحهم وللمقاصد الدينية لم تكن تلاقيهم ومخالطتهم منافية للاستغناء قطعياً ، بل هذا من الأمور الضرورية من حيث مرتبتها ، نعم لنكن مستيقظين من أن لا يتولد في أنفسنا حب المال وحب الجاه .
(6) قال الشيخ رحمه الله : عندما يحاول أحد أن يتقدم في أمر الخير ، فالشيطان يزاحمه بطرق مختلفة ويجعل له معوقات في طريقه ، فعندما يفشل الشيطان في تلك المعوقات ويتجاوزها ذلك العبد كلها ويشرع في الأمر فحينئذ تكون محاولة الشيطان الثانية إما أن يفسد نيته وإخلاصه أو يحاول أن يكون هو شريكاً له فيها بطرق أخرى بأن يحببه الرياء والسمعة . أو بمكره يحاول أن يحبط للاِّهيّته فأحياناً يفوز في محاولته .
فلذا يجب على الذين يعملون في مجال أمور الدين أن يكونوا مستيقظين من هذا الخطر في كل حين وأن يحفظوا قلوبهم من مثل هذه الوساوس الشيطانية في كل وقت ، وأن يراقبوا نياتهم بصفة دائمة لأنه لو اشتمل في أي عمل من الأعمال غرض غير رضا الله سبحانه وتعالى - في أي وقت من الأوقات ( فحبط ذلك العمل) فيكون غير مقبول عند الله تعالى -
(7) قال الشيخ رحمه الله : إن في كثير من المدارس الدينية توجد غفلة كبيرة ونقص ، بأنهم يُدرِّسُون الطلبة ولكن بدون أن يجتهدوا في أن ينشغلوا في أصل مقصود التعليم وهو خدمة الدين والدعوة إلى الله بعد التخرج .
فنتيجة هذه الغفلة أن كثيراً من المتخرجين مطمح نظرهم الحصول على المعاش فقط فإما يلتحقون في الطب أو يتقدمون بالجامعات الحكومية للامتحانات ، فيختارون التدريس في المدارس الانجليزية العامة فما صرف في تعليمهم من وقت ومصاريف وجهد فمن حيث النتيجة يصبح هباء منثوراً بل أحياناً يكون في مصالح أعداء الدين .
فلذا ليكن اهتمامنا الأكبر بأن الطلبة يتخرجون بعد التعليم بأن لا ينشغلوا إلا في خدمة الدين ، وأن يؤدوا حقوق الدين لأنه لو لم يحصد من مزرعتنا شيء فهي خسارة وأما إذا حصد واستفاد منه أعدائنا فالخسارة أعظم .
(8) قال الشيخ رحمه الله : إن الامتحانات (( مولوي فاضل )) (1)
التي تقوم بها الجامعات الحكومية فإن ضررها وقباحتها نحن لا ندركها جيداً ولا نحس بها ، فإنها عامة تؤدى هذه الامتحانات ليتمكن بها من الحصول إلى الوظيفة في المدارس الإنجليزية العامة ، فمعنى هذا أن نظام التعليم الذي عممته الحكومة ( الهندية ) الكافرة لمصالحها ، ومقاصدها وراء هذا من إقامة امتحانات ( مولوي فاضل وغيره ) لإكمال مقاصدها أن يكونوا هؤلاء الممتحنون معاونوها في نظامها الكفري بل ليصبح لها فيه استحقاقاً لتستعمله كجهاز لها بالأجرة .
فليعمق النظر : أي ظلم أكبر من هذا على علم الدين ؟ وأي استعمال أكبر غلطاً من أن يكونوا خدماً لنظام تعليم أعداء الدين فإنه يُفهَمُ من هذا أنهم يحاولون بهذه الامتحانات أن يغيروا نسبة علم الدين بعدما كان العلم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم فتصير نسبته إلى الكفار والحكومة الكافرة فلذا هذا الأمر خطيرٌ جداً .
(9) قال الشيخ رحمه الله : إن أول وأهم مقتضى العلم أن يحاسب المرء حياة نفسه ، بأن يعلم ما عليه من الفرائض وأن يفهم تقصيراته في الدين فيجتهد في أدائها ( كما هو حقها ) ، وأما من استغنى عن هذا فبدأ يراقب ويحاسب غيره بسبب علمه ويحصي أخطاء غيره وينسى نفسه فحينئذ يكون هذا كبرٌ وغرورٌ علمي الذي هو هلاك كبير لأهل العلم .
(10) قال الشيخ رحمه الله : بينما هو في مناقشة موضوع أن المسلمين لماذا لم يتمكنوا على الحكم والدولة ، قال : ما دمتم غير منفذين أحكام الله ونواهيه على أنفسكم وعلى حياتكم المنزلية الذي هو اختيار أنفسكم ولا يوجد معوق فيه فكيف يولى إليكم نظام وتنسيق الدنيا - لأن غاية الله من تولية حكم الأرض هو أن تنفذوا مرضاة الله وأحكامه في الأرض (1) ، فلما تكونوا منفذين هذا فيما هو في ملككم اليوم فبتمكين الدولة في أيديكم غداً فماذا يكون الأمل فيكم ؟

(11) قال الشيخ رحمه الله : إن الناس الذين يظن فيهم أنهم موفون وحامون للدولة ، ففي الواقع أنهم ليسوا وافون ولا حامون لأحد بل هم في الأصل وافون لأغراضهم الذاتية .
نعم لأن اليوم أغراضهم الدنيوية تستوفي من الدولة الحالية فلذا هم وافون ويحامون لهذه الدولة ولكن إذا بدأت أغراضهم غداً تستوفى من أعداء الدولة فحينئذ هم هؤلاء الذين يصبحون حامين ووافين لأولئك الأعداء مثل ما هم مع هؤلاء الآن . فالحقيقة أن مثل هؤلاء هم عُبّاد المصلحة ولم يكونوا أوفياء حتى لآبائهم .
فطريقة إصلاح مثل هؤلاء الناس ليست بمخالفتهم ولا بتحريضهم على مخالفة الدولة ، بل إن أصل الداء الذي فيهم هو عبادة المصلحة فما دامت هذه الخصلة موجودة فيهم وإن خالفوا الدولة فهي لمصلحتهم المادية ، فهم لأغراضهم المادية يصبحون أوفياء لقوة أخرى ، فلذا العمل في مثل هؤلاء هو أن تولد فيهم عبادة الله بدل عبادة المصلحة ويجتهد فيهم بأن يصبحوا أوفياء الله الصادقين لدينه ، فلا علاج لمرضهم غير هذا .
(12) قال الشيخ رحمه الله : هذه قاعدة كلية بأن الشخص لا يتحصل على الراحة النفسية إلا بعد الحصول على رغبته وما يشتهيه ، فمثلاً أن شخصاً ثرياً إنما رغبته في الأطعمة اللذيذة والثياب الثمينة فهذا الشخص لا يرتاح نفسياً إلا بالحصول على تلك الرغبات .
وأما من كانت رغبته في الجلوس على الخسف ، والنوم على الحصير واللبس العادي والأكل العادي فهذا الشخص يتحصل على الراحة والطمأنينة بهذه الأشياء .
فأما الذين قد رغبوا في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحياة العادية فإنما لذتهم وراحتهم في تلك الحياة وعلى هؤلاء فضل من الله كبير بأن جعلت راحتهم في تلك الأشياء التي هي بخسة الثمن وفي متناول كل مسكين وفقير .
فنفرض لو جعلت رغبتنا في الأشياء الثمينة التي لم تتيسر إلا للأغنياء فليس ببعيد أن نمكث طول حياتنا غير مرتاحين .
(13) قال الشيخ رحمه الله : إننا أمرنا بأن أموالكم التي أعطيتم في هذه الحياة الدنيا بأن لا تمسك أي لا تبخلوا فيها بل كانوا منفقين منها ولكن مع الالتزام بشروطه من غير إسراف ولا تبذير - أعني أن ينفق في مصرف ومحل صحيح وأن يكون بالطريقة التي أمرنا الله بها وفي حدود ما قرره لنا ، ( أقــول ) : قال تعالى : ) وأنفقوا مما رزقناكم ( الآية . وقال : ) كلوا واشربوا ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين ( وقال تعالى : ) إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ( .
(14) ففي يوم من الأيام لم يتمكن أن يصل اللحم إليه في ذلك اليوم بسبب المطر أو بسبب آخر . وكان من ضمن الضيوف شيخ من محترمي ومن خواص أقرباء الشيخ محمد إلياس أيضاً وكان في علم الشيخ أنه يرغب اللحم ، فرأيت أثراً كبيراً على الشيخ لعدم وجود اللحم في السُفرة فتعجبت في نفسي قليلاً بأن هذا ليس مما يؤخذ بالخاطر .
فبعد قليل ( قال الشيخ رحمه الله ) متأسفاً علي ذلك : قد ورد في الحديث (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه )) ومن إكرام الضيف أن يهيئ له ما يشتهيه إذا أمكن ، ثم بعد ذلك قال بلهجة مؤلمة : فكيف بأضياف الله وأضياف رسوله صلى الله عليه وسلم .
(15) قال الشيخ رحمه الله : إن الجنة جزاء الحقوق أعني حقوقنا وراحتنا نمحيها ونتركها في رضا الله ، وأن نتحمل المشقة ونؤدي حقوق غيرنا من ضمنها حقوق الله ، فهذا جزائه الجنة (1)
وفي ذلك ورد الحديث : (( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء )) .

وقد ذكر في الحديث قصتان لإمرأتان وهما معروفتان عند عامة الناس: أحدهما : أن امرأة من البغايا تفقدت أحوال الكلب وكان يلهث التراب ، فرأته ورحمته وسقته في خفها الماء فأدخلها الله الجنة بفعلها هذا (1) .
والأخرى التي لم تكن من البغايا حبست القطة فماتت بالجوع ، فأدخلها الله النار بعدم إطعامه شيئاً ما تسد به الجوع (2) .
( أقول ) : فالمرأة الأولى أدت حق الكلب بل آثرت وكلفت نفسها في خلع خفها حتى سقت الكلب الماء بتحملها المشقة دخلت الجنة ، والمرأة الأخرى ما أدت حق القط (3) بل اعتدت عليها في عدم إطعامها حتى بلغت ما بلغت ، أعاذنا الله من ذلك.
(16) قال الشيخ رحمه الله : إن العمل الذي كان يعمله الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة المعظمة ( قبل الهجرة ) أي كان يتجول على الناس ويدعوهم إلى الحق وكان يذهب إليهم لهذا الغرض لم يكن هذا عمله بعد ما وصل إلى المدينة المنورة بل جعل له بها مقراً فاستقر فيه ، ولكن فعل هذا بعدما هيأ جماعة خاصة التي تحملت مسؤولية الدعوة المكية التي تؤدي مسئوليتها بأحسن وجه ثم اقتضى هذا العمل بأن يكون له مركزاً ليسرى منه هذا العمل منظماً ويقود العمل رفقاءه ، وعلى هذه الأسوة إنما إقامة سيدنا عمر رضي الله عنه في المدينة المنورة هي الأصح لوجود آلاف من عباد الله الذين يجاهدون لإعلاء كلمة الله في بلاد إيران والروم .
وكان من مقتضى الضرورة بأن يستقر سيدنا عمر رضي الله عنه بالمركز ليدبر أمور نظام دعوة الحق والجهاد في سبيل الله باستحكام .
(17) قال الشيخ رحمه الله : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علّم سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه بأن يدعو الله في آخر صلاته بهذه الكلمات : اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم . لاحظوا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لقن هذا الدعاء من هو أكمل وأفضل هذه الأمة وبالذات أن صلاته رضي الله عنه لدى الرسول صلى الله عليه وسلم كانت كاملة بحيث أنه صلى الله عليه وسلم قد أمره بأن يؤم الناس مع هذا كله علمه بأن يعترف في آخر صلاته هكذا ، بأنك لم تؤد حق عبادتك أمام الله جل وعلا ، وهكذا اطلب المغفرة والرحمة بفضله وكرمه ثم قال الشيخ رحمه الله : فأين أنا وأين أنت ؟
(18) قال الشيخ رحمه الله : إن إقامة الإنسان على الأرض قليلة جداً ( يعني أكثر مدة الإقامة مدى الحياة الطبيعية ) أما تحت الأرض فإقامته هناك أكثر بكثير أو أفهم هكذا إن الإقامة في الدنيا فإنما هي مختصرة فلبثنا ( إقامتنا ) في المناطق التي بعدها مثلاً من الموت إلى النفخة الأولى في القبر ، وبعده إلى النفخة الثانية في الحالة التي لا يعلمها إلا الله ، وهذه المدة أيضاً تكون آلاف السنين وهكذا آلاف السنين في المحشر وبعده الآخرة في المقام الذي يحكم له ( أي الجنة والنار ) .
المقصود بأن المكث في كل منزل ومقام بعد المرور من الدنيا أكثر من زمن الدنيا بآلاف الأضعاف ، ثم كيف بغفل الإنسان بأن العمل الذي يعمله لأجل القيام لعدة أيام فإنه لا يعمل ما يعادل قدر ذلك أيضاً لأجل المقامات الأخرى .
أقول : إن الإنسان يجتهد للدنيا معظم أوقاته مع أن الدنيا أقل زمناً من زمن القبر ثم زمن النفخة ثم يوم القيامة الذي مقداره خمسين ألف سنة مما نعد ، ثم بعد ذلك الحياة الأبدية التي هي الجنة والنار ، أما الدنيا فهي أقل بقليل واهتمامنا لها أكثر بكثير بالنسبة للأزمنة الأخرى ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت )) اللهم اجعلنا منهم آمين.
(19) قال الشيخ رحمه الله : الذكر الحقيقي هو أن يكون الشخص مراقب لأحكام الله وأوامره أينما كان وفي أي حال كان وفي أي عمل كان فيمتثل بها وعلى هذا الذكر أؤكِّد أصحابي أكثر .
(20) قال الشيخ رحمه الله : إن التميُّز والتّفوُّق الحاصل للإنسان على ما سواه فيه خلٌ خاص للِّسان . فلإنسان إذا لم يتكلم إلا الطيب ولا يستعمله إلا للخير فيحصل له هذا التميُّزَ والتَّفوُّقَ في الخير .
وإذا جعل اللسان آلة للشر فمثلاً لا يتكلم إلا شراً ويؤذي به الناس بغير حق فحينئذ بسبب هذا اللسان يمتاز ويتفوق في الشر إِلى حد أن أحياناً يجعله أخس من الكلب والخنزير .
وقد ورد في الحديث (( هل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ))(1). أقول : ( اللهم أجرنا من النار آمين).




(21) في يوم من الأيام بعد صلاة الفجر وهو يرغِّب الناس في خدمة الدين ونصرته ، هكذا بدأ في بيانه فقال رحمه الله : انظروا الكل يعلم ويؤمن بأن الله تعالى ليس بغائب بل هو شاهد وأنه شاهد في كل حين وكل لحظة ، مع كونه حاضرا وناظراً عدم انشغال عبادة فيه واستمرار انشغالهم في غيره أغني الأعراض عنه ولانشغال والانهماك في ما سواه ، فتدبروا أليس هذا سوء حظ وحرمان كبير ، وقدروا أن الشيء كم يكن يغيض الله تبارك وتعالى ؟
فالغفلة عن العمل في دين الله ولانشغال في الدنيا بدون مراعاة أوامره وأحكامه فهو إعراض عنه وهو انشغال وأتهماك في ما سواه ، وعكس هذا الانشغال في الله هو أن يشغل نفسه في نصرة دينه وإفشال أحكامه ولكن مع مراعاة أن الشيء إذا كان أهم وأكد فيتوجه إليه حسب أهميته ووجوبه فيعلم هذه من أسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسنة ، فمن المعلوم أن أكثر ما اجتهد فبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر ما نحمل الإيذاء فيه إعلاء كلمة لا اله إلا الله . أعني إعداد الناس لعبودية الله وهدايتهم الى طريقة ، فهذا العمل يكون هو الأكثر أهميه ، ويكون الانشغال في هذا انشغالا في الله تعالى في المرتبة العليا .
(22) وقال مرة في صحبه : إن الناس جعلوا درجة عبدية الله أدنى من درجة خدمتهم للإنسان ووظيفتهم له فإن حالة الخدم والموظفين عامة أنهم يتحصلون على المناصب العالية بالخدمة المتوالية لأولات أوامرهم ، وما (1) يحصل لهم خلال هذا السعي فأنه يصرفونه في الأكل والشرب .
وأما ما بقي من معاملة العباد مع الله هو انهم مُشْغلوا أنفسهم بصفة متتالية في أعمالهم وتلبية ما يرغبونه وما يتلذذون به . وأحياناً يخرجون من مشاغلهم الذاتية ومن رغباتهم بعض الوقت فيعملون لله عملاً ، فمثلاً : يؤدون الصلاة ويتبرعون لأمور الخير ، فيحسبون أنهم قد أدوا ما عليهم ما كان مطلوب منهم في الدين مع أن العبودية هو أن يكون عمل الدين هو العمل لهما يكون ضمنياً وتبعا وليس معنى هذا أن الناس جميعا يتركون معاشهم وتجارتهم لا بد المقصود هو أن كل هذا يكون تعبداً لله ولخدمة دينه ونصرته ويكون هذا في البال بحيث يكون تعبدا لله ولخدمة دينه ونصرته ويكون هذا في البال بحيث يكون الأكل والشرب وغير ذلك ضمناً كتصرف العبد المملوك في مال مالكه.
وفي يوم من الأيام صلى بنا رجل صلاة فدعا بعدها بكلمات وقد كان الشيخ إلياس أكثر ما كان يدعوا بتلك الكلمات وهي : " اللهم أنصر من دين محمد صلى الله عليه وسلم وبعدها قال الداعي :واخذل من خذل دين محمد صلى الله عليه وسلم ،اللهم لا تجعلنا منهم ، ثم خاطب الحاضرين فقال : يا إخواني انظروا في هذا الدعاء فافهموا كم وزنه . هذا دعا لنا ودعا علينا وقد دعا بهذا الدعاء نخبة من عباد الله في كل زمان ، وهذا الدعاء له وزن كبير ، وفيه طلب الرحمة والنصرة في الحق من نصر الدين واجتهد في سبيله . وأما في حق من لم ينصر الدين فهو دعاء عليه شديد بأن الله يحرمه من رحمته ونصرته .
فعلى الجميع أن يطبق هذا الدعاء على نفسه وينظر فيه هل يصدق له هذا الدعا أم عليه ؟ ويكون هذا في البال أن الصلوات التي نصليها ، والصيام التي نصومها ، فإنما هي عبادات في المرتبات العليا ولكنها ليست بنصرة الدين ، إنما النصرة ما قال عنه القرآن الكريم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها " النصرة" وأصلها وطريقتها هي كما عممها الرسول صلى الله عليه وسلم سابقاً فتجديد نفس الطريقة وتعميمها في هذا الوقت والسعي في إجرائها هي النصرة الكبرى ، نسأل الله أن يوفقنا لهذا جميعاً آمين .


على أهل الدعوة العاملين بهذا العمل أن يركزوا على قراءة هذه الملفوظات جيداً أنها تخصهم وأن يفهموها جيداً
(24) قال الشيخ رحمه الله : أصل المقصود من حركتنا هذه هو أن نُعلِّم المسلمين جميع ما جاء به النبي e . يعني أن نجعل الأمة تخضع على كامل الإسلام علمياً وعملياً , وهذا هو مقصودنا الحقيقي , وأما الخروج في سبيل الله وتنقل الجماعات وجولات التبليغ فهذا كله كسبب مبدئ لذلك المقصود , وأما تلقيننا وتعليمنا للشهادتين والصلاة والتعليم فمثاله كتعلّم الألف والباء والتاء بالنسبة لمنهجنا الكامل , وهذا أيضاً ظاهر بأن جماعتنا لا تستطيع أن تعمل عملها الكامل فإنما الذي في استطاعتها هو أن تصل في كل مكان فبجهدها واجتهادها تولد الحركة والايقاض في الناس فتلفت الغافلين على تعرفهم لأهل الدين المقيمين في ذلك المكان ويحاول أن يقوم علماء وصلحاء ذلك المكان المهتمون في أمور الدين في إصلاح العامة المساكين , وأصل العمل في كل مكان لا يستطيع أحد أن يقوم بعمله إلا المقيمين , والأكثر فائدة للعامة بالاستفادة من أهل الدين المقيمين في نفس المكان إنما تتعلم هذه الطريقة من رجالنا العاملين في طريق الإفادة والاستفادة و التعليم والتعلم منذ فترة و قد تمكنوا منه على قدر كاف .
(25) قال الشيخ رحمه الله في صحبة : لا بد لأحبابنا أن يفهموا بإدراك جيداً أنهم إذا لم تقبل منهم الدعوة والتبليغ بل سُبُّوا فلا ييأسوا ولا يملّوا من هذا , بل عليهم في هذه الحالة أن يتذكروا أحوال الأنبياء عليهم السلام في الدعوة إلى الله وخاصة حال سيد الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأنها سنته ووراثته , ولا تحصل هذه المذلة في سبيل الله إلا لذو حظ , وأما إذا استُقْبِلوا بإِعزاز وإكرام وقُدِّر عمل الدَّعوة والتبليغ وسُمع كلامهم بشوق فليعلموا إنما هي منّة من الله علينا فلا يَكْفُرُنّ هذه النعمة . وإن خدمة وتعليم أولئك الراغبين يعتبروه شكرهم لله على إحسانه هذا ، وإن كانوا أولئك من الطبقة السفلى فإن آيات ) عبس وتولى أن جاءه الأعمى ( تعلمنا هذا الدرس .
فإنما علينا في هذه الحالة أن نخشى من مكر النفس فلا ندعها تظن أن هذا القبول وهذا الطلب من كمالنا نحن ، فيخشى في هذه الحالة فتنة عجب النفس أيضاً فيجب الحذر من هذا خاصة .
(26) قال الشيخ رحمه الله في صحبه : أفهموا الأحباب العاملين : أن الإبتلاءات والمصائب في هذا الطريق فلا تطلبوها قط ( بل عليكم أن تسألوا العافية والمعافاة دائماً ) (1)
ولكن الله سبحانه إذا ابتلاهم في هذا السبيل بالمصائب فحينئذ يعتبرونها رحمة الله وسبباً لتكفير السيئات ولرفع الدرجات ، فمثل هذه المصائب في سبيل الله أغذية خاصة للأنبياء والصديقين والمقربين.
(27) وقال في صحبه : فليكن بالنا باطنياً إلى الله تعالى عند التبليغ والدعوة فلا يكن إلى المخاطب ، وليكن في البال في ذلك الوقت أننا لم نخرج لعملنا الخاص بل خرجنا بأمر من الله وفي مهمة الله ، وتوفيق المخاطب كذلك في قدرة الله سبحانه ، فحينما يكون هذا في البال فلا يغضبه إساءة المخاطب له ولا يهزل عزمه .
(28) وقال رحمه الله : ما هذا العرف الخاطئ ، أنه إذا سمع الناس كلامنا فأجابوا ، فظننا أنه من فلاحنا ومكسبنا ، وإن لم يجيبونا فنظن هذا من خيبتنا ، مع أن هذا الظن في هذا الطريق خطأ البتة ، لأن إجابة المخاطب أو عدم إجابته فهذا كله فعل الغير ، فكيف نحكم على أنفسنا بالفوز أو عدمه بفعل غيرنا ، فإنما حصول فوزنا في إتمام عملنا ، فأما إذا لم يجب الآخر فهذا عدم فلاحه هو ، فكيف نكون من غير الفالحين بعدم فلاح المخاطبين ، قد نسى الناس فظنوا أن إجابة المخاطبين لهم الذي هو فعل الله عز وجل حقيقة هو عملهم في مسئوليتهم ، والحقيقة أن مسئوليتنا هي أن نبذل جهدنا بالطريق الحسن فقط ، فالانخضاع ( والهداية ) حتى الأنبياء لم يملكوها (1) .
إنما نعتبر من عدم الإجابة بأنه من الممكن بأننا قصرنا في جهدنا ولم نؤدي حقه فأرانا الله بسببه هذه النتيجة ، فبعد ذلك علينا أن نعزم في المزيد من الجهد والدعاء وطلب المزيد من التوفيق كماً وكيفاً .
(29) قال رحمه الله تعالى : إن أحبابنا أينما ذهبوا فعليهم أن يحاولوا الحضور في خدمة العلماء الصلحاء الحقانيين بذلك المكان ، ولكن هذا الحضور لا يقصد به إلا الاستفادة منهم فلا تدعوهم مباشرة لهذا العمل ، لأن مشاغلهم التي هم مشغولون فيها يفهمونها جيداً متأكدون بتجربتهم من منافعها ، وأنتم لا تستطيعون إقناعهم بكلامكم أن هذا العمل أكثر فائدة للدين وأكثر فائدة لهم من مشاغلهم الدينية فتكون النتيجة أنهم لا يجيبونكم ، فحينما يقول : لا مرة واحدة فتحويل تلك اللا إلى نعم صعب جداً ، فربما يكون من نتائجها السيئة أن لا يسمعونكم عامة الناس الذين يقدرونهم فمن الممكن أن يدخل فيكم الشك فلذا لا تزوروهم إلا للاستفادة منهم فقط ، ولكن يجتهد في العمل في بيئتهم مع المراعاة والاهتمام منهم الخاص في التمشي بالأصول .
فبهذا نأمل أن تصل أخبار عملكم ونتائجه التي تكون سبب دعوتهم وبذل توجههم . فبعد ذلك إذا توجهوا إليكم وإلى عملكم من تلقاء أنفسهم فحينئذ يعرض إليهم بأن يقوموا بالإشراف عليكم ويرعوكم ومع مراعاة الأدب والتقدير الديني لهم يعرض إليهم كلامكم .
(30) قال رحمه الله : إذا لوحظ أن علماء وصلحاء ذلك المكان ليسوا من المؤيدين لهذا العمل فلا تجعلوا للوساوس مكاناً في قلوبكم بل يظن أن هؤلاء حتى الآن لم تفتح لهم حقيقة هذا العمل الكاملة وكذلك يظن فيهم لكون هؤلاء خدماً للدين ، فالشيطان أشد عدواً لهم منا ، ( لأن السارق لا يأتي إلا للثمين ).
وعلاوة عن هذا فليفهم أن الدنيا حقيرة وذليلة فما دام الناشبين فيها لم يرجحوا هذا العمل مقابل المشاغل الدنيوية ولم يعلموا هذا العمل يترك مشاغلهم وانهماكهم فيه ، فما ظنك بأهل الدين فكيف يتركون أعلى مشاغلهم الدينية بسهولة ، فقال أهل المعرفة : الحجابات النورانية تكون أضعاف الأضعاف من الحجابات الظلمانية شدةً .
(31) وقال الشيخ رحمه الله في صحبه : من أصل الدعوة والتبليغ أن الخطاب العمومي فلتكن فيه شدة كاملة ، وفي الخطاب الخصوصي رفق ، بل يفضل حتى الإمكان أن يكون الخطاب عاماً لإصلاح الخاصة أيضاً .
فكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا علم خطأ أحد شخصياً فكان أكثر خطابه العتابية بقوله : (( ما بال أقوام )) كذا .
(32) وقال في صحبه : الانبساط بالحكايات الكلامية أصبحت عاداتنا ، والكلام عن الأعمال الصالحة ظننا انه يكفي عن العمل الأصلي ، فاتركوا هذه العادة وعليكم بالعمل العمل ثم أنشد باللغة الفارسية : أقول وترجمته ما يلي :
عليكم بالعمل العمل واتركوا الحكـي
مطلوبنا في هذا الطريق العمل لا الحكي
(33) قال رحمه الله : الوقت مثل القطار الساري فالساعات والدقائق والثواني كالمقطورات ومشاغلنا مثل الركاب الجلوس فيها فمشاغلنا المادية الدنيوية الذليلة استولت على مقطورات قطارنا فلا يمكنون المشاغل الأخروية الشريفة بركوبها ، فعلينا أن نفرغ المكان ونولى عليها المشاغل الشريفة العليا التي ترضى الرب وتبنى آخرتنا مكان المشاغل الذليلة بعزيمته .

(34) قال في صحبة : فما وفقنا الله من الأعمال مهما بلغت درجتها في الصلاح فلا تختم إلا بالاستغفار ، والمقصود هو أن يكون الاستغفار جزء كل أعمالنا ، وذلك بظن منا أن كل عمل أعمله ففيه تقصير بالتأكيد فلنستغفر الله على تلك التقصير .
فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يستغفر الله بعد كل صلاة ، فلذا عمل الدعوة أيضاً يجب أن يختم دائماً بالاستغفار لأن العبد مهما عمل لله عملاً لن يستطيع أن يؤدي حقه وأن الانشغال في أحد الأعمال قد يكون سبباً في عدم تأدي أعمال أخرى متعددة ، فلتلافي مثل هذه التقصيرات يجب أن تختم الأعمال الصالحة أيضاً بالاستغفار .
(35) في يوم من الأيام بعد صلاة الفجر عندما كان الجمع غفيراً من أهل الدعوة القائمين بهذا العمل في نظام الدين وقد ضعفت صحة الشيخ إلياس حينئذ بدرجة أنه في حالة امتداده على فراشه لم يتمكن أن يقول كلمتين أو أربعة بصوت , فطلب أحد الخدم باهتمام فبواستطه بلغ الناس الحاضرين جميعاً فقال : إن سيركم هذا كله وجهدكم هذا كله سيكون هباءً منثوراً إذا لم تهتموا معه في علم الدين وذكر الله اهتماماً بالغاً ، فإن العلم والذكر مثل الجناحان فبدونهما لا يمكن الطيران في الهواء بل الخطر شديد والخشية قوية أن لو تغافلنا عن هذين الشيئين فحينئذ يكون هذا الجهد باباً جديداً للفتنة والضلالة ، فإذا لم يكن العلم موجوداً فيكون الإسلام والإيمان عادة روتينية وبالاسم فقط ، فإن كان العلم موجوداً بدون ذكر الله فإنه ظلمة محضة ، وكذلك بدون العلم وإن كثر ذكر الله فلا يخلو من الخطر .
فالمقصود أن النور في العلم لا يأتي إلا بالذكر ، وبدون علم الذين لا يتحصل على بركات وثمرات الذكر الحقيقة ، بل أحياناً إن الشيطان يستعمل الصوفي الجاهل .
فلذا لا تغفلن أيضاً عن أهمية العلم والذكر في هذا الطريق ، فلا بد من الاهتمام الخاص لهذا وإلا ستكون هذه الدعوة والتبليغ شر فقط فتكونون في خسران شديد .
وقصد (1) الشيخ إلياس رحمه الله من كلامه هذا هو أن لا تظنوا أن الجهد والتعب والخروج والإيثار والتفدي في سبيل الدعوة والتبليغ هي الأصل . بل أصل الفريضة هي تعليم وتعلم الدين والتعود على ذكر الله والتعلق بالله عز وجل .
فبتعبير آخر أن قصده ليس أن تكونوا عساكر فقط بل طلبة علم الدين وعبيد الله الذاكرين له أيضاً .




ملفوظات هذا القسط كلها رتبها الشيخ ظفر أحمد التهانوي
(36) في المرة الأخيرة عندما حضرت عند الشيخ في وسط شهر يوليو فقال فور مشاهدته إياي بيت شعر بالفارسية :
أقول وترجمته : قد بلغ روحي الحنجرة فأنتي لأبقى حيا
فلما لم أكن فتجيئ فماذا تستفيد حينئذ
فتأثرت من هذا الشعر جداً حتى تغرغرت عيني دمعاً ، ثم قال هل تذكرت الوعد ؟ وقد وعدته أنني سأتفرغ لعدة أيام للتبليغ ، فأجبته بأنني أذكر ولكن هذه الأيام حر شديد في دلهي وفي عطلة رمضان سوف أتفرغ له بعد رمضان قال : إنك تحكي عن رمضان أما عندنا حتى الشعبان (1) غير متوقع ، فقلت له : حسناً إنني نويت الإقامة الآن فلا تأخذ بخاطرك شيئاً أنا الآن متفرغ للتبليغ ، فبعد ما سمع قولي هذا بدء وجهه يتلألأ سروراً وفرحاً ووضع يديه على رقبتي وقبَل جبيني .
حملني على صدره مدة ودعا لي كثيراً ثم قال : إنك أنت أقبلت عليّ فكثير من العلماء يريدون من بعيد أن يفهموا مقصودي . ثم ذكر أحد من العلماء الكبار بأنه في هذه الأيام يخرج كثيراً مع الجماعات ولكن إذا سألتني عنه فإنه لم يبلغ طموحاتي إلى الآن لأنه لم يتكلم معي مشافهة إلى يومنا هذا ولكنه دائماً يكلمني بالوسائط فحينئذ كيف أفهمه طموحاتي بالوسائط وبالذات عندما يكون حال الوسائط كذلك ناقصون ، فلذلك أتمنى أن تقيم عندي عدة أيام إنك ستفهم مرادي ، فأما من بعيد فلا تستطيع أن تفهم ما أقول ، وأنني أعلم أنك تشترك في التبليغ وتلقي المحاضرات في الاجتماعات وأن محاضراتك تفيد السامعين إن شاء الله لكن ليس هذا التبليغ الذي أريده منك .
(37) قال الشيخ رحمه الله في صحبة : وقد ورد في الحديث ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر )) فمعنى هذا إننا لن نبعث إلى الدنيا لأن نعين أنفسنا ونسير على هوى أنفسنا التي به تكون الدنيا جنة ، بل بعثنا لمخالفة النفس (1) وإطاعة أوامر الله التي تكون الدنيا للمؤمن كالسجن ، فإذا نحن أيضاً قمنا في حماية أنفسنا تقليداً للكفار فجعلنا الدنيا جنة فنكون نحن حينئذ غاصبين لجنة الكفار ، ففي هذه الحالة لم تكن نصرة الحق مع الغاضب بل مع المغضوب منه ، فقال : انظر في هذا القول بنظر عميق جيداً .
(38) قال الشيخ رحمه الله : إن الناس عندما يرون بركات عملي التبليغ يظنون بأن العمل جاري وماشي . والواقع أن العمل شيء والبركات شيء آخر ، انظروا أن مع ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأت تظهر البركات ولكن العمل بدأ في ما بعد , فكذلك عملنا هذا فافهموا ما أقول فيه وهو الحق : أنه لم يبدأ العمل العالي , فعندما يبدأ العمل كما هو حقه فتعود أحوال الناس كما كانت قبل سبعمائة سنة , وإذا ما بدأ العمل بل استمر على مصيره الذي هو عليه إلى الآن فاعتبره الناس حركة من الحركات وزاغ العاملون في سبيل هذا العمل , فالفتن التي نتوقع إتيانها بعد مآت السنين , فإنها ستأتي في شهور فلذا لا بد أن يفهم هذا .
(39) في يوم الجمعة مرة بَيَّنْتُ في اسمبلي (أي مسجد البرلمان ) بدهلي قبل صلاة الجمعة والشيخ محمد إِلياس رحمه الله هو الذي أشار إلى أن أبين هناك , ولم أعد بعد الصلاة في نفس اليوم إلى نظام الدين ومكثت عند بعض الأقارب فبت عندهم , فلما رجعت اليوم الثاني إِلي نظام الدين فاعتذرت بأنه على إِصرار بعض أقربائي بت بدهلي ,
قال الشيخ رحمه الله : لا حاجة لهذه المعذرة لأن العاملين في هذا العمل قد تعرض لهم مثل هذه الأعذار هذا ليس بمُهِمّ , نعم أخبرني عن الوعظ هل بينت في مسجد البرلمان ؟ , فقلت : نعم . ففرح بذلك كثيراً ثم قال : اسمع أن هؤلاء لا يدعوننا لطلبهم من قِبل أنفسهم فهم لا يفرغون من الدنيا فعلينا نحن أن نذهب إليهم بأنفسنا للتبليغ بدون طلبهم .
ثم سألني ماذا بينت أمام أولئك؟ فقلت : أنني أثبت بالآتية : ( إن في خلق السماوات و الأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداًً وعلى جنوبهم ) الآية . بأن العقلاء هم الذين ينظرون في نظام هذا الكون ويتعرفون على خالقه ويذكرونه في جميع أحيانهم , وليس بالعقلاء الذين منتهى نظرهم السير بين القمر والأرض ولم تتجاوز عقولهم خالقها , بينت ضرورة ذكر الله وأوضحت حقيقته ثم شددت في أهمية الدعوة والتبليغ .
فقال الشيخ رحمه الله : إن هذا الموضوع عالي جداً ولم يكن مناسباً لأولئك الجمع , وأن أهل هذا الموضوع مجتمعون هنا ( أي في نظام الدين المركز ) فليبين مثل هذا الموضوع هنا في وقت آخر ، فكان المناسب لذلك الجمع الآية :) والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولي الألباب ( فقال : إن هذا دال على الطبقة السفلى الذي دل عليه لفظة ) هداهم الله ( ، فقلت : صدقت ، فإنشاء الله سوف أبين هذا هناك في وقت آخر .
(40) قال الشيخ رحمه الله في مجلس : مقصودنا الأصلي من تبليغنا هذا هو أن يُصرَف الناس من الطاغوت وأن يعودوا إلى الله عز وجل ولا يمكن هذا إلا بالتضحية ، ومن الدين تضحية الأنفس وتضحية الأموال ومن تضحية النفس في التبليغ هو أن يترك وطنه لإعلاء كلمة الله ولنشر دين الله ، ومن تضحية المال هو أن يتحمل نفقات السفر بنفسه ، وأما الذي لا يستطيع الخروج بنفسه لعذر في زمن فعليه أن يحرض الآخرين للخروج في التبليغ في هذا الزمن خاصة ويجتهد في إخراجهم . فبهذا يكون عاملاً بالحديث : الدال على الخير كفاعله ، ومن يخرجهم سيتحصل له الأجر على قدر أجور جهدهم هو أيضاً مثلهم ، وإن نصرهم في خروجهم بالمال فكذلك يحصل لهم ثواب التضحية المالية أيضاً ثم عليه أن يظن في الذين خرجوا بأنهم محسنون عليه . لأن أصل العمل كان عليه هو أن يعمله ولكن لم يستطع عليه لعذر فهؤلاء يؤدون واجبه عنه ، فإنما الدين هو أن يظن القاعدون والمعذرون بأن المجاهدين هم محسنون عليهم .
(41) قال لي الشيخ مرة : يا شيخ : إن في تبليغنا هذا أهمية عظيمة للعلم والذكر . فبدون العلم لا يتمكن تأدية العمل ، ولا تحصل معرفة العمل ، والعمل بدون الذكر ظلمة محصنة فلا يمكن أن يكون فيه نور بدونه ، ولكن رجالنا القائمين بالعمل فيهم نقص نحوه .
فقلت له : إن التبليغ هو من أهم الواجبات فبسببه إذا ورد النقص فمَثَلُه كما قال الشيخ السيد البريلوي رحمه الله عندما أعد للجهاد وأشغل خدامه في تدريب الرمي وركوب الخيل بدلاً عن النوافل والذكر ، فاشتكى بعضهم بأنه لم تكن الأنوار كما كانت قبل ذلك ، فقال الشيخ السيد : نعم فكانت سابقاً أنوار الذكر ، أما أنوار الجهاد فهي موجودة ، فنحن الآن في حاجة لهذه ، فأجاب الشيخ قائلاً : أما أنا قلق جداً من قلة العلم والذكر ، وسبب هذا النقص هو أنه لم يشترك حتى الآن أهل العلم وأهل الذكر في هذا العمل .
فإذا أتوا هؤلاء الكرام ويأخذوا مسؤولية هذا العمل في أيديهم فحينئذ يكمل هذا النقص ، ولكن العلماء وأهل الذكر لم يشتركوا في هذا العمل إلى الآن وإلا قليلاً .
(42) كان في أحد رسائل الشيخ أبي الحسن الندوي هذه الجملة : إنما المسلمين قسمين لا ثالث لهما : إما الذين يخرجون في سبيل أو الذين ينصرون الذين يخرجون في سبيل الله .
فقال الشيخ ( محمد إلياس ) : ما أحسن ما فهمه ، ثم قال : ومن ضمن النصرة أيضاً أن يحرضهم علي الخروج ويعلمهم بأن خروجك لا يحرج على العالم الفلاني في تدريسه للصحيح البخاري ولا في تدريسه القرآن الكريم بل أنت يحصل لك أجر تدريسه أيضاً . فليبين للناس مثل هذه النيات ويخبروا طرق تحصيل الأجر والثواب .
(43) قال الشيخ مرة : أيها الشيخ ! إن حاصل تبليغنا أن على عامة الناس المبتدئين أن يأخذوا الدين مما هم فوقهم ويعطوه مما هم أسفل منهم ، ويعتبرون أن الأسلفون محسنين عليهم ، لأنه مهما بلّغنا كلمة الإخلاص ونشرناها فنجد كلمتنا تتكمل وتتنور كذلك ، وقدرما نجعل الناس يواظبون على الصلوات فتتكمل صلاتنا مثله كذلك فمن أكبر سر التبليغ أن يقصد المبلغ تكميل نفسه فلا يظن نفسه هادياً للآخرين لأنه لا هادي إلا الله .
(44) قال الشيخ رحمه الله : جاء في الحديث (( من لا يرحم لا يرحم ، وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء )) . ولكن مع الأسف أن الناس قد خصوا هذا الحديث بالرحمة على الجوعة وأهل الفاقة فلذا صار الناس إذا رأوا الجائع والعطشان والعاري فيرحموه ولكن المحروم من الدين لا يرحموه ، فكأن خسارة الدنيا يعتبرونها خسارة ولكن خسارة الدين أساس هذه الدعوة والتبليغ على هذه الرحمة فلذا علينا أن نعمل هذا العمل بالشفقة والرحمة إذا كان المبلغ والداعي قائماً بالتبليغ والدعوة مهموماً بإساءة أحوال إخوانه الدينية فمن المتيقن أنه يؤدي واجبه نحوه بالرحمة والشفقة لهم ، ولكن إذا لم يكن هذا إحساسه بل شيء آخر فحينئذ يبتلى بالكبر والعجب فلا يتأمل منه المنفعة ، وكذلك الرجل الذي يقوم بالدعوة والتبليغ مؤدياً عمله مراعياً لهذا الحديث فيكون فيه الإخلاص أيضاً وإن نظره علي عيوبهم ويكون نظره على محاسنهم الإسلامية أيضاً فحينئذ يكون هذا الشخص لا يحمي منافعه بل يكون شاكياً على تقصيره ، إنما سر هذه الدعوة بأن يتخلى من حماية نفسه ولا يزال يشكوا نفسه على التقصير ولا ينسى هذا الدرس أبداً .
أقول ( معنى قول الشيخ ) بأنه لا يظن انه أدى واجبه نحو الدعوة ويطمئن بأنني قد أديت واجبي بل دائماً يلوم نفسه ويشكى نفسه بأنه لا زال مقصراً في أداء واجبه مهما بلغ جهده ، ويلزم هذا الشيء كالدرس بأنه لا زال مقصراً بحيث تصبح هذه الصفة في نفسه كصفة دائمة ، وهذا من سر هذه الدعوة والتبليغ .
(45) قال مرة : يا شيخ ! من اللازم أن تتفقد الأحكام الإلهية فلا بد من التفقد المستمر ، فمثلاً لا بد أن يفكر قبل الانشغال في أي عمل ، فالانشغال في الشيء يلزم شيئين أحدهما التوجه في العمل الذي يراد الانشغال فيه ، وثانيهما : الغفلة عن الأعمال الأخرى في نفس الوقت ، فالآن يفكر في الأعمال التي يغفل عنها في ذلك الوقت فهل منها عمل أهم من هذا العمل الذي يراد الانشغال فيه ، فهذا الشيء لا يمكن بدون التفقد .
(46) قال الشيخ مرة : فلتكن المراقبة قبل أداء الصلاة بقليل ، لأن الصلاة التي تؤدى بلا انتظار تكون مخلخلة فينظر في الصلاة قبل أدائها .
[ فائــدة (1)] : فلذا سن لنا الشرع النوافل والإقامة وغيره قبل أداء الفرائض لتحصل المراقبة بصفة تامة ، ثم يؤدى الفرض ولكن نحن لا نفهم فوائد ومصالح السنن والنوافل والإقامة وغيرها ولا نستفيد منها فلذا فرائضنا تؤدى ناقصة .
اللهم إني أسألك تمام الوضوء وتمام الصلاة وتمام رضوانك آمين .
(47) قال الشيخ مرة : على الذين ينشغلون في الدعوة والتبليغ أن يجعلوا قلوبهم واسعة وتتولد هذه السعة بالنظر إلى رحمة الله الواسعة فبعد ذلك يهتم في التربية .
(48) قال الشيخ رحمه الله : فإن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بداية الإسلام كان يذهب إلى بيوت ومجالس الذين لا رغبة لهم ولا طلب لهم في الدين ، فيدعوهم إلى الإسلام ، وما كان ينتظر الطلب منهم ففي بعض الأماكن أرسل الصحابة رضوان الله عليهم للدعوة والتبليغ .
وحالنا في الضعف في هذا الوقت نفس حال الضعف الذي كان في ذاك الوقت ( أي في بداية الإسلام ) ، فلذا يجب علينا أن نذهب نحن إلى من لا طلب لهم في الدين ، فنصل إلى جموع الملحدين والفسقة لإعلاء كلمة الحق ( ثم غلبته نشوفية في حلقة فمنعته من التكلم ) ثم قال : يا الشيخ : قد تأخرت في مجيئك عندي فلا أستطيع الآن أن أتكلم معك بالتفصيل ، فعليك التأمل فيما قلت .
(49) قال الشيخ رحمه الله مرة : كانت طريقتي في البداية في تعليم الذكر هي المواظبة على تسبيحات فاطمة (1) بعد كل صلاة : وسبحان الله (1) ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم الصلاة على (2) الرسول صلى الله عليه وسلم مائة مرة والاستغفار (3) مائة مرة صباحاً ومساءً وتلاوة القرآن الكريم (4) مع تصحيح القراءة وأكد على صلاة التهجد (5) في النوافل والتردد على أهل الذكر ، فالعلم بدون الذكر ظلمة والذكر بدون العلم باب الفتن .


(50) قال الشيخ رحمه الله : إن درجة الزكاة أقل من درجة الهدية ، فلذلك حرمت الصدقة عل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تحرم الهدية ، وإن كانت الزكاة واجبة والهدية مستحبة ، ولكن أحياناً درجة المستحب تكون أعظم من الواجب ، كالبداية بالسلام سنة ، ورد السلام واجب ، ولكن البداية بالسلام أفضل منه . وكذلك الزكاة ولو أنها واجبة ولكن ثمرتها تطهير المال والهدية وإن كانت مستحبة ولكن ثمرتها تطيب قلب المسلم ومن ناحية الثمرة هذه أفضل من الزكاة لأن تطيب قلب المسلم أعظم درجة من تطهير المال ، وإن كان بالزكاة يطيب قلب المسلم المحتاج ولكنه ليس مقصوداً بل يجعل هذا تبعاً ، والمقصود الأصلي بالهدية هو تطيب قلب المسلم .
ثم قال الشيخ رحمه الله : يلزم على من يؤدي الزكاة التفقد للمصاريف كما على المصلي التفقد على الماء الطاهر والمصرف الصحيح للزكاة هو أن لا يتولد فيه حرص المال بعد استلامه مبلغ الزكاة . وليس مقصود الشرع بفرضية الزكاة أن يتولد في المسلم الفقير حرص المال وطمعه بأن لا يزال هؤلاء في انتظار الصدقات والزكاة ، كلا ، فالذي يتوكل على الله ويصبر ، وعلى قدر صبره وتوكله يلزم على أهل الأموال إعانته على قدر صبره حيث قال تعالى : ) للفقراء الذين احصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ( فالمصرف الصحيح للزكاة هم هؤلاء الذين منشغلون في دين الله ، ويتوكلون على الله بالصبر ولا يسألون أحداً ولا يطمعون في أموال الناس .
ولكن نرى اليوم أن أهل الأموال يؤدون زكاتهم للسائلين المهنية ( أي الشحادين ) (1) ويحسبون أنهم قد أدوا زكاتهم مع أن هذه تضيع الزكاة حتى السابقة معها ، فلهذا السبب لا تأتي البركة في الأموال بعد إيتاء الزكاة مع أن وعد البركة في المال المؤدى زكاته قطعي لا شك فيها ، وأما الذين لا يشاهدون البركة في أموالهم بعد أداء الزكاة فليعلموا أن مصرف زكاتهم غير صحيح ، وهم لا يبحثون عن المصاريف الصحيحة للزكاة .
(51) قال الشيخ رحمه الله مرة : على المسلمين أن يخدموا العلماء لأربعة نيات :
(1) من الناحية الإسلامية بحيث زيارة مسلم لأخيه المسلم حسبة لله، فإن سبعين ألفا من الملائكة يشيعونه ويصلون عليه (2) فإذا كان زيارة مسلم لمسلم هذا فضلها ففضل العالم أكثر منه وأكد علي غيره.
(2) أن قلوبهم وأجسامهم حاملة للعلوم النبوية ومن هذه الناحية هؤلاء العلماء أليق بالتعظيم والتوقير والخدمة .
(3) أنهم مسئولون على أمور ديننا .

(4) لتفقد حاجاتهم ، لأن الناس إذا تفقدوا حاجاتهم الدنيوية التي يستطيع أهل الأموال علي قضائها ، فإذا قضوا حاجاتهم فيسلم العلماء من صرف وقتهم لها فيمضي وقتهم هذا في خدمة الدين والعلم أيضاً ، فأهل الأموال يكون لهم الأجر مثل أجور العلماء أيضاً.
(52) قال الشيخ رحمه الله : إن كثير من المسلمين هم غافلون عن الدعاء ، والذين يدعون منهم فهم أيضاً غافلون عن حقيقة الدعاء ، فليبين للناس حقيقة الدعاء : ثم قال فحقيقة الدعاء أن يعرض حاجاته إلى صاحب مقام عظيم ، فيتوجه إليه بقلبه حسب عظمة صاحب المقام العظيم ، ويتلفظ بالدعاء بألفاظ التضرع ويدعو وهو متيقن بقلبه بأن دعائه مستجاب ، لأن المسئول جل جلاله جواد كريم بعباده ، وأن خزائن السموات السبع والأرض كلها بيد الله وقدرته سبحانه .
(53) قال الشيخ رحمه الله : إن الوفود الذين يسافرون إلي سهارنفور وديوبند (1) ترفق معهم رسائل من تجار (2) بلدة دلهي بمنهج أن يرجو التكرم من أصحاب الفضيلة العلماء ويعرضون إليهم بأن هؤلاء الوفود سيحضرون للتبليغ إلى العامة وأن أوقاتكم غالية جداً لو استطعتم أن ترعوهم في بعض من وقتكم الذي لا يحرجكم أنتم ولا يحرج الطلبة فالرجاء رعايتكم لهؤلاء وأن تأخذوا الطلبة معكم وتحت إشرافكم .
وليس للطلبة أن يشتركوا في هذا العمل بدون إشراف الأساتذة وتنصح وفود التبليغ أنه إذا قصر العلماء في التوجه إليهم فليحذروا من أن ينشأ في قلوبهم أي اعتراض على عالم بل عليهم أن يفهموا بأن العلماء مشغولون في أهم عمل من عملهم هذا . وهم في الليل أيضاً مشغولون في العلم عندما يرتاحون الناس في نوم هادئ . ويحملوا عدم توجههم على تقصير من أنفسهم لقلة مراحهم ومجئيهم إليهم فلذا هم متوجهون إلى الطلبة أكثر منا الذين هم نزلوا عندهم مقيمين لعدة سنوات .
ثم قال : إن إساءة الظن لمسلم تلقيه في الهلاك ، فالاعتراض على عالم أمرٌ أشد منه .
ثم قال : إن إكرام المسلم واحترام العلماء من أساس الدعوة عندنا بأن يعز المسلم لكونه مسلماً ويحترم العالم أكثر منه لكونه عالم دين.
ثم قال : إن عمل العلم والذكر لم يتمكنوا فيه مبلغينا حتى الآن وأنا مهتم لهذا جداً ، وطريقة هذا بأن يُبعثوا هؤلاء المبلغون إلى أهل العلم وأهل الذكر ويبلغون كذلك تحت رعايتهم ويستفيدون من علمهم وصحبتهم .
(54) في يوم من الأيام انشغلت في التكلم مع الضيوف القادمين للزيارة ولم أجلس في خدمة الشيخ كالعادة ، ثم حضرت في خدمته بعد الظهر فقال :
عليك أن تمكث معي أكثر ما يمكن ، فقلت : إن اليوم القادمون كانوا أكثر وجعلت جمعهم حولي أتكلم معهم في التبليغ والدعوة لئلا يتكاثر جمعهم عندك ولأخفف عنك تكلمك الأكثر ، فقال الشيخ : إنما لكان حله بأنك لو كنت عندي فأقول لك ما في نفسي فأنت تبلغ الآخرين فبهذه الطريقة لخرجت شوكة قلبي ، كن عندي وكن مستمعاً لكلامي وتبلغه للآخرين لكي لا أضطر أن أبين لهم أنا مباشرة ، وبعض الأحباب يصرون بأن لا أتكلم ولكن كيف ألزم السكوت لحين ما تخرج شوكة قلبي ، ولن ألزمن السكوت حتى ولو أموت .
(55) قال مرة : إن الشيخ أشرف علي التهانوي (1) رحمه الله قد عمل عملاً عظيماً ، إنني أودّ أن يكون التعليم تعليمه ، وطريقة التبليغ طريقتي ، فبهذا البرنامج يعم تعليمه ، ثم قال : فلا تبينوا في البيانات مصالح الأحكام الشرعية وعللها ، بل علموا العامة أن يركزوا في الاهتمام لثلاثة أمور :
(1) أن يقصدوا في كل شيء رضا الحق جل وعلا .
(2) أن يؤمنوا بالآخرة بإتقان أي مهما عملوا فيكون العمل لرضاء الحق مع احتسابهم بأنه ينفعنا في الآخرة بأن نثيب به ويدرء عنا العذاب به يوم القيامة .
(3) فلا يكن المقصود من ذلك العمل أي نفع ينتفع به قبل الموت ، فإنما هذا النفع الدنيوي مثله كمثل (الوصاية(1)) يتحصل بنفسه وليس بمقصود فإن حصوله متيقن ويلزم اليقين عليه ولكنه ليس مقصود بالذات عند العمل ، ثم قال : أما إذا اقتضت الحاجة في بيان الأسرار والمصالح فهنالك لا حرج في بيانها ولكن ليس في كل مكان تبين ذلك .
(56) قال الشيخ مرة : إنني أقدر أصحاب الشيخ التهانوي ( رحمه الله ) لأنهم قريبوا العهد به فلأجل ذلك تفهم أنت ما أقول بسرعة لأنك سمعت كلام الشيخ التهانوي في عهد قريب ثم قال : فبسببك بارك الله لي في عملي هذا , وأجد سرورا في نفسي من أجلك ثم دعا لي كثيرا , ثم قال : عليك أن تشكر ربك على هذه النعمة متضرعا وباكيا , ( اللهم ما أصبحت بي أو أمسيت بي من نعمة أو بأحد من خلقك منك وحدك لا شريك لك , فلك الحمد ولك الشكر ) (2).
(57) قال : فليجتهد في عمل الدعوة والتبليغ أن يقوم السادات به وأن يتقدموا فيه وان مقتضى قوله صلى الله عليه وسلم: تركت فيكم ثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وهو هذا وقد سبق أن عملوا هؤلاء المشايخ السادة في نشر هذا الدين , وكذلك أملي فيهم كبير في المستقبل .
(58) قال الشيخ يوما : إذا احب مسلم أحدا لوجه الله , أو احبه المسلم لله محبة صادقة فإنما هذه المحبة وحسن الظن فيه زخرا في الآخرة , فأن المسلمين يحبونني فأرجو من هذا إن شاء الله أن استر هناك ( في الآخرة ) .
ثم قال : إنما التأكد من أنه مفلس (1)هو الفلاح لأنه لا يفلح أحد بعمله , إنما الفلاح بفضل الله فقط لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لن يدخل الجنة أحد بعمله قالوا :ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " فبكى الشيخ بنفسه وأبكى الآخرين .

(59) قال الشيخ مرة يا شيخ ! إن العلماء لا يقبلون إلى هذا العمل , فماذا أفعل آه يا الله ماذا أفعل ؟ قلت : سوف يأتون كلهم فأدع لهم , قال : حتى الدعاء لا أستطيعه , إنما أدع لهم أنت , ثم أنشد هاتين البيتين :
أستغفر الله من قول بلا عمل لقد نسبت به نسلا لذي عقم
ظلمت سنة من أحي الظلام إلى أن اشتكت قدماه الضر من ورم
فتغرغرت عيناه دمعا (1)
(60) قال رحمه الله : الإسلام فيه درجة واسعة , وهذه الوسعة هي ميلاد الشخص في بيت مسلم وفي دار الإسلام وانه تابع لخير الأبوين , فهذا كاف في أن يعد من المسلمين , فبهذه الوسعة بعد إن دخل في الإسلام فلا يجعلونه أن يخرج منه مهما أمكن . فإذا وجد في كلام أحد تسعة وتسعون وجهة نظر كفرية وواحدة إسلامية فإنما يسمى مسلم ولكن هذا ليس بالإسلام الحقيقي بل إسلام الفي (تقليدي ) فالمسلم الحقيقي الذي توجد في حقيقة لا اله إلا الله , فحقيقته بأنه يعزم وينوي من أعماق قلبه عبادة الله بعد اعتقاد هذه الكلمة وأن يشغف قلبه في كل حين بان رضي المعبود منه أم لا ؟
(61) قال رحمه الله : إنني في هم كبير في شيئين لا بد أن يهتم فيهما : أحدهما : الذكر , وإنني أجد في جماعتي تقصير فيه ليؤكدوا على الذكر .
ثانيهما : أن يعلم أهل الأموال مصارف الزكاة , فان اكثر زكاتهم قد تضيع ولا تصرف في المصاريف الصحيحة , إنني أمليت أسماء أربعين شخصا الذين ليسوا بحريصين على اخذ الزكاة ولا يوجد فيهم الطمع لاخذها فانهم مشتغلون في عمل التبليغ وهم متوكلون على الله .
فلا بد من مساعدتهم فعلى أهل الأموال أن يتفقدوا لمثل هؤلاء وأي منهم كم حاجته ؟ فأما الذين يؤدون زكاة أموالهم للسائلين والمهنيين والمتعودين على جمع التبرعات قد لا تتأدى للمصرف الصحيح .
(62) قال : ليكن بالعلم تولد العمل وبالعمل تولد الذكر فحينئذ يكون العلم علما والعمل عملا , فإذا لم يتولد بالعلم العمل فإذا فهو ظلمة أكيدة , وإذ لم يتولد ذكر الله في القلب بالعمل فهو مخلخل , والذكر بلا علم كذلك فتنة .
(63) قال رحمه الله : فليبين للعامة فضائل الهدية والصدقة والقرض , وذلك من واقع قصص الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين , أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتصدقون من كسب أيديهم فليس الأغنياء فقط الذين يتصدقون بل المساكين أيضا كانوا يعملون ويتصدقون من كسبهم بعض الشيء لانهم كانوا يقدرون الصدقة , فلما كان الصدقة هذا فضلها فالهداية افضل منها فهكذا القرض لها فضائل , مثلا عندما تحين مدة أداء القرض فكان القارض معسرا فحينئذ إذا امهله فعن كل يوم زاد عن المدة المعينة كان له اجر صدقتها .
أقول : وعن بريدة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من انظر معسرا فله كل يوم مثله صدقة , قلت : يا رسول الله سمعتك تقول : من انظر معسرا فله كل يوم مثله صدقة , ثم سمعتك تقول , من انظرا معسرا فله كل يوم مثله صدقة , قال له مثله قبل أن يحل الدين فإذا احل فانظره فله كل يوم مثلاه " رواه احمد .
(64) قال الشيخ رحمه الله : إنني أخشى على نفسي الاستدراج , فقلت : إن هذا الخوف عين الإيمان , قال الإمام حسن البصري : المؤمن يخشى على نفسه النفاق , ولكن الخشية في زمن الشباب حسن , وفي زمن الشيب حسن الظن بالله حسن , فقال الشيخ : صدقت .




سافر الشيخ قبل وفاته بعام في شهر رجب 1362هـ إلى بلدة لكنؤ و كانبور وذلك خروجا بغرض الدعوة والتبليغ , وكان هذا العاجز رفيقه في السفر , فهذه بعض أقاويل الشيخ في هذا القسط في ذلك السفر :
(65) قال الشيخ : يجب على الذين يشتركون في عملنا التبليغ أن يتيقنوا الأجر والثواب الذي وعدنا على عمل الدعوة والتبليغ في القران الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وكذلك الفضائل والبشائر الواردة فيهما أن يستمروا في العمل مستيقنين يقينا كاملا عليها وحريصين وآملين على حصولها لا يخفى عليهم أن الذين لبوا إلى الدين بجهودهم الحقيرة ثم الذين سيلبون إلى الدين في هذا السبيل إلى يوم القيامة والأعمال الصالحة التي سيعملونها فاجور أعمالهم الحسنة التي يحصلون عليها سوف يكون لهؤلاء أجورهم ومثل أجور الذين عملوا من بعدهم فلا ينقص من أجرهم شيئا حسب ما وعدنا (1) الله به بشرط أن تكون نياتنا خالصة وعملنا مقبول .



(66) قال رحمه الله : عندما أردتم أن تدعوا الناس إلى الانشغال في عمل التبليغ فلا بد أن تبينوا لهم إفادة الانشغال في هذا العمل وبينوا لهم أجرة وثوابه الأخروي بالتفصيل الوافي بحيث تكون الجنة كأنها أمامهم كما هي طريقة القرآن فبهذه الطريقة يسهل عليهم تحمل ما يخشونه من الحرج والخسارة الدنيوية البسيطة إن شاء الله ، ويتمكن لهم غض البصر عنه .
(67) قال : عند جولات التبليغ وخاصة عند المخاطبة إننا نؤكد للجماعة بأن ينشغلوا في الذكر وهذا لسبب خاص هو عندما تقوم بإفهام و إقناع المخاطب حقيقة الشيء فعندما تكون أكثر القلوب في ذلك الوقت مصدقين وموقنين ومقتنعين من تلك الحقيقة فيأثر ذلك على قلوب الآخرين , فإن الله سبحانه وتعالى جعل في القلوب قوة ولكن الناس لا يعلمون .
(68) قال رحمه الله : أن ذكر الله حصن حصين من شر الشياطين , فلذا كلما كان اختلاطا في بيئة أسوء فليكن اهتمامنا للحفاظ من اثرات شياطين الجن والإنس في ذكر الله اكثر فاكثر.
(69) بدأ الشيخ خطابه لاحد فصول طلاب المدرسة الدينية بسؤال فقال : من انتم ؟ (ثم أجاب بنفسه ) وقال : انتم ضيوف الله ورسوله صلى الله عليه وسلم , فالضيف إذا أذى المضيف , فأذيته اشد من الذي يؤذيه غير المضيف , انتم مادمتم طلابا للعلم وما عملتم بما يرضى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وسرتم في سبيل خاطئ فاعلموا إذا ستكونون من الضيوف الذين يؤذون الله ورسوله صلى الله عليه وعلى اله وسلم .
(70) قال في خطابه لنفس الطلبة أقول لكم : أن الشيطان مكار وعيار فانه يتفقد ويلحق الثمين . فإنكم قد خرجتم من بيوتكم لطلب العلم , فأئيس من أن تبقوا جهلاء فعزم على أن تتعلموا ولكنه يحاول أن تنشغلوا في عمله .
فان حركتي هذه جرِّ ثقيل مقابل هذه المحاولة التي غايتها نقل عباد الله من سبيل الشيطان إلى سبيل الله وأشغالهم في طاعة الله . قولوا بما ذا تحكمون .
(71) قال في نفس الخطاب : والذين لهم حقوق الخدمة في ذمتكم والذين إطاعتكم لهم واجبة (1) فنسقوا ورتبوا لهم برنامج خدمتهم وراحتهم وبعد اطمئنانهم أخرجوا لهذا العمل . واجعلوا معاملتكم بحيث إذا رأوا ولاة أموركم الرقى في ذوق عملكم وصلاحكم بانشغالكم في هذا العمل أن يكونوا مطمئنون منكم بل ويكونوا من الراغبين فيه .
(72) قال رحمه الله : إنما اصل المطلوب والمقصود في أمور الدين هو رضا الإله والأجر الأخروي فقط , واما الانعامات والبركات الموعودة في الدنيا كالراحة وعيشة العز أو كالاستخلاف والتمكين في الأرض فإنها ليست مطلوبة بل موعودة .
أعني الأعمال التي نعملها تكن خالصة لرضا الرب وللفلاح في الآخرة فقط مع هذا نؤمن بالعهود بل علينا أن ندعو لحصولها ولكن لا يكن مقصود عبادتنا وطاعاتنا تلك .
والفرق بين الموعود والمطلوب يمكن أن تفهموا جيدا بالمثال الآتي:
فإن المقصود والمطلوب من الزواج هو حصول الزوجة والتمتع بها , أما ما يأتي معها من الجهيز (1) وغيره الذي هو يكون موعودا عرفا ولا يوجد في الدنيا إلا الأحمق الذي يقول أنني لا أتزوج إلا لحصول الجهيز فقط , ولو فرضنا انه يفعل ذلك وعلمت زوجته بأنه لا يتزوجها إلا لأجل تجهيز الذي كان قد يأتي معها فقدروا ما تكون مكانته في قلبها ؟
(73) قال رحمه الله : الشيء الذي يمتاز به الإنسان عن الحيوان هو اللسان والنطق ، من المفروض أن لا يكون هذا الامتياز إلا في الخير ولكن في الشر أيضاً يمتاز ، يعني كما أن الإنسان بنطقه باللسان الصحيح واستعماله في الله وفي الدين يرتفع في الخير والسعادة من الملائكة ، فكذلك باستعمال ذلك اللسان في غير الصواب يطيح عن مثل الكلب والخنزير من الحيوانات لقوله صلى الله عليه وسلم : (( وهل يكب الناس علي مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم )) الحديث .
(74) قبل عدة أيام حينما توفي حكيم الأمة الشيخ أشرف علي التهانوي رحمه الله فجاء رجل من محبي ومبايعي الشيخ المذكور لزيارة الشيخ محمد إلياس فعلى ذلك قال : فإن المشايخ الذين قد توسعت حلقة محبيهم ومتعلقيهم مثل الشيخ التهانوي قُدس سره فيجب أن يفكر في تعزية عمومية لهم . وأتمنى أن أعزي جميع متعلقي الشيخ التهانوي وتنشر بالذات هذه المقالة فيهم بأن أعلى وأحكم طريقة الاستفادة من بركات الشيخ وطريقة الجهد في الرقي إلى أعلى الدرجات وزيادة السرور لروحه هو أن يعمل على تعليمات الشيخ الحقة بالاستقامة والاجتهاد في نشر تلك التعليمات .
فقدر ما يعمل على تعليمات الشيخ فموجب (( من دعى إلى حسنة فله أجرها وأجر من عملها )) قدرها تزيد حسناته وترقى درجاته باستمرار ، ثم قال : هذا من أحسن الطرق لإيصال الثواب له .
(75) قال رحمه الله : إن الشخص الذي يظن في نفسه أنه ليس أهلاً للتبليغ فلا يجلس فارغاً قط بل عليه أن ينشغل في العمل وأن ينشغل في تحريض الآخرين أكثر . لأنه قد يحصل الخير الكثير لمن هو أهل له من طرف الذي هو غير أهل له ، ثم ينمو ذلك الخير ويزيد ثم يصل أجره بصفة مستمرة إلى هذا الذي لم يكن أهلاً له لأنه كان هو السبب في إبلاغه له وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم (( من دعى إلى حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ، ومن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها )) الحديث .
فلذا من يكن غير أهل له فيلزمه أن يعمل في هذا المجال بحماس وشدة . ولأنني أنا أعتبر نفسي أنني لست بأهل له فلذا أنا منهمك فيه أملاً من الله بأنه ربما بجهدي هذا يصل هذا العمل إلى من هو أهل له ثم أوجرها عند الله من الأجر الأعلى الذي قرره الله لهذا العمل .
(76) قال : إن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ... )) معروف .
ثم قال : إن درجة (( فبقلبه )) درجة أخيرة ولها طريقة أخرى أيضاً وهي من أصحاب القلوب يقومون باستعمال قوات قلوبهم يعني يقومون باستعمال عزائمهم وتركيز توجههم .
ثم قال في نفس الموضوع : إن الإمام عبد الوهاب الشعراني كتب طريقة استحصال درجة القطبية . وحاصلها أن المعرفات التي قد محيت وميتت من أرض الله يتصورها ثم يحس بالألم في قلبه فبإلحاح كامل وتضرع يدعو الله بعزم بأن يحيها الله ويستعمل قوة قلبه في إحيائها .
وهكذا المنكرات المنتشرة في العالم يتصورها في ذهنه ثم يحس بسب انتشارها الألم الموجع ثم يدعو الله تعالى بتضرع وابتهال بأن يمحيها الله سبحانه ويستعمل عزمه وتوجهه في استيصالها .
فقال الإمام عبد الوهاب الشعراني : من كان عمله هذا باستمرار يكون قطب عصره إن شاء الله .
(77) قال الشيخ رحمه الله : إن أصل الذكر وأعلاه هو مراعاة أحكام الله تعالى في كل وقت حسب أحواله ، وفي قوله تعالى : ) لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ( إذا كان الرجل يراعي حدود الله ويمتثل أوامر الله في تجارته وفي تعامله مع أولاده فهو من الذاكرين الله وإن كان مشغولاً في هذه المعاملات.
(78) قال : إنما الجنة للمتواضعين . فبالإنسان إذا كان فيه شيء من الكبر ، فأولاً يدخل جهنم ليحرق الكبر . فعندما لم يبقى فيه إلا التواضع بعد إحراق الكبر فيرسل إلى الجنة ، فعلى كل حال لا يدخل أحد الجنة وفيه كبر .
أقول : وقد ورد في الحديث : (( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر )) أعاذنا الله من الكبر بفضله ورحمته .
(79) قال رحمه الله : إن مشايخنا منعوا غير السالكين قراءة كتب الصوفية ، إنما السالكين الذين هم في تربية المشايخ المحققين فلا حرج عليهم في مطالعتها .
(80) عندما أراد الشيخ رحمه الله السفر إلى لكنؤ فدعا أحد العلماء المعروفين ليأتي مع الجماعة إلى لكنؤ فآتى ذلك إلى لكنؤ .
فقال له الشيخ في أحد الأوقات : يا شيخ إنني لم أكلف عليك بأن تحضر وتلقي المحاضرة علينا . لأن إلقاء المحاضرات والوعظ في عملنا هذا له درجة ثانية ، إنما لا أكلف على الشخصيات مثلك على الأسفار إلا لأنكم بسبب مشاغلكم في أماكنكم لا تجدون فرصة في أن تعمقوا النظر والفكر في عملي هذا ، ولكن عندما تكونون في سفر وبعيدين عن مشاغلكم وبيئتكم فيتمكن لكم سماع كلامي باطمئنان وأن تنظروا عمل الجماعة بأم أعينكم ويمكنكم التفكر فيه جيداً .
(81) قال : رغبوا الناس في أن يخرجوا من بيوتهم لتعلم الدين وتعليمه بأموالهم ، وإن لم يستطيعوا (1) أو لم يرضوا بهذا الإيثار(2) فحاولوا حتى الإمكان إن تدبروا لهم ما يخرجون به من بيئتهم وإن كان هذا أيضاً لا يمكن فإذاً دبروا لهم من مكان آخر . وعلى كل حال يكون هذا في البال أن لا يولد فيهم الإشراف . والإشراف هو أن ينظر في حاجاته إلى الناس بدلاً من أن يكون نظره إلى الله تعالى ، وهذا الشيء يخلخل عروق شجرة الإيمان .
وكذلك الذين يخرجون افهموهم جيداً : إن المشاق (1) في هذا السبيل كالجوع والعطش وغيره ليظنوه رحمة من الله ، لأن المشاق في هذا السبيل غذاء الأنبياء والصديقين والمقربين .
(82)قال الشيخ رحمه الله : أيها الأحباب لا زال الآن وقت العمل سيصيب الدين خطران شديدان عن زمن قريب : الخطر الأول : سيجتهد الكفر في دعوته الجهال العامة مثل ( حركة شدهي (2) )
والخطر الثاني : الإلحاد الذي لا زال يتقدم عن طريق الحكم الغربي والسياسة الغربية ، وهذان الضلالتان سوف تأتيكم مثل السيل ، فما كنتم فاعلوه فافعلوا قبل وصولهما إليكم .
(83) قال الشيخ رحمه الله : إن طريقة التعليم والتربية العامة التي نحن نريد أن نعمها هي الطريقة التي كانت سارية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبتلك الطريقة كان تعلم الدين وتعليمه ، والطرق الأخرى التي جرت بعدها مثل التصنيف والتأليف وتعليم الكتب وغيرها ،إنها أحدثتها الضرورة ، وأما الناس الآن ظنوا أنها هي الأصل ونسوا طريقة زمن الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنها هي الطريقة الأصلية ، وأن التعليم والتربية بحيث تحصي وتشمل العامة لا تتمكن إلا بنفس تلك الطريقة .
(84) قال الشيخ رحمه الله : متى ما تمكن لي السفر إلى الميوات ، كان من رفقائي مجمع من أهل الخير وأهل الذكر ومع هذا بالاختلاط بين العامة تتغير حالة القلب (1) تغيراً بحيث إذا لم أغسله بالاعتكاف أو بالسكن في مجمع خاص بسهانفور (2) أو برائيفور (3) لا ترجع حالة القلب إلى حالته السابقة .
وكان يقول أحياناً لأحبابه المنشغلين في عمل الدين : إن الأثرات الطبيعية التي ترد عليهم بالخروج وبالجولات فعليهم أن يغسلوها بالذكر والفكر في الخلوة .
(85) قال الشيخ رحمه الله : وعلى الأحباب العاملين في التبليغ أن يزوروا ثلاثة طبقات باهتمام خاص ولثلاثة مقاصد فقط :
(1) الحضور في خدمة العلماء والصلحاء لتعلم الدين وللحصول على أثرات الدين الطبية .
(2) الذهاب إلى الناس الذين هم أدنى منهم درجة وينشر فيهم التعاليم الدينية ، ليكون هذا النشر سبب لتكميل الدين والرسوخ فيه.
(3) الذهاب إلى فئات مختلفة : ليجذب منهم المحاسن الطبية المتنوعة.
(86) قال يوماً وهو يدعو : اللهم إن الشفقة والترحم على الكفار الذي من المفروض أن يكون فينا من حيث أنهم عبيدك ، والحقوق التي تعود إلينا بهذا السبب ، وبتوفيق أدائها ، كرَه إلى قلوبنا الكفر والفسوق كراهية تامة .
(87) قال رحمه الله : ليُكفر كثيراً في أن يشتركوا العلماء والصلحاء في جهد التبليغ والتربية وأن يرضوا ويطمئنوا له ، وأينما علم عنهم أنهم خالفوا ولم يرتاحوا له فاعتبروهم أنهم معذورون أولوا عنهم تأويلاً حسناً (1) واستمروا في الحضور في خدماتهم بنية الاستفادة الدينية ولحصول البركات .
(88) قال الشيخ رحمه الله : إن نفس الإسلام أيضاً له قدر وقيمة عند الله تعالى وإن اختلط فيه فسق وفجور لأن المؤمن الفاسق والفاجر يغفر له ولو كان في الأخير ، فلذا علينا نحن أن نقدر الرجل الذي يوجد في أدنى نسبة للإسلام ، ونعتبره أخاً لنا نعامله على هذا الأساس ، وما يوجد فيه من فسق وفجور وعصيان فنحن المسئولون عنه أيضاً بأن غفلتنا هي السبب وهذه نتيجة عدم جهدنا في الدين .
89) قال رحمه الله : إن عملنا هذا هو من أساسيات الدين ، وحركتنا هذه حركة حقيقة الإيمان ، وأما الأعمال الاجتماعية الأخرى التي تُعمل هذه الأيام فيفترضون أن أساس الإيمان موجود فيقومون بالتعمير الظاهري وجل فكرهم في اللوازم الظاهرية . أما نحن فجُل همنا نحو الأمة أن يدخل نور الإيمان الصحيح في القلوب أولاً (1) .
أقول : يؤيد قوله قول الصحابة : تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن . والإيمان هو أساس جميع الأعمال والأحكام .
(90) قال الشيخ رحمه الله : إن أصل المرض في الأمة هذا الزمن عندنا هو فقدان الطلب وعدم التقدير للدين في قلوبنا ، فإذا تولد فكر الدين وطلبه في القلوب فنرى الإيمان والإيمانيات تحضر بعد نظرة ونظرة ، فأصل مقصدنا بهذه الحركة حالياً هو أن نجتهد في تولد الطلب والتقدير للدين وليس تلقين وتصحيح الشهادتين والصلاة وغيره فقط .
(91) قال : إن في طريقتنا خروج الجماعات للدين بعيداً عن بيوتهم لها أهمية خاصة ، وفائدته الخاصة هي أن الشخص يخرج من البيئة الدائمة الجامدة إلى البيئة الجديدة الصالحة المتحركة وتكون له فيها أسباب كثيرة التي تنمو بها مشاعره الدينية ، والمشقات التي تأتي بسبب التنقلات هنا وهناك ، فبهذه الأسباب تتوجه رحمة الله الخاصة لقوله تعالى : ) والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ( ولهذا السبب مهما كان سفر الهجرة أطول فبقدره يكون مفيداً أكثر .
(92) قال الشيخ رحمه الله : إن هذا السفر يحمل بداخله خصائص الغزوات ، فلذا نرجو أن يكون الأجر أيضاً مثلها ، هذا وإن لم يكن قتالاً ولكنه جزء من أجزائه من حيث بعض الوجوه ، وإن كان أقل درجة من القتال ولكن من حيث البعض هو أعلى منه . مثلاً أن القتال فيه طريقة شفاء الغيظ وإطفاء شعلة الغضب ، أما هنا فليس إلا كظم الغيظ لله ولدينه ومكثٌ في أقدام الناس تخدع الناس فهي مذلة فقط .
(93) قال رحمه الله : إن هذه الحركة في الواقع رياضة (1) في درجتها العليا . للأسف أن الناس لا يفهمون حقيقتها .
(94) قال : إن الذين يريدون أن يأتوا عندنا في نظام الدين لتعلم عمل التبليغ ، فعلموهم عدة هذه الأمور جيداً قبل قدومهم :
( أ ) أن يأتوا عندنا لأطول وقت ممكن .
( ب ) فلا يكتفوا بقدوم مرة واحدة فقط بل يستمروا في القدوم.
( ج ) لا يأتي أحدهم بإرادة الإقامة فقط ، بل حسب القرار يكون مستعداً للخروج وأحياناً تكون الإقامة في نظام الدين أيضاً.
( د ) وكذلك أفهموهم بأنه عندما يريدون رفقاؤه العودة وبمشاهدته إياهم تقوم نفسه ترغبه علي العودة فعندما يخالف نفسه . والالتزام بالعزم وقوة الإرادة في ذلك الوقت فأجره ما لا يحصى ، ومثال هؤلاء الذين عزموا بعدم العودة كمثل المجاهدين في سبيل الله الذين ثبتوا في ميدان الجهاد عندما ولّوا الذين عن يمينهم وعن شمائلهم مدبرين .
(هـ) فكذلك أخبروهم بأن في هذا الطريق قد تأتي المكارة ( مشقات ومصائب وأمور خلاف طبيعة ) ، وأجرها في الآخرة عل قدر المشقة .







(96) قال الشيخ رحمه الله : فلنفكر بعد حين وحين باطمئنان أن في أي الأماكن يوجدون الذين يقدروننا وفي أي الأماكن تكون نتيجة جهدنا مثمرة ؟ ثم يفكر بأن كيف تكون طريقة دعوتنا مناسبة لذلك المكان ، وكيف يكون المصير ، وكيف يكون ترتيب عملنا , ثم يشرع في ذلك متوكلين على الله حسب التخطيط (1)
(97) قال : إذا ظننا عن أحد انه لا يمكن أن نوجه إلى الدين إلا بعد إقامة العلاقات معه والتقرب منه بخدمته , فمثل هذا يخدم أولا , فإنما ينوي بالخدمة انه سيخرجه في سبيل الله فمع هذا الأمل يستعين الله بالدعاء له أيضا .
(98) قال : إن بعض الناس لعدم علمهم عن أعماق دعوة الإيمان هذه لم يرغبوا فيها , فلذا هم قائمون بنشر بعض الأحكام والمسائل الدينية التي مقصرون فيها المسلمون فيرونها أهم من ذلك , فمثلا الشخص الفلاني واتباعه يرون أن نشر أحكام الشرعية الفلانية واصلاح العادات الرزيلة الفلانية لها أهمية اكثر فلتكن طريقتنا مع هؤلاء أن نحرضهم على القيام بان يجتهدوا لنشر الأحكام والمسائل واصلاح العادات الرزيلة في ميوات , لان أهل ميوات مقصرون جدا حتى الآن لم يعم فيها تقسيم التركة والوراثة حسب الطريقة الشرعية إلا قليلا وكذلك لا زالت فيهم بعض العادات السيئة منها على سبيل المثال انه لم يعم فيهم التزوج في الأقارب
( أقول : وهي من عادات الهندوسية )
فالشخص الفلاني واتباعه فيحرضوا على القيام لنشر هذه الأحكام في ميوات فيخبروا إن أهل الميوات قد انسوا عمل الدعوة والتبليغ على حد ما . فإذا انتم اهتممتم قليلا في رعاية عمل التبليغ فإنكم تجدون النصرة في عملكم في نشر أحكام الشرع , واصلاح العادات الباطلة , وبهذه الطريقة تستطيعون نشر تلك الأحكام والمسائل واصلاح العادات الجاهلية المعممة في ميوات بسهولة وبهذه الطريقة يستطيعون أولئك الأشخاص أن يفهموا عمق مهمة التبليغ وسعته ويتمكنوا من مشاهدة اثراته ونتائجه ثم سيتوجهون إلى هذا العمل إن شاء الله تعالى .
(99) قال رحمه الله : أنا عندما اطلب طبيبا للعلاج فإنما اطلبه لادعوه إلى عمل الدعوة والتبليغ , واجعل معالجتي منه حيله , فادعوه إلى الانشغال في دعوة الله . فلاجل ذلك لا اسمح له للمعالجة إلا للأطباء الذين فيهم أمل لامكانية قبول ه

شبكة الدعوة والتبليغ

http://www.binatiih.com

 
 
المشاركة السابقة : المشاركة التالية
الكاتب: محمد
 مراسلة موقع رسالة خاصة
أزيز المرجل [بتاريخ : الأربعاء 05-11-1428 هـ 10:38 مساء ]

نحمده ونصلي على رسوله الكريم
رحمك الله رحمة واسعة يا شيخ الياس.
يا من اختارك الله لتكون سببا لتغيير حياة الملايين من الناس من الضلالة الى الهدى,طوبى لك وحسن مأب.
الفاتحة عن روح الشيخ الياس الكاندهلوي رحمة الله تعالى عليه

ربنا توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين

لا يسمح لك بمشاهدة الصور


-------------------------------------
:(: قل هذه سبيلي أدعوا الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني :):

الكاتب: دعوة الى الممات
 مراسلة موقع رسالة خاصة
سبحان الله [بتاريخ : الثلاثاء 02-04-1429 هـ 06:03 صباحا ]

منذ نعومة اظفارى وانا من اسرة كلها  تعرف هذا العمل المبارك ولكن لأول مرة اقرأ سيرة هذا الاسد!!!وأعرف انه من سلالة الصديق
أخوتى الكرام اليس  بقرأة سيرته وهو فى قبره دعوة؟؟؟الاتحسو  بأنها  تهز المشاعر من الداخل؟؟
الا  ان سلعة الله  غالية  الا  ان  سلعة  الله  الجنة

لا يسمح لك بمشاهدة الصور


-------------------------------------
اللهم بصرنى بعيوبى عن عيوب المسلمين وبذنوبى عن ذنوب المسلمين...واغفرها لى

الكاتب: أبونسيبه الحضرمي
 مراسلة موقع رسالة خاصة
[بتاريخ : الأحد 26-03-1430 هـ 03:14 مساء ]

ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
والله ذو الفضل العظيم
رحمك الله رحمة واسعه ياشيخ إلياس
وأسكنك فسيح جناته
أمين أمين

لا يسمح لك بمشاهدة الصور


-------------------------------------
عش ماشئت فإنك ميت
وأحبب من شئت فإنك مفارقه
وكن كماشئت فكما تدين تدان



 
 

أعلى الصفحة

برنامج البوابة العربية 2.2